أبو بكر العيادي: الرواية «موضة» المرحلةِ الراهنة والجوائز فرضت عليها أنماطاً تخضع لشروط غيرِ مُعلنَة

أبو بكر العيادي: الرواية «موضة» المرحلةِ الراهنة والجوائز فرضت عليها أنماطاً تخضع لشروط غيرِ مُعلنَة

الرواية نت – لندن

برويّة وعمق وموضوعيّة يُفصّل العيّادي العلاقةَ الإشكالية بين الرواية والنقد، متغلغلاً في تفاصيلها، شرعيّةً أم لا شرعية، وحتى التفاصيل السريّة فيها، فينطلق في رؤيته من ذهنيّة الأمة التي لا تقبل إلا بالإجماع، وترفض الاختلاف في الرأي ليخلصَ إلى أنّ أيّ نقد لا يروق هذا الفكر سيُفسّر بالحسد والغَيْرة ورغبة التدمير. وبالمقابل يرى أنّ الكاتب الحقّ لا يربط مصير إبداعه بالنقد، فالرواية الجيدة جيدة ولو أجمع النقاد على تحطيمها، والرديئة رديئة ولو دفع صاحبها مال قارون لتلميعها.

كما يرى أن الروايةَ ليست ديوان العرب؛ بل موضة المرحلة العربية الراهنة؛ والكتب المطلوبة في المرحلة الراهنة: الرواية والكتب الدينية.

أما عن علاقة الإبداع الروائي بالجوائز فيرى أن الجوائز فرضت أنماطاً محددة على الرواية، فللجوائز شروطها غير المعلنة، ولها إيجابياتها وأخطارها….

– ما رأيك بما يسود من اعتقاد لدى عدد كبير من الروائيين أنّ النقد في العالم العربيّ معدوم، أو شبه معدوم، أو أنّه ليس هنالك نقّاد، أو أنّ النقّاد يكتبون بناء على محسوبيات، وهم مستقطبون في شلل أدبية يروّجون لأعمال أصدقائهم أو مَن تربطهم بهم مصالح، سواء دور نشر أو مؤسّسات صحافية؟

–   المشهد العام ينطبق عليه كل ما ذكرت. تراجع النقد في نظري قد يكون وليد الظرف الذي وجد فيه، ففي السابق كان لبعض النقاد حضور بارز حين كان عدد الروائيين قليلاً نسبياً، حتى أن القارئ كان يحفظ عن ظهر قلب عناوين رواياتهم جميعاً وحتى أسماء أبطالها، ولكن أمام الطفرة التي نشهدها اليوم، يبدو عدد النقاد ضئيلا قياسا بما يصدر من أعمال، وما يظهر من أسماء. الشيء الثاني الذي يفسّر هذا التراجع هو اختيار بعض النقاد الأسماء المكرّسة تجنبا للمغامرة النقدية، وللمعارك التي يشنها كل من لم يذهب نقد أدبه المذهب الذي يرجوه. الشيء الثالث خضوع النقاد الجدد لمنطق الشللية، لا يكتبون إلا عن رفاقهم، ولا يبدون مضاء أقلامهم إلا إذا تعلق الأمر بخصومهم. هذا فضلا عمن تخصص في تدبيج المديح لمنشورات دور بعينها، اتخذته موظفاً أو مستكتبا لديها.    

– هل ساهم غياب النقد الأكاديميّ في الصحافة، واقتصاره على أروقة الجامعات بنسبة كبيرة، في ترويج نوع من التسطيح والتمييع لمفهوم النقد الأدبي والروائيّ عربيّاً؟

– النقد الأكاديمي لا يناسب الصحافة، التي تتوجه إلى قارئ عاديّ في عمومه، قد يطوي الصحيفة منذ المصطلح الأول، وكلها وافدة غريبة لم تتعود عليها ذائقته، ولا يدرك في الغالب معناها. وقد كان لنا في تونس تجربة من هذا القبيل لم تكلل بالنجاح، واضطرت الصفحة إلى التوقف بعد بضعة أسابيع من انطلاقها. هنا يمكن التمييز بين صنفين من النقد، نقد أكاديمي يتوسل بالمناهج العلمية ويشفع تحليله بمرجعياته؛ قديمها وحديثها، وهو موجّه أساسا إلى الأكاديميين أنفسهم وطلابهم ممن يعدّون الشهادات الجامعية. ونقد جماهيري إن جاز القول يكتبه أكاديميون ويتوجهون فيه إلى كافة المهتمين بالأدب الشعري والسردي، دون تعال ولا حشد مصطلحات. وهذا ما نجد في الصحافة الفرنسية مثلا، حيث عادة ما يساهم أكاديميون كثر من فلاسفة، ومؤرخين وعلماء اجتماع وأساتذة أدب في تناول الظاهرة الأدبية، ومناقشة الأعمال التي تنشر في ملاحق كبريات الصحف، بلغة يفهمها الجميع. وهؤلاء هم الذين يمكن أن ينهضوا بمستوى صفحاتنا الثقافية، التي لم تزدهر إلا متى كانت تحت إشراف كاتب أو ناقد مرموق، قادر على استقطاب الأقلام الجيدة.  ومن الطبيعي، في غياب هذه الأقلام، أن يكون تناول النصوص سطحيا، لا يتجاوز في أحسن الحالات التعريف بما يصدر.    

– لاحظنا في سلسلة حوارات الرواية نت مع عدد من الروائيين والروائيات العرب تقاطع معظم الإجابات عن غياب النقد الروائيّ، أو تهميشه لأعمالهم أو قصوره عن متابعتهم، أو بقاء النقد أسير شلل ومجاملات ومحسوبيات، وأنّ أعمالهم لم تنل ما تستحقّ من نقد.. ما رأيك بهذه الآراء؟

– كل كاتب يطمع في أن يتحدث الناس عن مؤلفه، ويتناولوه بالقراءة والنقد، وهذا أمر مشروع. ولكن إذا أقررنا بعدم وجود قانون يمنع نشر الأدب الرديء، جاز لنا أيضا أن نقرّ بألا وجود لقانون يفرض على النقاد دراسة أدبنا. بل جاز أن نقبل كذلك بترفع النقد عن تناول كل الأعمال، لا سيما تلك التي لا تستحق القراءة أصلا، لهلهلة أسلوبها وضعف لغتها، فضلا عن أخطائها التي لا تغتفر لكاتب. صحيح أن الوسط الثقافي لم يعد كما كان، إذ تسربت إليه هو أيضا “أخلاقيات” هذا العصر المادي، الذي صار فيه كل شيء بثمن، إذ ثمة نقاد لا يكتبون إلا عن أسماء بعينها، وثمة آخرون يكتبون بمقابل، وكلاهما لا يلتزم الموضوعية في ما يكتب. علمتني التجربة أن الرواية الجيدة جيدة، ولو أجمع النقاد على تحطيمها، والرديئة رديئة ولو دفع صاحبها كنوز قارون لتلميعها. بقيت “البؤساء” خالدة برغم بلزاك وفلوبير وبودلير ولامارتين، وظلت “في البحث عن الزمن الضائع” شامخة برغم غمبروفيتش وريلكه وأراغون.    

– ما أسباب تحامل أغلب الروائيّين على النقّاد، واعتبار إبداعهم النقدي قاصراً أو تابعاً للإبداع الروائيّ؟

-النقد قول على قول، وكلام على كلام، ولذلك تأصلت في نفوس أغلب المبدعين فكرة تبعية النقد للإبداع، فهم الأصل والنقاد تُبَّع، وبالأحرى إبداعهم هو الضوء والنقد ظل يزول بزوال ذلك الضوء. هذا من ناحية، من ناحية ثانية، يجهل وربما يتجاهل عدد من الكتاب قاعدة أساسية وهي أن النص ملك لصاحبه ما لم ينشره، فإذا نشره جاز لأي كان أن يبدي فيه الرأي الذي يريد، وإن قبّح وشنّع. ولكن بما أننا أمة لا ترضى إلا بالإجماع، ولا تقبل الاختلاف في الرأي، فإن أيّ نقد لا يروقنا عادة ما نفسّره بالحسد والغيرة والكراهية ورغبة التدمير. الكاتب الحق لا يربط مصير إبداعه بالنقد، لأن غايته هي إضافة نص أجود من سابقه، يلبّي طموحه هو، أولا وأخيرا. والعبرة بالختام، كما في سباق المسافات الطويلة.  

– هل حلّ العرض الصحافي السريع، أو القراءات الانطباعية الصحافية، محلّ النقد الروائيّ في العالم العربيّ؟

– للنقد دوره، وللعرض الصحافي أيضا دوره، فالأول يخصص وقتا وجهدا لولوج النص بأدوات ومناهج، وغالبا ما يكون صاحبه من خارج المؤسسة الإعلامية، يعيش نسقا حياتيا يتيح له التأني في إصدار أحكامه. والثاني يكتفي بإعلام هواة الكتب بآخر الإصدارات. وعادة ما يكون من داخل المؤسسة، مكلفا بتغطية أكثر من نشاط، ومن ثَمّ يغلب التسرع على صياغته، لأن غايته الإخبار. ولكن اختلط الأمر عندنا أحيانا فصار الصحافي المستعجل هو الذي يلبس إهاب الناقد، ويوهمه المنتفعون بمقالاته بأنه كذلك. وقد عرفتُ منهم، خلال اشتغالي بالصحافة الثقافية في تونس، من يكتب دون أن يقرأ. حسبه أن يطلع على الفهرس أو المقدمة لينسج ما طاب له خياله أن ينسج، فيلمع إذا كان من المقربين، ويشنّع إذا كان من سواهم. لا أحد يمكن أن ينوب عن الآخر، في الفضاءات التي تحترم نفسها وقراءها.

هنالك كمّ كبير من الأعمال الروائية تصدر كلّ سنة، هل بات الكم سمة طاغية على حساب النوع؟

– الرواية ليست ديوان العرب، بل موضة المرحلة العربية الراهنة. لقد احتلت موقعا متقدّما في الوطن العربي كالأغاني الشبابية، حتى صار يجربها كل من فك الحرف، ولو باللهجة العامية كما هو الشأن عندنا في تونس. بل إن الجامعيين أنفسهم انجذبوا إليها بعد أن لاحظوا أفضلية صفة “روائي” على صفة “أكاديمي”، فالكتب الجليلة في البحث والدارسة والتنظير لا تضمن لهم ما تضمنه الرواية من شهرة، حتى أن بعض الجامعيين يفضل أن ينعت بالروائي، أو المبدع بعد أن “اقترف” نصا يتيما فتح له أبواب الندوات والمتلقيات التي تعنى بهذا الفن. من الطبيعي أن يطغى الكمّ على النوع، حتى هنا في فرنسا، ليفرز بالضرورة أعمالا جيدّة، على ندرتها. ولكن في عالمنا العربي غلبت الرداءة على هذا الكمّ الهائل، لأن الناشرين، أو جانبا منهم على الأقل، تجار يبحثون عما هو مطلوب في المرحلة الراهنة. وما هو مطلوب الآن نوعان: الرواية، والكتب الدينية.

– إلى أيّ حدّ لعبت الجوائز المخصّصة للرواية دوراً في تشجيع الكُتّاب للتوجّه إلى حقل الرواية؟

– إلى جانب الناشرين الذين ذكرتُهم، لعبت الجوائز دورا هاما من جهتين: الأولى في التحفيز على الكتابة الروائية، وهذا لا ينكره أحد، لأن أغلب المقبلين حديثا على الرواية يدفعهم الطمع في الحصول عليها والانتفاع بدعايتها ومردودها المالي. والثانية في فرض أنماط محددة على الأدب الروائي، جعلت النصوص خاضعة لشروط، غير معلنة، ولكن الجميع يدركها من اسم الجهة المانحة، والحال أن الإبداع في جوهره تمرد على كل السلط القائمة، ثائر على القيم والأشكال والعادات السائدة، لأنه يبشر برؤية للعالم جديدة، يصوغها بما يمليه عليه حسه الفني، لا شروط الجائزة. ولكن الأخطر هو دورها في فرض أسماء باهتة وأعمال متواضعة، كما حصل في الأعوام الأخيرة في أكثر من مكان، نظرا لغياب الكفاءة، وحتى النزاهة في اللجان التي تصطفي الأعمال المتوجة.

– ما الذي تودّ توجيهه للروائيين والقرّاء؟

– إلى المتمرّسين بالفن الروائي، لا شيء، فربما كانوا أعمق وعيا مني في أكثر من مجال. أما المبتدئون فأنصحهم، وليسوا مجبرين على الأخذ بالنصيحة، أن يقرؤوا لكبار الكتاب في العالم قبل التفكير في الكتابة. إن وجدوا دافعا من أعماقهم يدعوهم بعدها إلى الكتابة، فقد وجدوا ضالتهم، وإلا فالخير في أن ينصرفوا إلى ما ينفعهم وينفع الناس. أما القراء، فأقول لهم لا تنظروا إلى نصوصنا كوحي منزّل، بل كجهد أشخاص يحملون رؤية وذائقة قد تختلف عن رؤيتهم وذائقتهم. اقرؤوها بعين ناقدة، ولكن ثقوا أننا لن نغير منها شيئا، لأنها وليدة تفكيرنا، لا تفكيركم. ولا يمكن أن نغيّر فكرا بفكر إرضاء لهذا الطرف أو ذاك.