«من الأداء إلى الشخصنة».. شخصية الراوي في رواية الرجل الخراب لبركة ساكن

«من الأداء إلى الشخصنة».. شخصية الراوي في رواية الرجل الخراب لبركة ساكن

زياد مبارك

     لا تقوم الرواية إلا بالراوي، العنصر في العمل السردي الذي يقوم بدور نقل الحدث من طور الحكاية إلى طور الخطاب – الحدث بكامل تفاصيله ومحتوياته من شخصيات وحدود مُؤطِّرة زمانية ومكانية. الراوي ذاك الوسيط بين المتلقِّي والنص بصورة ضمنية تفسِّرها ظاهرة الصوت السردي. والوسيط كذلك بين الروائي وشخصياته الورقية المتخيَّلة حيث يعالجها بمختلف الضمائر الراوية (الغائب، المخاطب والمتكلم). قد تكون الرواية متضمنة لرواة متعددين، وقد يروي الراوي من داخل الرواية ومن خارجها، وقد يكون مشاركاً في الحدث.

     هذا العنصر جذب اهتمام النقاد، وبحثوا في أنواعه ووظائفه، وعلاقته بأشياء السرد ابتداءً بالمروي له (العنصر الفني أيضاً) والخطاب والرؤية والتبئير والإيهام والصوت السردي… الى غير ذلك؛ لأنه – كما أسلفت – لا تقوم الرواية إلا به، فدوره وظيفي يمثل أداةً من أدوات السرد بيد الروائي.

     في روايته (الرجل الخراب) أضاف عبد العزيز بركة ساكن شخصية الرواي بجانب شخوص الرواية درويش، وزوجته نورا، وابنتهما ميمي، وصديقها توني.. وغيرهم. أضافه كشخصية وظفّها من ناحية أخرى في البناء السردي وفي نقلات عابرة داخل السرد. فبدت ذات كيان ملموس متفاعل مثل الشخصيات الروائية مع استعمالها كمعاون في العمل السردي.

    يمهِّد ساكن لشخصية الراوي منذ الفصل الأول، بقوله: «حسناً، أشعر الآن برغبة الراوي في التوقف عن السرد قليلاً»/ (الرواية، ص١٦). والذي يقدِّم للقارئ شخصية الراوي هنا هو الراوي بضمير المتكلم الذي ليس هو المؤلف بالضرورة كما يقول سعيد علوش في معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة. يمكن في هذا الخصوص طرح مقاربة لسرد ساكن عن معظم أحداث الرجل الخراب درويش بضمير الغائب (الراوي العليم) المراقب ضمناً للأحداث، وبين سرده عن شخصية الراوي بضمير المتكلم. ونحن هنا أمام صوتين سرديين لراويين من رواة الرواية. هذا الراوي بضمير المتكلم يمتلك (تليسكوب) أو مقرباً زمنياً يسمح له برؤية حقيقية للحالات النفسية بفضل الذاكرة كما قال مارسال بروست (معجم السرديات، محمد القاضي. ص٣٢٧). مما مكَّن السرد عن شخصية الراوي في الرواية انطلاقاً من هذه المزايا.

     بجانب ذلك يتضح اتكاء ساكن على شخصية الراوي في استعمالها لإنفاذ السرد عبر مسارات  يمهِّد لها بطريقة محورية في أجزاء الرواية، مثلاً: «دائماً ما ينسى درويش التجارب المُرة غير المستحبة، وقد يحتفظ بالجميلة ولكن الراوي العليم بكل شيء – كما هو الآن في هذه الرواية – يعرف حدثاً مهماً وقع لدرويش في هذا المكان بالذات، ولقد نسيه درويش تماماً»/ (الرواية، ص١٨).

     كما نجد أن المؤلف يصف الراوي: «أصبح الرواة سلطة فوق سلطة الكاتب الذي كان يظن نفسه – قديماً جداً – الخالق الفعلي للنص، والمتحكم المطلق في مصائر شخصياته وأدوات سرده التي في مقدمتها الراوي نفسه، مما أفقد الكُتَّاب كثيراً من حيلهم الموروثة، بل ماء وجوههم في بعض من الأحيان، ومقدرتهم على الخلق والإبداع»/ (الرواية، ص١٧). وهنا يبدو ساكن كمن يبرع في إطالة الخيط لتضيع الإبرة في لعبته السردية. فيختلط على القارئ تمييز شخصية الراوي ويعتبر أن المؤلف يكتب خواطر عن عنصر الراوي المعروف، ويعزز ساكن هذا التخيل في ذهن القارئ بسرده عن شخصية راوٍ آخر: «حكت لي كلتوم فضل الله – إحدى صديقاتي الكاتبات – أن راوياً خبيثاً في روايتها الجديدة قد تحرش بها»/ (الرواية، ص١٧).

      افتتح ساكن بعض فصوله باقتباسات من فصول سابقة يسبقها بعبارات عن شخصية الراوي، مثل مدخل الفصل الثاني: «عبَّر الراوي عن رغبته الآن  في أن يعود لجملة تم ذكرها في الفصل الأول ومرَّ عليها مروراً سريعاً سننقلها هنا كما هي…»/ (الرواية، ص٢٣). وفي الفصل الثالث، في المدخل أيضاً: «في هذا الفصل سنعود للجملة التي بدأنا بها الفصل الثاني». وبعد إيراده للجملة: «في هذا الفصل سيكمل لنا الراوي رحلة درويش إلى النمسا، ولكنه سيهتم لاحقاً بعلاقته بزوجته نورا»/ (الرواية، ص٤٥).   

     يتجلَّى هنا دور شخصية الرواي كجزء من الحدث، يراقبه ويتفاعل معه، ويؤدي دور الموجِّه الذهني للقارئ داخل السرد، مثل عبارات المؤلف في بداية الفصل الثاني: «غير الحادثة التي سيقصّها لنا الراوي بعد قليل، ستصادفنا أُخرى أيضاً تتعلق بالخنزير، وقد يحكي لنا القصتين، وفقاً لمزاجه»/ (الرواية، ص٣٥)، مؤثراً من خلال شخصيته المبتكرة في عامل التشويق.

     يفتتح ساكن الفصل الثامن المعنوَّن (بسِيرة المرأة) بمدخل: «في فقرة ما من هذه الرواية تحدَّث الراوي عن حب نورا لدرويش، أو حب درويش لها، أو حبهما لبعضهما البعض. في الواقع ذلك ليس دقيقاً، أو فلنقل أنه ليس واقعياً إذا تتبعنا سيرة الرجل والمرأة»/ (الرواية، ص٧٤). مؤثراً في عامل المفاجأة في فصول متأخرة، ومباغتة القارئ عن طريق صنع اختلافات في سرديات الرواة للحدث.

     مما حصده ساكن – إن جاز التعبير – من ضمِّه لشخصية الراوي إلى شخوص الرواية، هو تمكين السرد السلس في حيز زمني فعلي ضيق، فالزمن الفعلي (المُحيِّز للحدث الرئيس) في الرواية ساعات قليلة من النهار لم تتعدّ فترة زيارة توني لبيت أسرة درويش ووقت قليل قبل ذلك الحدث وبعده. أتاحت له شخصية الراوي تهيئة واستصلاح مساحات زمنية متجاوزة لضيق الزمن. ما حقَّق تفنين العمل السردي تحت مظلة المقولة الشائعة في أدبيات النقد الروائي: (إن الرواية هي فن الزمن مثلها مثل الموسيقى).

      المفارقات الزمنية والحدثية كانت حاضرة بتجسير يمرُّ عبره السرد بواسطة شخصية الراوي، مثلاً: «قد يتوقع القارئ الكريم أو القارئة الكريمة أن الرواية منذ هذه اللحظة سوف تمضي في واحدٍ من ثلاثة محاور: إما يكمل الراوي قصة زواج الأم من درويش… أو أن تمضي الرواية في خط آخر، وهو يمكن التنبؤ به أيضاً من قِبل القارئ أو القارئة، والمقصود هنا الحوادث التي تدور في هذه اللحظة في بيته، أي في غرفة ابنته… أما المحور الثالث فما يمكن أن نطلق عليه التناقضات العميقة في حياة درويش عبر سيرته الذاتية المحكيِّة في صورة فلاش باك… لكن للأسف حدث ما يصعب تفسيره للقراء والقارئات الكريمات. في الحق، إنني محرج من تناوله. إن الراوي قرَّر أن يهتم بحدثٍ تافهٍ عابرٍ وقع بينما كان درويش في طريق عودته إلى سالفلدن بقطار الرابعة والدقيقة الثامنة بعد الظهر»/ (الرواية، ص٨٦).

      استخدم ساكن تقنية الاسترجاع لاستعراض حياة درويش قبل عشرين عاماً. وتوزيع الرواية بضمير المتكلم على شخصيات الرواية. ويظل الراوي العليم هو وسيطه المؤسِّس للعلاقات بينه وبين شخصيات الرواية. أما شخصية الراوي فلعبت دوراً في استرجاع كثير من الأحداث الماضية، وفي السرد في الزمن الآني للحدث. وفي عرض رؤى متعددة أدغم ساكن ضمنها رؤيته لعنصر الراوي السردي بصورة متآلفة أضفت ظلاً نقدياً في أجواء الرواية.

     ختاماً؛ يمكن أن نعتبر أن شخصنة الراوي مثّلت تخليقاً لمنصّة تسيير وتأثير. وإيهاماً يتكشّف للقارئ فيما ذكرته نورا في فصل تذييل الرواية، بقولها: «دعوني أقول: إن الصورة التي رسمها الراوي والكاتب لدرويش، وربما كثيراً من الأحداث ليست صحيحة، بل مراوغة» (الرواية، ص١١٥). محققاً – ساكن – مراوغة القارئ عبر شخصية الراوي، أو كما قال: «الكاتب الماكر مثل السياسي العجوز يتلاعب بالبيضة والحجر في الكف ذاتها»/. (الرواية، ص١٠٨).

هامش:

• رواية (الرجل الخراب)، إصدار مؤسسة هنداوي.

• (معجم السرديات)، لمحمد القاضي.

• (الراوي في السرد المعاصر بين الرؤية والصوت)، بحث لنجلاء إبراهيم محمد اشنيبو، مقدَّم لنيل درجة الماجستير بكلية الآداب، جامعة مصراتة.

• مقال (مفهوم الزمن فلسفيًّا وسرديًّا في رواية الساخر العظيم)، لعبد الحسين صنكور، بموقع (كتابات).

• (معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة)، لسعيد علوش.