"حطب سراييفو".. الوجع الذي تسببه الحروب

"حطب سراييفو".. الوجع الذي تسببه الحروب

عبد الكريم قادري

تعكس رواية “حطب سراييفو” الصادرة عن منشورات ضفاف بلبنان، والاختلاف بالجزائر، 2019، المرجعية الثقافية المتنوعة لمؤلفها الروائي الجزائري سعيد خطيبي، ويمكن الوقوف على هذا في كل جزء أو فصل من هذا العمل السردي، حيث نجد الشخصيات الساردة في الرواية تستأنس بذكر أسماء عديدة ومنوعة، عالمية ومحلية، في الأدب والسينما والمسرح والغناء والرياضة وغيرها من الفنون والنشاطات الأخرى، ويأتي هذا الاستشهاد حسب سياق الحدث الذي يأتي في متن الرواية، خدمة لغرض درامي وفني، أو لهدف ما يريد الكاتب أن يوصله إلى القارئ، ليحرضه على تتبع مساراتها ومنجزاتها الفنية والأدبية المختلفة، حتى يكوّن فكرة شاملة عنها، وهي محاولة ذكية من الكاتب لنقل شغفه في المطالعة والسماع والمشاهدة للقارئ، ويمكن أن نطلق في هذه الحالة على رواية “حطب سراييفو” مصطلح “الرواية المثقفة”، لأنها لا تكتفي بإدخال القارئ إلى عوالم المتعة والترفيه واللذة التي من المفترض أن يقدمها أي عمل أدبي أو فني، بل تتجاوز هذا المستوى لتجعل هذا القارئ أكثر فاعلية، تزرع فيه بذور الاطلاع والاكتشاف ومعرفة بعض الأشياء التي كان يجهلها، لتصبح الرواية أكثر وظيفية مما خُطط لها.

“حطب سراييفو” رواية إنسانية تنقل الوجع الذي تنتجه الحروب، وتحرض القارئ ليلعن السياسي الذي أمر بها، وفي نفس الوقت تجعله يبكي على الأزمنة التي تشكّلت فيها، لأنها قاسية على الإنسان الذي يعيش متونها ويُعايش نهر حزنها الممتد عبر الزمن،  لتشرب من مائه أجيال عدة، تتوارث الحزن والوجع والدموع التي سالت من عيون عائلاتهم وأقاربهم ومجتمعهم وبلدانهم، وكأنّ هذه الرواية جاءت لتعيد اكتشاف الألم الذي عاشه الجزائريون خلال عشرية من الزمن، وفي نفس الوقت ووراء الضفة الأخرى عاشه اليوغسلافيون بشكل ما ومختلف، جعلت هذا البلد الكبير يتفتت ويتحول إلى دويلات صغيرة بسبب الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية التي نخرت خرائطه.


عين ترى سراييفو وقلب يتلو جرح الجزائر
ترتكز الرواية على شخصيتين رئيسيتين، وهما “سليم دبكي” الصحافي الجزائري الذي يعمل في جريدة “الحر”، بعد فترة وجد نفسه بلا عمل بعدما أغلقت الجريدة أبوابها، يعيش حياة غامضة في العاصمة بسبب الأحداث الدامية التي تمر بها البلاد، تربطه علاقة غرامية بمليكة التي تدرس اللغة الانكليزية، لكن مكالمة واحدة من أخيه فاروق تكسر هذا الروتين الذي يعيشه، حيث يخبره بأن عمه أحمد الذي يعيش في سلوفينيا يدعوه لزيارته هناك، وهي الفرصة المواتية لسليم حتى يغير الأجواء التي باتت تخنق أنفاسه في العاصمة، وفي نفس الوقت ليهرب من أخبار الموت التي أصبح يسمعها كل يوم في بلاده.

“رواية “حطب سراييفو”، هي صرخة في وجه المآسي، مصافحة إنسانية بين الشرق والغرب، هي المزاوجة بين الثقافات والجسر الذي توصل بينها”

أما الشخصية الثانية فهي التي تعكسها “إفانا” التي تعيش في أسرة مضطربة، بين أم صامتة أغلب وقتها، لا تهتم لها ولا لمصيرها، وأخت مريضة نفسيا، وأخ هاجر إلى سلوفينيا يبحث عن فرصته هناك، وهي شابة تعمل كنادلة في فندق لتنتقل بعدها إلى العمل في مقهى بليوبليانا عاصمة سلوفينيا، وفي نفس الوقت يرافقها حلم كبير في أن تكون كاتبة مسرحية في يوم ما.
تأتي أحداث الرواية عن طريق عملية السرد التي تقوم بها الشخصيتان المذكورتان، ومن خلالهما تتشظى الأحداث زمانيا ومكانيا، يستعملها الكاتب في روايته بالتناوب، حتى يضمن سلاسة في طرح الأفكار والمواقف، ومن خلال هذا البناء الهيكلي يسافر الروائي بكل حرية بين الأزمنة المختلفة للجانبين، وفي نفس الوقت يتحرك في كل الفضاءات بدون أي صعوبة، وتتفرع من كل صوت رئيسي العديد من الأصوات الأخرى، التي يتم من خلالها إبراز أحداثها ووقائعها المتعددة، وكل هذا يأتي من خلال صوت منخفض لا يكاد القارئ ينتبه له لخفوته وسلاسة مروره عليه، حتى يخفف الضغط من السارد الرئيسي ويعينه على طرح التفاصيل وإعادة تشكيلها في سياق معين لخدمة الرؤيا العامة للرواية.

شخصية المثقف في الرواية        
“سليم” صحافي ويملك مرجعية أدبية وفنية كبيرة، “إفانا” كاتبة مسرحية وإن كان عملها نادلة، “فتحي” هو الآخر صحافي، مليكة أستاذة لغة انكليزية، صنعت هذه الشخصيات “المثقفة” معظم أحداث الرواية وكانت محركها الرئيسي، لهذا لا يتعجب القارئ حين يجد أسماء مثل المخرج السينمائي أمير كوستوريتسا،

“رواية تعرف كيف تبرز مفاتنها للقارئ، من خلال الاعتماد على الجمل الفعلية القصيرة والأحداث المتنوعة والحبكة القوية التي تجعل القارئ يحس بنشوة الانتصار عندما ينهي قراءتها”

المخرج المسرحي عبد القادر علولة، المغني الشاب حسني أو خالد، الصحافي جيلالي اليابس، الروائي رشيد ميموني أو مولود معمري، الناقد بختي بن عودة، وغيرها من الأسماء الأخرى التي يتكرر بعضها باستمرار في المتن الروائي، لكن هذا الذكر جاء في سياق وضرورة درامية، يخدم بشكل ما الثيمة الرئيسية، وفي نفس الوقت يبرز مرجعية ومنبت الشخصية الساردة، حتى يتسنى للقارئ فهمها أكثر، والوقوف على الفضاء الزمكاني الذي نمت وكبرت فيه، ليفهم حنينها له أو هروبها منه، أو الاثنين معا، وأكثر من هذا يقوم الروائي بنقل سلسلة من التواريخ والأحداث المهمة التي مر بها كل طرف، مع جعل جحيم الحرب ومآسيها هو الرابط الأساسي الذي يجمعها، وكأن الحرب تحولت في هذه الرواية إلى لغة واحدة يجيدها ويتكلمها كل البشر،  لكن ما هو المقابل الذي يمكن أن نحارب به هذه المآسي التي تصنعها، فلن يكون هذا إلا من خلال الفنون والآداب، فهي السبيل الوحيد للوقوف في وجهها ومجابهة جبروتها، ومداواة الأحزان بها، مثل ما فعلت “إفانا” مثلا، التي لم تجد منفذا لأحزانها المتنوعة التي ألمت بها، من خلال الماضي الذي عاشه والدها وتحملت هي مسؤوليته، أو الحاضر الذي عاكسها من خلال ابتزازها في موهبتها، أو الحبيب الذي لم تجد فيها ما يمكن أن تستعين به على الزمن، لتكون الكتابة هي البلسم الذي تعالج به جراحها، كتابة المسرح الذي تقول عنه في الصفحة 206 و207 “أعرف أن المسرح لن يملأ بطون الجوعى، ولن يكسو أجساد العراة، لكنه يخفف عنهم عزلتهم، يُنسيهم يأسهم، المسرح يعلمهم كيف ينصتون لبعضهم بعضا، يساعدهم في المشي بقامات منتصبة، وأن لا يخجلوا من تحمل خطاياهم”. ولقد اختار الكاتب سعيد خطيبي هذا الفن لعلمه بأنه المعادل الموضوعي للحياة، أو كما يطلق عليه “أبو الفنون”، لأنه يجمعها كلها وفي نفس الوقت يعكس الحياة بكل أشكالها.
رواية “حطب سراييفو”، هي صرخة في وجه المآسي، مصافحة إنسانية بين الشرق والغرب، هي المزاوجة بين الثقافات والجسر الذي توصل بينها، هي رواية تعرف كيف تبرز مفاتنها للقارئ، من خلال الاعتماد على الجمل الفعلية القصيرة والأحداث المتنوعة والحبكة القوية التي تجعل القارئ يحس بنشوة الانتصار عندما ينهي قراءتها.

diffah.alaraby.co.uk