نسرين بلوط: الروائي مدوّن للانطباع الفكري والثقافي السائد

نسرين بلوط: الروائي مدوّن للانطباع الفكري والثقافي السائد

خلود الفلاح

نسرين بلوط شاعرة وروائية لبنانية، ويشغلها القارئ لحظة الكتابة. في روايتها الجديدة “سرير الغجري” هناك إسقاط تاريخي يثبته الشاعر لوركا من خلال سرده لمذكرات الامام أبي حامد محمد الغزالي التي عثر عليها من خلال صياد يدعى فرانكو.

نسرين بلوط لم تترك الشعر بل تشعّبت في كتابته، الشعر تجرّعٌ غير محدود لخمر الاحساس الوصفي مع غمس الحبر بالفلسفة والتاريخ لإثرائه، ولكنّه سريعٌ خاطفٌ لا يسهب في السرد والتفصيل، جماله وفنّه في اقتضابه، ورقيّه في عبوره السريع للنور التعبيري، أمّا الرواية فهي تسهب وتدمج وتفصّل وتعلّل وترفض، الشخصيات في الشعر غير الشخصيات في الرواية، الحبيب مثلاً في الشعر كخفق جناح الطير سريع الوصف، وفي الرواية هو محور أساسي ومحرّك لتسيير باقي عناصر القصة، والثورة في الشعر كالطاحون تدور في سرعةٍ جامحة لا تشبه ثورة الروايات التي تحكي تاريخاً مفصّلاً مكوّناً من أناسٍ وسياسية وحربٍ وعتادٍ وعراكٍ وحوار، ولم أترك الشعر ولم يتركني ولكنّي أثريته من خلال تطعيمه بالتاريخ. بحسب بلوط

تنطلق الروائية نسرين بلوط في رواياتها (الخطيئة) و(سرير الغجري) من التاريخ، وتلفت بلوط إلى أن التاريخ جزء من ذاكرة البشرية، وقد ذكره السالفون من قبل وقال عنه الفقيه الكوفي سفيان الثوري (التاريخ هو العمق الاستراتيجي لمن يبتغي صناعة المجد في الحاضر والمستقبل.) فالتاريخ طريقٌ مخطوطٌ بتجاعيد الحكمة وتضاريس الكون بإيديولوجيته ولوجيسيته وميثيولوجيته واساطيره، يحدّد مسائل ومصائر الأرواح العالقة بين الواقع والخيال. فالجن تاريخ والأشباح تاريخ والجريمة تاريخ والسياسة تاريخ والاجتماع والاقتصاد، كل ما يحيط بنا يعود إلى الذاكرة، تماماً كأفنان الأشجار ترتع في ظلّ الريح والمطر والنسيم والشمس، ثم تتناثر في فصول وتتجمّع في فصولٍ أخرى، تموت لتحيا وتحيا لتموت. وتستطرد “في رواياتي سواء رواية (مساؤك ألم) أو (الخطيئة) أو (سرير الغجري)، سطّرتُ التاريخ بخيال كاتب وليس بقلم مؤرخ، لعشقي لهذا الانصهار الاجباري بين الانسان والماضي السحيق.

 وتقول نسرين بلوط التساؤل الذي يدور في فلك رواياتي هو مجموعة من التساؤلات، تنطلق من تساؤل فلسفي وفكري عن الوجود، عن عدم تغلب التاريخ على أطماع الانسان، وأن لا رادع للشرور حتى بعد أن تصبّرت أمثلة حيّة على مدى عصورٍ من الزمان على أنّها اخفاقٌ واجحافٌ في حقّ الآخرين، السياسة لا دين لها ولا كبير، تتقلّب على لظى الجمر المتّقد طمعاً وجوراً وتتكرّر دون ضمير من عصرٍ إلى عصر، تساؤلاتي ليست فقط عن فرانكو وغراسياني والظالم والمستعمر والمستبد، هي عن محورٍ فلسفي لجبروت العقل  البشري من غير حدود ولا رادع، وعن تعاويذ الخطيئة التي تطغى على الفضيلة عبر الأزمنة، وهذه التساؤلات يكتشفها القارئ في كلّ رواية من رواياتي الثلاث، وفي كلّ فصلٍ من فصولها.­­­

إسقاط روائي

 الشاعر الإسباني لوركا الذي تجري على لسانه أحداث رواية (سرير الغجري).  وهنا نسأل كيف استطعتِ إسقاط ما حدث في اسبانيا في ذلك التاريخ على زمننا المعاصر، فتقول “الاسقاط الأدبي في الكتابة يحتاج إلى فنٍّ دقيق بحواشي مجردّة من الهيكل الفني المعتاد، لأنّ سلسلةً من جبال التقارب الوصفي والحدثي تنتصب في وجه الكاتب.”

وترى نسرين بلوط أن الشاعر لوركا كان رمزاً للميتافيزيقيا النقدية التي تضم الصيرورة والكينونة وصلب الواقع، كان شاعراً مشرّد البال، منتصب الارادة، يسير مع الغجر على كفّ الريح، يعتنق السراب بمؤشر غيبيٍّ للماضي وللمستقبل معاً، يعود على أعقابه للتاريخ عندما يتخيّل قصة عثوره على مذكّرات الإمام الغزالي من خلال صيّاد مسكين أسماه “فرانكو”، وهو نفس اسم قاتله المستقبلي، لهذا يدمج ما حدث لاسبانيا منذ عهد المعتمد بن عبّاد، ليجري مقارنة واضحة بينه وبين المعتمد بن عباد منكبّاً على معلومات وأحاسيس استقاها عندما صالب قلمه حول روحه وآمن بتكرار الحدث في كلّ زمانٍ ومكان، فدمج الحداثة مع الأصالة، لأنّ الحديث يرجع لأصله، والأصل ينبثق من التاريخ. هكذا يغيب ذهن الكاتب في الأبواب السحرية التي تجمع بين التحفيز والتركيز ما بين تاريخين وفترات حليقة الرؤوس فضحها الفساد والغش واللاانسانية، الموت المجحف جمع بين عصرين، موت ملك كالمعتمد بن عباد، وموت شاعر ملك مثل لوركا.

في رواية الخطيئة تناولت حقبة من تاريخ لبنان 1840 و 1860، ابان الاحتلال العثماني وثورة طانيوس شاهين. والراهبة ميرا. كتبت عن التاريخ الإنساني المنسي. وهنا توضح نسرين بلوط أن هناك جانبٌ انسانيٌّ لامرئي في تاريخ الوطن، الراهبة ميرا كانت خطيئتها الثقة التي سبغتها على المحبوب فخانها، والوطن كانت خطيئته أنّه أعطى النضال والوطنية ولم يلقَ سوى شحوب الخيانة في شكلٍ راكعٍ لظلام العبودية، هذا العمقُ الانسيابي للمعنى الروحاني للوصف المحسوس، يتجلّى في عالم الرواقيين الفلاسفة على أنّه انصياعٌ للآلام والخطايا بروحٍ جامدة لا قهر فيها، محجور في احتباس للشكوى من غير احتياجٍ للفرج.

وتعتبر بلوط أن الانطوائية النفسية التي طغت في ذاك العصر تشكّلت من صراعٍ مذهبي وتفتّتٍ انساني. غوستاف فلوبير كتب في (ثلاث حكايات) تأويلاً للتاريخ وترجيحاً للماضي الصوفي لدى الانسان، وفرناندو بيسوا كتب في مخطوطه (تربية الرواقي) عن التأرجحات النفسية بين الثابت والرملي المتحرّك، وعالج منطق الذاكرة والرجوع إلى الوراء، وماركيز ركّز في رواياته على الكتابة الرمزية عن التاريخ، ليصغّر العالم إلى جزيرة أو قرية والاهتزازات النفسية إلى حالةٍ محدّدة، وكذلك فعل نجيب محفوظ عندما سطّر تاريخ مصر في حارةٍ ضيّقة تحوي القوي والضعيف، السياسي والاحتوائي، وتشارلز ديكنز الذي كتب عن تاريخ المقصلة والثورات، وميغيل دي ثيربانتس سابيدرا الذي كتب رائعته دون كيخوتي التي تحكي تقاليد الفروسية واظهار العنصر الملحمي والتراجيدي في الرواية، وكذلك حكاية غاتبسي العظيم لفرنسيس سكات فيتزجيرالد. هؤلاء وغيرهم الكثير من الروائيين ركّزوا جام حماستهم وصبّوا كلّ انطباعهم على زوايا ضائعة في حكايا التاريخ، فهم ليسوا مؤرخين يرجحّون كفّة التواريخ الدقيقة، بل هم مدوّنون للانطباعات الفكرية والثقافية والانسانية التي كانت تدور في ذلك الحين.

وتتحدث نسرين بلوط عن المكان في الرواية التاريخية. وكيف التعامل معه قائلة “الهيكل الفني للكتابة قد يحتاج دائماً للمكان والزمان، وقد تخلّى البعض عن ذكر المكان مثل الكاتب عتيق رحيمي الذي كان يهمّش وصف المكان أو تحديده في بعض رواياته، فقد يصف العديد من النقاد بأنّ صناعة الزمان تقتضي وجود المكان، والبعض الآخر يرى في تغييب المكان عنصراً تشويقيّاً فعّالاً في تحريك جموح القارئ الخيالي، والتدليل عليه من خلال اشارات رمزية واهية، وبالنسبة لي فإنّ استحضار المكان فانتازيا واثارة بحدّ ذاتها،  إذ تصنع الحدث في قالبٍ فنيٍّ محبوكٍ، وقد جمعتُ بين المكان العصري والقديم مثلاً في روايتي (سرير الغجري) مع أنّه نفسه، وأحياناً قد يكون المكانُ وصفيّاً مثل الصحراء من غير ذكر البلد، كما فعل الكاتب الصحراوي ابراهيم الكوني في رواياته التي ثملت من سحر الصحراء وتمرّغت بسرّ الناموس، في ابداعٍ متجرّدٍ من التحديد التفصيلي.”

وعن مدى انشغالها بالقارئ أثناء الكتابة توضح نسرين بلوط “كناقدةٍ أكتب في عدد من الصحف نقداً أدبياً لروايات غيري من الأدباء، أضع نفسي دائماً في موقع القارئ، لأحكم على الإنفعالات الذاتية التي يمرّ بها لحظة القراءة والتنقّل بين مفصل هام لمفصلٍ أهم في الرواية، ولهذا أتنبّه لكلِّ خللٍ غير واضح في صياغة الجمل والحدث وتسيير دفة السرد، حتى لا أشتّت ذهن من يقرأ وأبعث الملل إلى نفسه. القارئ هو المتلقي الذي يبعث الحماس في نفس الكاتب لتزويده بكلّ ما يخفى عنه من أسرار كونية ووجودية.”