خالد جميل محمد: النقدُ الحقيقيّ هو المنتجُ الذي لم يجد طريقَه إلى النشر

خالد جميل محمد: النقدُ الحقيقيّ هو المنتجُ الذي لم يجد طريقَه إلى النشر

الرواية نت – لندن

بأصابعَ رقيقةٍ يلامسُ الناقدُ خالدُ جميل محمد وجعَ الرواية والنقد، يُعرّي بأظفار لطيفة الآلام التي وقفت في طريقهما… بدءاً من دور النشر ومروراً بالنقد المحسوباتي ثم الصحافة المشلولة، والجوائز المحليّة والعالميّة وانزياحها عن مهمتها الأساسية.

يكشف لنا صاحب كتاب “الجزري شاعر الحبّ والجمال” أنّ سطوة الاسم والعلاقات … هي المعيارُ المأخوذ به أكثر من معيار الإبداع نفسه في أغلب دور النشر، ويرى أنه قلّما أدت الصحافة في مجتمعاتنا دورها في تفعيل وتطوير الإبداع الحقيقي، كما يفرق بين النقد الأكاديمي المقتصر على معايير ثابتة، متحجّرة ومكرورة وبين المقالة النقدية والدراسة الممنهجة وكذلك بين العرض السريع والقراءة الانطباعية… ويخلص إلى أن النقد الحقيقي هو الذي لمّا يجد طريقه إلى النشر بعد، وعلى الروائيين أن يكونوا سدنة الإبداع في ظلّ طغيان الزيف والفساد.

هذا وتفاصيل أخرى نقرؤها في حواره التالي الخاص بالرواية نت:  

– ما رأيك بما يسود من اعتقاد لدى عدد كبير من الروائيين أنّ النقد في العالم العربيّ معدوم، أو شبه معدوم، أو أنّه ليس هنالك نقّاد، أو أنّ النقّاد يكتبون بناء على محسوبيات، وهم مستقطبون في شلل أدبية يروّجون لأعمال أصدقائهم أو مَن تربطهم بهم مصالح، سواء دور نشر أو مؤسّسات صحافية؟ 

أعتقد أن الحكم على راهن النقد الأدبي عامة والروائي خاصة بأنه معدومٌ أو شبهُ معدومٍ، فيه إطلاق عامٌّ بعيدٌ عن الموضوعية والإنصاف، وينطبق الأمرُ نفسُه على ما يقال عن انعدام النقّاد أيضاً، فمنذ أكثر من ثلاثين عَقداً حتى الآن ظهرت في الساحة الأدبية العربية كتابات في نقد الرواية جديرة بالاهتمام والتأثير، وفاعلة في مجال الارتقاء بالخطاب النقدي العربي إلى مستوى الكشف عن مكنونات النص الروائي وجمالياته وعناصره الفنية، إلا أنّ هيمنةَ المحسوبياتِ والمزاجياتِ وطغيانَ الزائفِ وتقديمَه على حسابِ الحقيقي، فضلاً عن تحكم (الشللية) بمسألة الترويج للأعمال الأدبية والنقدية، بعيداً عن المعايير الأدبية والفنية والنقدية، كلها عوامل أحدثت تعتيماً واضحاً وإقصاءً بحق الكتابات والأعمال النقدية المتميزة، حتى صار المبدع الحقيقي، غالباً، مضطراً إلى البحث عن سبل العلاقات والمنابر التي تمكّنه من إصدار عمله والترويج له وعرضه أمام الأضواء، أكثر من اهتمامه أو انشغاله بعملية الإبداع نفسها. ومعظم دور النشر، وخاصة الشهيرة منها، صارت تمارس ضروباً من الابتزاز والعنجهية بحق أعمال جيدة وفي الوقت نفسه تفتح أبوابها أمام أعمال كتّاب معروفين أو ذوي صِلة بها وبالمشرفين عليها، حتى إذا كانت تلك الأعمال شديدة الرداءة والابتذال، بمعنى أن سطوة الاسم والعلاقات هي المعيار المأخوذ به أكثر من معيار الإبداع نفسه، وهذا ما غيَّب كثيراً من الأعمال الأدبية والنقدية عن الساحة، تماماً كما غيَّبت الأنظمة القمعية والدكتاتورية الساسةَ والمناضلين الحقيقيين عن ساحة العمل من أجل الوطن ومصلحة الشعب، بل قُلبت المعادلة بصورة جعلت المتابع يهزأ من كلّ شيء، حتى اختلط الحابل بالنابل، وبهذا يمكن القول إن النقد الحقيقي هو المنتج الذي لم يجد طريقه إلى النشر بعد.

– هل ساهم غياب النقد الأكاديميّ في الصحافة، واقتصاره على أروقة الجامعات بنسبة كبيرة، في ترويج نوع من التسطيح والتمييع لمفهوم النقد الأدبي والروائيّ عربيّاً؟

قلّما أدت الصحافة في مجتمعاتنا دورَها الإيجابيَّ في تفعيل وتطوير وإنتاج الإبداع الحقيقي، وذلك لأسباب تتعلق بالعقلية البيروقراطية المتحكمة بالمؤسسات الإعلامية والصحفية وكذلك في الجامعات التي لا تختلف في طريقة تعاملها مع المنتَج الأدبي عن طريقة تعامل الأنظمة مع كل توجّه سليم للمضيِّ بالمجتمع من السقم إلى السلامة. النقد الأكاديمي اقتصر غالباً على معايير مكرورة، ثابتة ومتحجرة لا يتجاوزها، وهو ما جعله مفتقراً في معظم نتاجاته، إلى الابتكار والإبداع، ومقتصراً على الدوران في فلك الخطوط المرسومة التي لا تسمح للخطاب النقدي أن يتمرّد عليها أو يتجاوزها، وهو ما جعله قريباً إلى الضعف أكثر من قربه إلى القوة والنجاح. النقد الأكاديمي وكذلك الصحفي والإعلامي لا يمكن أن يبلغ مستوى الابتكار والإبداع، ما دامت عقلية التسلط والتحجر هي التي تسيِّر تلك المؤسسات والمنابر، وهو راهنٌ مُعاشٌ وملموس، وإن كانت هنا أو هناك حالات أو استثناءات لا تشكل ظاهرةً.

– لاحظنا في سلسلة حوارات الرواية نت مع عدد من الروائيين والروائيات العرب تقاطع معظم الإجابات عن غياب النقد الروائيّ، أو تهميشه لأعمالهم أو قصوره عن متابعتهم، أو بقاء النقد اسير شلل ومجاملات ومحسوبيات، وأنّ أعمالهم لم تنل ما تستحقّ من نقد.. ما رأيك بهذه الآراء؟

القول إن المحسوبيات أسرت كثيراً من الأعمال الروائية قريب جداً إلى الصواب، ويمكن أن يضاف إلى ذلك الحكم أن تلك الطريقة في التعامل أنجزت حصاراً شديد الإيذاء بحق الأعمال الجيدة التي يُهتَمُّ بها في حين كانت تلك الأعمال الناجحة جديرة باهتمام أكبر. مقاربة الأعمال الروائية نقدياً، خاضعة للعلاقات الشخصية والمزاجية أكثر من خضوعها لمقاييس النقد والأدب.

– ما أسباب تحامل أغلب الروائيّين على النقّاد، واعتبار إبداعهم النقدي قاصراً أو تابعاً للإبداع الروائيّ؟

يحقّ لمعظم الروائيين أن ينظروا إلى كثير مما ينشر تحت اسم (النقد الروائي) أو (نقد الرواية) بأنه قاصرٌ، وهو جزء من المشكلة التي أشير إليها أعلاه، من أن كثيراً مما لا تجد طريقه إلى النشر هو ما تحتاجه الساحة الأدبية والنقدية عامة، والروائية خاصة، لكن أسباباً كثيرة تمنع ذلك التواصل بين الناقد والمنتَج الروائي أو بين الناقد والمنبر الذي يناسب نشرَ مادته النقدية، ومنها تأخير نشر المواد النقدية لكاتب وعدم الاهتمام بالمكافأة المادية لصاحب المادة، وبالمقابل ينصبّ الاهتمام بالمواد الساذجة والسطحية، كذلك تُصرف المكافآت لمن ليسوا أهلاً لها، غالباً. وفي الجانب الآخر فإن هناك أعمالاً نقدية تنجح في إعادة الاعتبار والأهمية للأعمال الروائية التي تخضعها للنقد، فترتقي بها وتسمو.

– هل حلّ العرض الصحافي السريع، أو القراءات الانطباعية الصحافية، محلّ النقد الروائيّ في العالم العربيّ؟

لكلِّ مادة طبيعتها الخاصة بها، فالنقد الأكاديمي له أصوله وقواعده، والنقد الخارج عن إطار الجامعات له خصوصياته أيضاً، وتختلف المقالة النقدية عن دراسة نقدية منهجية مُحْكَمة وموسَّعة، كما أن العرض السريع له أهميته وضرورته للتعريف بعملٍ ما، وكذلك القراءة الانطباعية ذات رسالة لا يمكن تجاهلها، وهي جميعاً آليات متنوعة تتعاون فيما بينها ضمناً لتخدم العمل المعيَّن، لكن المؤسف هو أن الاهتمام يكون غالباً بالأعمالِ متدنيةِ المستوى أكثر من الاهتمام بالأعمال العظيمة التي لا تحظى بما تستحق من اهتمام.

– هنالك كمّ كبير من الأعمال الروائية تصدر كلّ سنة، هل بات الكم سمة طاغية على حساب النوع؟

الكمّ والكيف لهما أسباب كثيرة، ولعل أولها ظاهرة المسابقات الخاصة بالرواية والجوائز التي وجّهت الأقلام نحو الاهتمام بهذا الفن الأدبي، حتى أدى ذلك إلى ظهور ركام من الأعمال المبتذلة التي ينال بعضها جوائز ثمينة كبيرة، بصورة أفقدت ثقة المبدعين الحقيقيين بها، وولّدت لديهم سخطاً ونقمةً على تلك الجوائز والمشرفين عليها. هذه الكثرة تعكس غياب وتغييب النقد الحقيقي الذي لم يجد لصوته مكاناً ومَسمَعاً.

– إلى أيّ حدّ لعبت الجوائز المخصّصة للرواية دوراً في تشجيع الكُتّاب للتوجّه إلى حقل الرواية؟

الجوائز المخصصة للرواية، من حيث المبدأ خطوة جميلة ونبيلة، لكنها، بصورة عامة، انزاحت عن هدفها السامي في خدمة الرواية وصارت في خدمة العلاقات الشخصية والسياسات التي يُحتكَم إليها أكثر من الاحتكام إلى أصول النقد والتقييم. ومع ذلك فإن الاستمرار في توسيع نطاق تلك الجوائز عمل جدير بالتقدير، إن صوّبت الجهات المشرفة عليها والداعمة لها طريقة تعاملها مع ما يرد إليها من موادّ، بمعزل عن العلاقات أو المعرفة الشخصية أو المعايير السياسية والأيديولوجية التي تجعل الجوانب الفنية والادبية والجمالية في المرتبة الأخيرة من الاهتمام.

– ما الذي تودّ توجيهه للروائيين والقرّاء؟

القرّاء، على قلَّتهم في هذا الزمان، جديرون بالشكر والتقدير، وهم الحكَم الأول والأخير. أما الروائيون فإنهم سَدنة الإبداع في هذا الزمان، وهم الذين يُمْكِنهم أن يرسموا لوحة واقعنا بأمانة وإبداع تحتاج إليهما حياتنا في ظلِّ طغيان الزيف والفساد.