إنترزون.. فصل من رواية الغداء العاري

إنترزون.. فصل من رواية الغداء العاري

وليم س. بوروز/ ترجمة ريم غنايم

المواطن الوحيد في إنترزون الذي لا يمارس الشذوذ وليس متفرّغًا هو أراكنيد، سائق أندرو كِيف. من جهة كِيف، ليست المسألة تصنّعًا أو شذوذًا وإنّما ذريعة مفيدة لقطع العلاقات مع أي شخص لا يريد أن يقابله: “ليلة البارحة تحرّشتَ بأراكنيد، ولا أستطيع السماح لكَ بدخول منزلي مرة أخرى”. الناس في إنترزون لا يتوقفون عن فقدان الوعي، سواء ثملوا أم لم يثملوا، بحيث لا أحد يستطيع أن يقول على وجه اليقين أنه لم يتحرش بجسد أراكنيد غير المشهّي.

أراكنيد هو سائق لا يسوى، بالكاد يستطيع القيادة. في إحدى المرات، دهس امرأة حبلى قدمت من الجبال حاملة على ظهرها كيسا من الفحم وأسقطت جنينا ميتا غارقا في الدم في الشارع. خرج كيف من السيارة، جلس على حافة الرصيف وحرك بركة الدم بعصا في الوقت الذي استجوبت فيه الشرطة أراكنيد وألقت القبض في النهاية على المرأة لانتهاك القانون الصحي العام.

أراكنيد هو شاب غير جذاب ومتجهم. ذو وجه طويل ولون أزرق غامق. يملك أنفا كبيرا وأسنان صفراء كبيرة مثل الحصان. يمكن لأي شخص أن يجد سائقًا جذابًا، لكن أندرو كيف وحده قادر على العثور على أراكنيد؛ كِيف، الروائي الشاب اللطيف والمنحط، الذي يعيش في مبولة مرمّمة في شارع الأضواء الحمراء في الحيّ الوطني.

إنترزون عبارة عن مبنى واحد واسع. الغرف مشيّدة من الأسمنت البلاستيكي الذي يستوعب الناس، ولكن عندما يكون هناك الكثير من البشر في غرفة واحدة، ويصدر صوت رطمة ناعمة ويتم دفع أحدهم عبر الجدار إلى الغرفة المجاورة، أي إلى السرير المجاور، حيث أن معظم الغرف تحوي على أسرّة تُعقَد صفقات إنترزون عليها. همهمة الجنس والتجارة تهز إنترزون مثل خلية ضخمة:

“ثلثان في المائة. لن تتزحزح عن هذا الرقم، ولا لصالح من ينوب عني”.

“ولكن أين هي سندات الشحن، يا حبوب؟”

“ليس في المكان الذي تبحث فيه، يا دلوع. هذا واضح جدًا”.

“حزمة من سراويل لي فايس مع حزام مع نتوء مدمّج. صنع في هوليوود”.

“هوليوود، سِيام”.

“حسنا، نمط أمريكي”.

“ما العمولة… العمولة… العمولة”.

“نعم، سبيكة، سفينة محمّلة بالفازلين المصنوع من وسخ الحيتان الأصلي في جنوب المحيط الأطلسي، وهي في الوقت الحاضر موجودة في الحجر الصحي من قبل مجلس الصحة في تييرا ديل فويغو في الارجنتين. العمولة يا عزيزي! حتى لو تمكّنا فقط من تسريحها فقد فزنا” (وسخ الحوت هو القمامة التي تتراكم في عملية تقطيع الحوت وطهيه. مادة بحرية مخيفة، يمكن أن تشم رائحتها من أميال. لم يجد أيّ أحد استخدام له حتى الآن).

شركة “إنترزون، استيراد غير محدود الضمان” بإدارة مارفي وليف سيء الحظ، اكتشفوا صفقة الفازلين. في الواقع، هم متخصصون في مجال المستحضرات الصيدلانية، وبصفتهم أصحاب خط جانبي، فإنهم يديرون محطة للتشخيص الأماميّ والخلفيّ تعمل على مدار الساعة- ستة طرق تأمين من الأمام إلى الوراء. (تم تحديد ستة أنواع من الأمراض التناسلية حتى الآن).

إنهم يتوغّلون في الصفقة، يقدّمون خدمات غير متوقعة لوكيل شحن يونانيّ يعاني من التشنجات، ولفريق مناوبة كامل من مفتشي الجمارك. في النهاية، يختصم الشريكان ويدينان بعضهما البعض في السفارة حيث تتم إحالتهما إلى قسم “لا نريد أن نسمع شيئًا”، ويطردان من الباب الخلفي إلى ساحة شاغرة مغطاة بالبراز، حيث تتقاتل النسور على رؤوس الأسماك. يطاردان أحدهما الآخر بشكل هستيري.

“أنت تحاول أن تضرب عمولتي!”

“عمولتك! من أمسك بهذه الصفقة الرابحة في المقام الأول؟”

“لكن بوليصة الشحن باسمي أنا”.

“وحش! ولكن الفاتورة ستُسجّل باسمي”.

“خنزير! لن ترى بوليصة الشحن حتى يتم إيداع نصيبي في حساب الضّمان”.

“حسنًا، إذًا هيا نتبادل القبل ونتصالح. لا أنا لستُ بخيلاً ولستُ تافهًا”.

يتصافحان دون حماس وينقران بعضها البعض على الخد.

يتواصل الاتفاق لمدة شهور. يستأجران خدمات منجر أعمال. في النهاية، يظهر مارفي مع شيك لـ 42 كرديًا تركستانيًا تم سحبه من بنك مجهول في أمريكا الجنوبية، ليمرّ بإجراء خصم في أمستردام، وهو إجراء سيستغرق 11 شهراً تقريبًا.

الآن يمكنه الاسترخاء في مقاهي بلازا. يستعرض نسخة مصورة من الشيك. طبعًا لا يُظهر أبدًا، خشية أن يقوم مواطن حسود ببصق الحبر الماحي على التوقيع أو يقوم بتشويه الشيك.

الجميع يطلب منه شراء المشروبات والاحتفال، لكنه يضحك بسعادة، ويقول: “الحقيقة هي أنني لا أستطيع شراء مشروب لنفسي. لقد أنفقتُ كلّ شيء على مرض الزهري الذي يعاني منه عليّ”. لقد أصيب مرة أخرى من الأمام ومن الخلف. كنت على وشك ركل الوغد لكنكم تعلمون أنّي عاطفيّ.

يشتري مارفي لنفسه كأسًا من الجعة، يُخرج عملة سوداء من بين أزرار سرواله. “احتفظ بالباقي”. يمسك النادل العملة في مجرود، ويبصق على الطاولة ويبتعد.

“متذمر! إنه يحسدني بسبب الشّيك”.

مارفي كان في إنترزون منذ “عام قبل الصّفر” على حد تعبيره. وكان قد تقاعد من منصب غير محدد في وزارة الخارجية، “لصالح الخدمة”. من الواضح أنه كان جميل الهيئة على نمط الهيئة الطلابية وقصة الشعر العسكريّة. لكن وجهه ترقق وظهرت انتفاخات أسفل ذقنه مثل الشمع المذاب. كان وركاه يثقلان.

كان ليف سيء الحظ نرويجياً طويل القامة ورفيعاً، يضع رقعة فوق عين واحدة وابتسامة متكلّفة تعلو وجهه على الدوام. ملحمة أسطورية من الشركات المخفقة تقف خلفه. كان قد فشل في تربية الضفادع، الشينشيلا، السمك السيامي المفترس، اللآلئ والفروع المتحضّرة. جرّب، على نحو متعدد وبدون نجاح، الترويج لدفن الأزواج العاشقة “اثنان- في -كفن”. حاول السيطرة على سوف الأوقية المطاطية في فترة نقص المطاط، تشغيل ماخور بالإرسال المباشر، إصدار البنسلين كدواء بلا وصفة طبيّة. كان قد اتبع أنظمة الرهان الكارثية في الكازينوهات في أوروبا وفي مضمار السباقات في الولايات المتحدة. وقد تلاءمت اخفاقاته في العمل مع سوء حظّه الرهيب في حياته الشخصية. أسنانه الأمامية حطّمها البحارة الأمريكيون الهمجيون في بروكلين. وقد التهمت النسور عينه عندما كان يشرب نصف لتر من الباريغوريك وأغمي عليه في متنزه مدينة بنما. علق بين الطوابق في المصعد لمدة خمسة أيام عندما كان مدمنًا على الجانك. وذات مرّة اختبأ في خزانة للأحذية وتعرض لنوبة من الهذيانات المتواصلة. ثم كان في القاهرة عندما انهار مع الامعاء المختنقة والقرح المثقوبة والتهاب الصفاق وكان المستشفى مزدحماً جدًا حيث عولج في المراحيض، وأخفق الجراح اليوناني وزرع له قردًا حيًّا في بطنه. وقد اغتُصب من قبل أحد الخدم وقد قام أحد مرافقي المستشفى بسرقة البنسلين وإبداله بمسحوق تطهير المراحيض. وذات مرة أصيبت مؤخرته بالسيلان، وعالجه طبيب إنكليزي نزيه بواسطة حقنة شرجية من حامض الكبريت الساخن، وخبير ألماني مختصّ بالطب التكنولوجي أزال الزائدة الدوديّة بفتاحة علب صدئة وبعض من قصاصات القصدير (واعتبر نظرية الجراثيم “هراء”). منتشيًا بالنجاح، بدأ يقص ويقطع كل شيء يراه: “إن الجسم البشري يمتلىء بأجزاء لا لزوم لها. يمكن التدبّر بكلية واحدة. لماذا يجب أن تكون هناك كليتان؟ نعم كلية …. لا يجب أن تكون الأجزاء الداخلية قريبة جدا من بعضها البعض، فهي تحتاج إلى موطن مثل أرض الآباء”.

لم يكن قد تم الدفع لمنجز الأعمال بعد، وواجه مارفي احتمال توقفه لمدة أحد عشر شهرًا حتى يتم صرف الشيك. وقيل إن منجز الأعمال قد وُلد على العبّارة بين إنترزون والجزيرة. كانت مهنته التسريع في تسليم البضائع. لا أحد يعرف على وجه اليقين ما إذا كانت خدماته فيها فائدة أم لا، وقد أثار وذكر اسمه الجدال على الدوام.

 تم الاستشهاد بحالات لإثبات كفاءته العجائبية وعدم أهليته المطلقة.

كانت الجزيرة عبارة عن محطة عسكرية وبحرية بريطانية تقع مباشرة قبالة إنترزون. تحتكرها إنجلترا على أساس إيجار سنوي مع إعفاء من الدفع، سنويًا، يتم تجديد عقد الإيجار وتصريح الإقامة رسمياً. جميع سكان الجزيرة يتجمعون في مكب النفايات البلديّ، الحضور إلزاميّ. وفق قوانين المراسم، مطلوب من رئيس الجزيرة الزحف على بطنه في القمامة وتسليم تصريح الإقامة وتجديد عقد الإيجار، الذي وقعه كل مواطن في الجزيرة، إلى الحاكم المحليّ الذي يقف متألقًا في الزي الرسمي. يأخذ الحاكم التصريح ويدفعه إلى جيب معطفه:

“حسناً”، يقول بابتسامة مكتومة. “أرى أنكم قرّرتم إبقاءنا لعام آخر هنا، ها؟ لطيف من طرفكم. والجميع سعيد بذلك؟ هل من شخص غير سعيد بذلك؟”

الجنود في سيارات الجيب يمسكون بالمدافع الرشاشة يمرون عبر الحشود جيئةً وذهابًا بحركة بحث بطيئة.

“الجميع سعيد. حسنًا، هذا جيد”. يتحول بوجه بشوش إلى الرئيس المغلوب. “سأبقي أوراقك عندي لوقت الحاجة. ها ها ها”. تتردد ضحكته الصارخة المعدنية عبر القمامة، ويضحك الحشد معه تحت سطوة بنادق التفتيش.

يتم فرض الطريقة الديمقراطية بدقة في الجزيرة. يواصل مجلس الشيوخ والكونغرس عقد جلسات لا نهاية لها لمناقشة التخلص من القمامة والرقابة على المراحيض العمومية، وهما القضيتان الوحيدتان اللتان تتمتعان بالسلطة القضائية. لفترة محدودة في منتصف القرن التاسع عشر، سُمح لهم بالسيطرة على قسم صيانة قردة البابون ولكن تم سحب هذا الامتياز بسبب كثرة التغيب في مجلس الشيوخ.

تم جلب قردة البابون السودانية ذات اللون الأرجواني إلى الجزيرة على أيدي القراصنة في القرن السابع عشر. تقول الأسطورة أنه عندما تغادر قردة البابون الجزيرة فإنها سوف تسقط. لم يتم تحديد الطريقة والفاعل، كما أنّ قتل البابون جريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام، على الرغم من أن السلوك المؤذي لهذه الحيوانات يُفقد المواطنين صبرهم. في بعض الأحيان يهتاج أحدهم، يقتل العديد من قردة البابون وينتحر.

دائمًا ما يُفرض منصب الرئيس على المواطنين البغيضين الذين لا يتمتعون بشعبية. انتخاب الرئيس هو أعظم محنة وعار يمكن أن يصيب أحد سكان الجزيرة. الإهانة والخزي عظيمان لدرجة أن عددًا قليلا من الرؤساء أتموا مدة ولايتهم الكاملة، وعادة ما يموتون بروح مكسورة بعد عام أو اثنين. كان الوسيط الجمركيّ رئيسًا سابقًا وخدم طيلة السنوات الخمس الكاملة مدة ولايته. لاحقًا، قام بتغيير اسمه وخضع لعملية جراحية تجميلية، لمحو ذكرى وصمة عاره، قد ما أمكن.

“نعم بالطبع… سندفع لك”. كان مارفي يقول لمنجز الأعمال.

” لكن خذ الأمر بأريحية. قد يأخذ بعض الوقت”.

“بأريحية؟ بعض الوقت!. اسمع…” “نعم لقد سمعت كل شيء. شركة التمويل سوف تسترجع كلية زوجتك الصناعية… وقد شدوا جدتك من رئتها الحديدية “.

“هذه تحت الحزام يا رفيق.. …. بصراحة أتمنى لو أنني لم أشارك في هذه المسألة على الإطلاق. اه. هذه الشحوم المقرفة تحتوي على الكثير من الكربوليك. توجهت إلى الجمارك الأسبوع الماضي. أدخلت عصا مكنسة إلى أحد البراميل، وتم التهاب طرف العصا كاملا. بالإضافة إلى أن الرائحة كريهة. إذهب إلى الميناء وشاهد الأمر بنفسك”.

“غير وارد في الحسبان”، صرخ مارفي. الطبقية في انترزون تحظر لمس أو حتى الاقتراب من شيء تبيعه. القيام بذلك يثير شبهة حولك بأنك تمارس البيع بالتجزئة، أي بائع متجول. يتم بيع جزء كبير من البضائع في انترزون بواسطة الباعة المتجولين في الشوارع.

“لماذا تقول لي كل هذا؟ هذا شيء دنيء! دع تجار التجزئة يقلقون بشأن ذلك”.

“يسهل عليكم الكلام، يمكنكم أن تمرروا الأمر. لكن أنا أملك سمعة وعليّ الحفاظ عليها ستحدث مشكلة في هذه المسألة”.

“هل تُلمح إلى أنّ شيئًا ما غير شرعي في هذه المصلحة؟”

“ليس تمامًا. ولكن غير مطابق للمواصفات. بالتأكيد غير مطابق”.

“عُد إلى جزيرتك قبل أن تسقط! أعرفكَ منذ أن كنتَ تيع مؤخرتك الحمراء في ساحة بلازا لقاء خمس بيزيتات”.

“ولم يكن الكثير من الزبائن” أضاف ليف. كانت هذه الإشارة إلى أصول الوكيل أكثر مما كان يحتمل.. انتصب في حركة تقليد متكلفة لأرستقراطيّ إنجليزي، متهيئًا لشتيمة ساحقة، ولكن بدلاً من ذلك، أطلق أنّةً، مثل كلب ركلوه. برز وجهه النّذير في ضوء يعمي من الكراهية المتوهجة. بدأ يبصق اللعنات بلكنة سكان الجزيرة البشعة والمخنوقة.

يتجاهل جميع سكان الجزر أمر اللكنة أو ينكرون وجودها. يقولون: “نحن بريطانيون، ولا توجد لنا أي لكنة لعينة”.

تجمّع الزبد حول زوايا فم الوكيل. كان يبصق كرات صغيرة من اللعاب مثل قطع القطن. رائحة النفس الروحي الكريهة معلقة في الهواء مثل سحابة خضراء. تراجع مارفي وليف مرة أخرى في خوف.

قال مارفي لاهثًا: “لقد جُنّ، دعنا نخرج من هنا!”. يداً بيد يختفيان في الضباب الذي يغطي انترزون في أشهر الشتاء مثل بخار الحمام التركي البارد.