زارا صالح: مازال البحث عن الأسماء البراقة ثقافة طاغية

زارا صالح: مازال البحث عن الأسماء البراقة ثقافة طاغية

الرواية نت – لندن

يؤكّد الروائي الكردي السوري زارا صالح على أهمية الرواية في عالم اليوم، ويقول إنّه ليس هناك ما يعوّض متعة القراءة.

يلفت مبدع (الفرقة 17) إلى أنّ الرواية تنقل قارئها إلى أصقاع بعيدة متخيّلة وترتحل به ومعه عبر رحلة الزمن وتتجاوز الحدود إلى فضاءات العوالم الخفية حيث الحرية الكاملة في المعرفة والتنقل دون أية رقابة.

في حواره مع الرواية نت يكشف الروائي زارا صالح المقيم في بريطانيا، عن بعض آرائه في قضايا أدبية وحياتية بجرأة ومسؤولية..

-كيف تقيم تجربتك مع القراء؟

تعتبر تجربتي الروائية مع القراء شبه حديثة خاصة وأن روايتي الأخيرة (الفرقة 17) التي صدرت تزامنت مع عاصفة وباء فيروس كورونا التي شلت الحياة الى حد ما، لكن رغم كل تلك المعوقات لعملية النشر والتوزيع فان الرواية لاقت اعجابا وصدى بين أولئك القراء الذي تمكنوا من قراءة الرواية. الأمر الملفت والذي ولد لدي انطباعا وشعورا بالرضى من عملي الأخير هو تلك الآراء التي وصلتني من عدة قراء تطابقت انطباعات أغلبهم حول الرواية، بل وأكثر من قارئ ذكر لي بأنه كان يشعر بأنه هو بطل الرواية وكأن الرواية تتحدث عنه، وهذا بحد ذاته ما كنت أسعى اليه من خلال الرواية حيث ايصال الرسالة بكل سلاسة مع إضافة عنصر التشويق عبر سير الأحداث، لأنني دوما عند الكتابة آخذ دور القارئ أولا قبل أن أكون كاتبا.

-ما أهم الاعمال الروائية التي أثرت في تجربتك الابداعية؟ ماالرواية التي تتمنى لو كنت مؤلفها؟ هل من رواية تندم على كتابتها أو تشعر انك تسرعت في نشرها؟ ولماذا؟

حقيقة لايوجد عمل روائي محدد أستطيع من خلاله القول بأنه قد اثر في تجربتي الإبداعية لأن الكتابة من وجهة نظري تعتبر حالة تراكمية حيث تتطلب أولا توفر الموهبة الذاتية التي تحتاج الصقل من خلال ديمومة القراءة ومطالعة الأعمال الأدبية المختلفة لتكتمل تلك اللحظة من الرغبة في الكتابة الإبداعية.

لم ولن أتخيل يوما ما بأن أكون مؤلفا لرواية كتبت بقلم روائي آخر لأن الكتابة أولا هي حالة إبداعية وشعور داخلي يعايشه كاتب الرواية أي حالة روحية قبل أن تترجم على الورق. ومن خلال تجربتي المتواضعة يمكنني القول بأنه لايكفي فقط تقمص دور شخوص الرواية فقط بل على الروائي الخوض في أخذ دور تلك الشخصيات وكأنه يعيشها حقيقة.

-كيف ترى مستقبل الرواية في عالم متسارع يمضي نحو ثقافة الصورة؟

رغم التطور السريع للتكنولوجيا الذي أثر على نمط الحياة والتفكير لدى الانسان ومنها قضية القراءة فإن الرواية ستظل خير جليس ورفيق للمطالعة تواكب الفرد في مسيرته رغم توفر الوسائل الحديثة والسهلة والسريعة للقراءة وايصال المعلومة لكنها لاتقارن بمتعة الرواية التي هي في الأساس مصدر الكثير من ثقافة الصور الحالية. ثقافة القراءة وحمل الكتاب مازالت بنفس السوية في المجتمعات المتطورة في العالم بعكس المجتمعات العربية والشرقية التي أصلا قليلا ما تقرأ وهي ستفضل على الأغلب الوسائل السهلة وثقافة الصور.

في بريطانيا ومعظم الدول الأوروبية تعتبر قراءة القصص ومختلف الكتب إحدى ركائز المناهج التعليمية في كافة مراحل التعليم الاساسية لتكون النتيجة المنطقية في استمرار ثقافة المطالة والكتاب في كافة الأماكن والأوقات.

-كيف تنظر إلى واقع النقد في العالم العربي؟

النقد الأدبي بحد ذاته يعتبر عملا إبداعيا لايقل أهمية عن الكتابة الإبداعية وفي ظل هذا الكم الكبير من الروايات مقارنة مع عدد اولئك المتخصصين والمتفرغين للنقد هناك عدد قليل جدا في هذا المجال مما يقلل من فرص الكثير من الروايات لتمر عبر بوصلة النقد. وبطبيعة الحال سنرى ظواهر سلبية قد تعكس ذلك الواقع إضافة إلى حالة الانتقائية والمعرفة الشخصية والاحكام المسبقة والنمطية التي تسبغ المجتمعات الشرقية التي تتعامل بسيكولوجية العاطفة والرومانسية وبالتالي فان واقع النقد لن يكون بعيدا عن ذلك الواقع وسيكون إحدى نتائجه حتما. مازال البحث عن الأسماء البراقة ثقافة طاغية على حساب المواهب والنتاجات الأدبية الحديثة التي تهمش إلى حد كبير ولا تأخذ نصيبها من النقد.

-الى أي حد تعتبر أن تجربتك أخذت حقها من النقد؟

بما أن التجربة الروائية حديثة كما ذكرت سابقا والظروف الحالية من انتشار الوباء فان روايتي الاخيرة مازالت تنتظر دورها في ايكو(سكان) النقد الادبي. رغم ذلك فانني راض عن عملي الروائي ورسالتي الادبية بين القراء بالاضافة الى أراء الايجابية من بعض الكتاب والشعراء والروائيين مع بعض الملاحظات النقدية التي تحفزني لتقديم نتاج أفضل في المستقبل.

-كيف تجد فكرة تسويق الأعمال الروائية وهل تبلورت سوق عربية للرواية؟

تسويق الأعمال الروائية في العالم العربي والشرق أوسطي ليس بالأمر السهل مقارنة مع نظيرتها من دول العالم المتطور في هذا المجال. أولا من حيث التكلفة والتمويل ومن ثم ايجاد سوق للعمل الروائي وثانيا وهو العامل الاهم الذي يكمن في انحسار ثقافة القراءة حيث طبعت هذه المجتمعات بظاهرة – أمة أقرأ التي لا تقرأ والتي تعتبر القراءة عملة نادرة في قاموس حياتها اليومي وبكل تأكيد هذا يؤثر على عملية التسويق والاقبال على الشراء بشكل عام. أضف الى ذلك فان الذوق”الاستهلاكي” للقارئ العربي أصبح ظاهرة في نمط الحياة الالكترونية الحديثة مما زاد من مساحة الهوة الموجودة سلفا بين الكتاب والقارئ وتفضيل الموبايل كمصدر لكل شئ.

-هل تحدثنا عن خيط البداية الذي شكل شرارة لاحد أعمالك الروائية؟

في مجتمعاتنا وفي ظل كابوس الأنظمة الدكتاتورية والشمولية التي تجعل حياة الانسان فيها سجنا كبيرا هي بحد ذاتها رواية. هي الرعب والعاصفة والتراجيديا الحية منذ ولادة الانسان وهذا ما يطبع على أغلب الروايات والتي أعتقد أنها حالة طبيعية وقد يعتبره البعض كسمة تلاحق هكذا روايات لكنه في الحقيقة واقع قد يفوق خيال الروائي أحيانا. نحن نعيش لهيب الحياة اليومي بكل تجلياته وقد لانحتاج لشرارة ما عند الكتابة ولكن الكتابة ليست بالضرورة قد تكون بحاجة لشرارة لاستيقاظ شيطان الكتابة الإبداعية في بعض الأحيان.

-الى أي حد تلعب الجوائز دورا في تصدير الاعمال الروائية أو التعتيم على روايات أخرى؟

الكتابة هي حالة ابداعية ذاتية تدفع الكاتب الى ترجمة أفكاره على الورق أو حتى قبل أن يتخيل بأنه سيصبح روائيا في يوم ما، بعد ذلك تأتي مسألة الجوائز التي قد تكون حافزا إيجابيا فيما بعد لتقديم الأفضل ولكنه ليس شرطا. وموضوع الجوائز في العالم الادبي محكوم بالجهات والمؤسسات الداعمة والمنظمة لها أي أن هناك توجهاً وتركيزاً على أسماء وأعمال تكون قريبة من المصدر الداعم وحتى التوجه السياسي والثقافي لتلك الأطراف. ليست كافة الروايات التي حصدت الجوائز قد تمر عبر تلك العملية ولكن أغلبها مثلها مثل بقية الجوائز في المجالات الأخرى أو عمليات صعود أسماء فجأة والتركيز عليها إعلاميا أيضا. لكن بتقديري قيمة العمل الروائي والحكم عليه يأتي من القارئ أولا وأخيرا لأنه الأقرب إلى الحقيقة والعفوية.

-كيف تجد واقع ترجمة الادب العربي الى اللغات الاخرى؟

الأعمال الأدبية هي قليلة تلك التي ترجمت من العربية إلى اللغات الأخرى وأعتقد هذه مسألة ليست بالسهلة لاسيما اذا كنا نعلم بأنّ الرواية في المجتمعات العربية مازالت تعاني الكثير من حيث قلة القراء وضعف التسويق وغيرها من العوامل اضافة إلى الافتقار الى مؤسسات ثقافية-تجارية تقوم بتبني هكذا مشاريع في ظل غياب الدعم الحكومي في أغلب البلدان.

-يعاني المبدع من سلطة الرقابة خاصة (الاجتماعية والسياسية والدينية) الى أي درجة تشعر بهيمنتها على أعمالك؟ أو الحد من ايصال رسالتك الابداعية وهل أنت مع نسف جميع السلطات الرقابية؟

سلطة الرقابة السياسية والدينية والاجتماعية ترافق الكتابة في أغلب مجتمعاتنا وخاصة الرقابة السياسية التي تعتبر متلازمة مرضية لتلك الأنظمة في وجودها ولهذا ستكون النتاجات وفق مقاييس مقص تلك الرقابات الثلاث وحتى الكتابة احيانا تراعي الجوانب الاجتماعية ويتخوف الكاتب من تبعات الكتابة او رواية ما التي قد يفهم من قبل البيئة الاجتماعية بشكل خطأ وكأن الروائي يتحدث في روايته عن أشخاص معروفين وقد تنتهي بحوادث لاتحمد قباه وهذا ما يعيق العمل الابداعي والكتابة بحد ذاتها أحيانا، إضافة الى العامل الذاتي الذي يرافق الكاتب نفسه في ازدواجية الرقيب الذاتي الذي يثقل كاهل الكتابة الابداعية. أما في المجتمعات المتحضرة وهنا أتحدث عن بريطانيا حيث أقيم الآن فإنّ هكذا معايير تعتبر غير قائمة في ظل ضمان وحماية قيم الحرية والتعبير والديمقراطية حيث أن الانسان عندما يعيش ضمن فضاءات القيم السامية مثل الحرية فإنّ الجوانب الإبداعية تزدهر وتطفو في هكذا مناخات طبيعية دون خوف ورقابة، وبالتالي فإنّ الارتقاء بالكتابة والعمل الابداعي بحاجة الى نسف لجميع تلك السلطات الرقابية. 

-ماهي رسالتك لقرائك؟

لا شيء يعوض متعة القراءة خاصة النسخ الورقية، تحمله معك أينما كان ورفيق درب في رحلة الاسفار أو هدوء الليل حيث الكتاب صديقا قبل النوم ورحلة الاحلام. من المفضل عدم الحكم على الرواية من خلال الاسم أو عنوان الكتاب رغم أن بعض العناوين تلفت الانتباه وقد توحي أحيانا بطبيعة الرواية لكنها تظل غير كافية للحكم قبل قراءتها كاملة ولهذا أنصح بالقراءة ثم القراءة ومعرفة طبيعة أي مجتمع بكل التفاصيل يكون مدخله عبر الرواية لأنها تنقلك عبرها الى هناك بعيدا عبر رحلة الزمن تجاوز الحدود فضاءات العوالم الخفية والحرية الكاملة في المعرفة والتنقل دون أية رقابة.