والليل رقيق.. أفضل روايات سكوت فيتزجيرالد

والليل رقيق.. أفضل روايات سكوت فيتزجيرالد

هيثم حسين

يعتبر الروائي الأميركي سكوت فيتزجيرالد من أبرز كتاب القرن العشرين، وإن اشتهر بروايته التي تحولت إلى فيلم سينمائي مهم “غاتسبي العظيم” فإنه هو نفسه يعتبر روايته “والليل رقيق” أفضل أعماله، حيث تبلور فيها أسلوبه المميز في حبك الأحداث وصناعة السحر من تفاصيل بسيطة.

 يتناول الأميركي ف. سكوت فيتزجيرالد (1896 – 1940) في روايته “.. والليل رقيق” الحياة المرفهة في العشرينات من القرن العشرين في الولايات المتحدة، والعقد المستعصية التي كانت تعاني منها بعض الشخصيات، بالموازاة مع التقاطه منعطفات التحول في تلك المرحلة.

يتكئ فيتزجيرالد في عمله (منشورات المدى، ترجمة أسامة منزلجي، 2019) على سيرته الحياتية والأحداث التي مر بها وعاشها برفقة زوجته زيلدا التي كانت تعاني من مشكلة نفسية صحية، ويظهر من خلال بطله ديك دايفر عالم المرضى والمدمنين.

طبيب وحبيب

تتمحور الرواية حول الزوجين الشابين ديك ونيكول دايفر اللذين يستأجران فيلا في جنوب فرنسا، ويكونان محاطين بأصدقاء أغلبهم من الأميركيين، تعاني الزوجة من ظروف صحية، ويكون ديك حريصاً عليها، ويعاينها وهو الطبيب الذي أشرف على حالتها قبل الاقتران بها، ثم يبدأ باستلطاف روزميري، وهي فتاة شابة تقيم مع والدتها بجوارهما، تقتحم عالمهما الزوجي ويصبح مفتوناً بها.

الحياة المرفهة في العشرينات من القرن العشرين في الولايات المتحدة
الحياة المرفهة في العشرينات من القرن العشرين في الولايات المتحدة

العلاقة المعقدة التي تجمع ديك بنيكول من جهة، ودييك بروزميري من جهة ثانية، تجد تجلياتها في سلوكيات ديك ومشاعره التي تسيطر عليه، والتي تقوم بتوجيهه صوب هذا الجانب أو ذاك، بعد أن تستشعر روزميري خللاً في علاقة الزوجين، وتتسلل إليها بطريقتها.

الزواج الذي ينهار في النهاية بعد تورط ديك بالمزيد من الخيبات والضياع في عالم الكحول والإدمان، وفقدانه زوجته، وحبيبته الصغيرة التي تتحول إلى نجمة هوليوودية، تمضي في طريقها بشكل مختلف بعيداً..

تتعقد تفاصيل القصة حين يتم العثور على جثة بيترسون، وهو رجل أسود، في غرفة روزميري في فندق بباريس، فيهب ديك لنجدتها، وتخليصها من الكارثة التي حلت عليها، والتي من شأنها تدمير مستقبلها المهني، فينقل الجثة للخارج ليخفي أية علاقة مفترضة بين روزميري وبيترسون، أو أي إحالة للجريمة إليها.

يبدأ الجزء الأول بتاريخ حالة، ويحدد الزمان بين سنتي 1917 و1919، وفي تلك الفترة كان دايفر منكباً على الدراسة والبحث، وكان يعتبرها فترة بطولية في حياته، ولم يكن يدرك أنه فاتن، وأن الحب الذي كان يمنحه ويثيره ليس شيئاً مستغرباً بين الأصحاء من الناس، وكان يهمس لنفسه وهو يتمشى حول ألسنة اللهب في غرفته أنه قد نجح في مسيرته.

يحكي أنه حين التقى ديك بنيكول كان يشعر بأنها فتاة تخلى عنها المجهول، وتمنى ألا يكون لها ماض، وأن تكون مجرد فتاة ضائعة لا عنوان لها غير الليل الذي جاءت منه، وذهبا معاً إلى المخبأ الذي تركت فيه الفونوغراف، وجلسا خلف جدار منخفض، في مواجهة أميال من الليل الممتد.

يصف صاحب “غاتسبي العظيم” كيف أن بطله ديك الذي أشرف على حالة نيكول مر بفترة من الإحساس الهائل بعدم الرضا، وكيف خلف المشهد المرضي والهزيمة التقنية للحالة مذاقاً مراً وكريهاً لديه، وشعر أن عواطف نيكول استغلت استغلالاً جائراً، وتراءت له في الحلم وهي تسير على ممر العيادة وتلوح بقبعتها القش الواسعة، وكان يسأل نفسه ماذا لو كان يبادلها العواطف نفسها؟ وهل ينبغي عليه بالضرورة أن يبتعد عن السعادة لبعض الوقت؟

تعترف نيكول بأنها حين تتحسن تود أن تصبح شخصاً رائعاً مثل ديك، وأنها كانت تود أن تدرس الطب لكن الوقت تأخر، وأنه يجب إنفاق المال لامتلاك منزل خاص، وأنها ملت الشقق والانتظار، وهو مل زيوريخ ولا يجد الوقت الكافي للكتابة، وتخبره أن الاعتراف بعدم الكتابة يعتبر نقطة ضعف عند العلماء.

وتقر كذلك أنها سوف تبحث في كامل رحاب المعرفة، وتنتقي شيئاً وتحيط به إحاطة تامة، لكي تتشبث به إذا ما انهارت من جديد، وسوف يساعدها ديك، كي لا ينتابها شعور فادح بالذنب، وأنهما سوف يعيشان بالقرب من شاطئ دافئ يمكنهما فيه أن يكتسبا سمرة وشباباً معاً.

مسارات جديدة

الأميركي ف. سكوت فيتزجيرالد روائي استثنائي يحول أبسط التفاصيل إلى عوالم من الإثارة
الأميركي ف. سكوت فيتزجيرالد روائي استثنائي يحول أبسط التفاصيل إلى عوالم من الإثارة

يلفت فيتزجيرالد إلى أن روزميري كانت مترددة في الخوض في الأسرار الشخصية، وكانت معجبة بديك دايفر الذي بدا لها كامل الأوصاف، وكانت معجبة به بصمت، وبشرته تميل إلى الاحمرار الذي لوحته الشمس، وكذلك الأمر مع شعره القصير، وشعرت بالسمة القاسية فيه، وبكبح جماح نفسه وبانضباطه الذاتي، وهي من فضائله
الخاصة.

يشعر ديك أنه يعود في بعض الأحيان إلى أجواء الحرب، وأن عالمه الآمن والجميل والمحبوب كله ينفجر بكمية ضخمة من الحب عالي الانفجار، ويسمع شكوى أحدهم أن روح الحرب تنهال عليه من جديد، وأنه خلف مئة عام من الحب وراءه وهو ينسف الخندق، ويبرز رأسه فوق حافة الجسر، وتراه يتبادل مع روزميري اللعب والتسلي.

يصف رغبة روزميري بالتعمق في معرفة ديك، وأنها واجهته بجدّية وسألته ما الذي يتخلى عنه؟ وهل هو عالم؟ فيخبرها أنه طبيب في المداواة، وأنه لم ينزل الخزي بنفسه حين كان في ذروة نجاحه المهني ويختبئ في الريفيرا، لكنه لا يمارس المهنة، ويعقب بقوله: مَن يدري، قد أعود إلى ممارستها ذات يوم.

يستنكف عن التمادي مع روزميري، ويخبرها أنها سوف تحظى بحب العديد من الناس وسيكون شيئاً جميلاً إذا قابلت حبها الأول سليم الصحة والعاطفة معاً، ونظرت إليه من دون أن تكون لديها أدنى فكرة عما يدور في رأسه، ورأته يخطو خطوة أخرى بطيئة الحركة، ويلتفت وينظر إليها من جديد، واشتهت لبرهة من الزمن أن تمسك به وتلتهمه، لكنها تراجعت وتركته يغادر.

أسلوب الكتابة كان من النوع الذي لا يقابله المرء إلا نادرا في أدب القصة الأميركي الجاد

كان ديك ينتقل من حالة لأخرى، وهو يتأرجح في علاقاته مع أكثر من امرأة، فتراه مشرقاً لحظة، وفي لحظة أخرى تعيساً حتى الأعماق، ويعميه الازدياد في النزعة الذاتية برهة عما يجري حوله، ويحرمه من التعرض لموجة المخيلة العميقة التي اعتمد عليها لإصدار أحكامه.

يلفت فيتزجيرالد إلى أن روزميري عشقت ديك لأنه أنقذها، وعبرت الكوارث التي كان يمكن أن تنتج عن الحادث كما النبوءة في ذهنها، وأصغت بوله جامح إلى صوته المهذب الواثق القوي وهو يطمئنها، ولكن قبل أن تصل إليه باندفاع الروح والجسد تركز انتباهه على شيء آخر، حيث بدأ سيل الألفاظ المسيئة يهطل على ديك من قبل نيكول التي تكشفه.

يمضي ديك في حياته بعيداً عن نيكول، وعن أسرته الصغيرة التي كونها معها، والتي كانت تضم ولدين صغيرين، في حين أن نيكول أيضاً اقترنت بزوج جديد لاحقاً، وظلت تتواصل مع ديك لتطلع على أحواله، وتطمئن إلى أنه بخير، وذلك من باب استمرار مسار الحياة لكل منهما، مع اختلاف السبل وتقطعها بهما معاً.

يذكر الناقد مالكوم كاولي أن أسلوب الكتابة كان من النوع الذي لا يقابله المرء إلا نادراً في أدب القصة الأميركي الجاد، وأن محاولته كانت تتطلب حيوية تخيلية خاصة، وكان يحاول أن يكتشف، ويبتكر قيماً في مجتمع يفتقر إليها.

جدير بالذكر أن فيتزجيرالد اعتبر روايته “والليل رقيق” أعظم أعماله، وذلك على الرغم من أنها قوبلت بفتور حين نشرها، لكنها حظيت بالتقدير لاحقاً، واعتبرت من قبل النقاد والدارسين من أفضل أعمال فيتزجيرالد. وفي عام 1998، صنفت روايته على قائمة أفضل 100 رواية باللغة الإنجليزية في القرن العشرين.