مديح الهرب: تمرّد ليس إلا!

مديح الهرب: تمرّد ليس إلا!

أحمد صلال -الرواية نت- باريس


لا يتجاوز الروائي السوري خليل النعيمي في روايته ‘مديح الهرب’ الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت 2005، الشكل والمضمون الذي ساد الرواية العربية في جيل كتابها الوسط حسب تصنيف النقد الروائي العربي.ولكنه بذات الوقت لم يركن لكل شروطها الفنية بل حاول تجاوز تسجيل الواقع نحو تجاوزه وكتابته بشكل إيجابي، التغيير والتحرير الفني فعل إيجابي للعمل يرتقي به لمصافي الكتابة المتمردة على أسر كل الاشتراطات القسرية المنتجة منها وغير المنتجة، وخاصةً على الصعيد السياسي في هذه الرواية، ويلحظ قارئ النص رغبة الهدم في السرد في جو أقل ما يقال عنه أنه كافاكي يقوم على الحفر النفسي وجلد الذات في أجواء عربية تسودها الهزيمة، حيث الخيبات تتراكم على الصعيد الداخلي منه والخارجي على حد سواء، ويعمل السرد الروائي على الهدم من أجل بناء المثال الذي يطمح إليه الراوي من خلال السرد.

أسطرة الذات الفردية القادمة من منطقة الجزيرة السورية حيث التهميش والفقر وبالوقت نفسه القيمة القبلية المعتدة بالنفس هي أجواء عاشها البطل في السرد الروائي المنفلت من عقال التقيد بزمن تاريخي نحو زمن روائي يتداخل فيه الشخصي بالهم الجمعي، ويشتغل السرد الروائي على حفر نفسي عميق لشخصية فصامية تعيش عقدة الذنب على الصعيد النفسي/الذاتي، وتعيش الحالة الطبيعة على صعيد الشأن العام/الموضوعي، حيث الطبيب المتطوع على الجبهة يتنقل بين قطعته العسكرية وعيادته ويعالج كل من يحتاج يد العون الطبية، ويمارس طقوس جلد الذات بين حقول الشعير والقمح والقطن، ويخوض الحروب النفسية بين الواقع المخضب بكل تلونات الموت والفراق والألم والانكسار والهزيمة، والمثال المخضب بتلونات تحرير فلسطين ونيل الحرية والعدالة.

أجواء السرد الروائي لا تختلف كثيراً عن أجواء عقد الذنب وجلد الذات التي سادت الرواية العربية بعد هزيمة الـ67 وخاصةً في اشتغالات عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وعبد السلام العجيلي وحليم قنديل وسحر خليفةôوآخرين يطول سرد أسمائهم، ولكن السرد عند النعيمي أتخذ آفاقا ليست بالجديدة كلياً ولكن يمكن تسميتها بمحاولة التجديد، حيث الثيمات هي بكل زمان ومكان ولكن التكنيك يختلف من اشتغال لآخر، وبالانتقال من العام نحو التفصيل، محاولة التجديد عند النعيمي تتجلى في الاتكاء على لغة تراثية وحداثية بذات الوقت حيث تغرف من الأصالة والمعاصرة، لغة لم تلق على كهل القارئ مهمة البحث عن حل للرموز والإشارات الغامضة وفض الاشتباك بينها، ولم تحل النص للنقد ليعمل به مبضعه التشريحي، حيث لغة التوابيت سهلة الفض والطرح من تسجيلات الحياة اليومية ولكن باقتراف روائي ينيط اللثام عن مكنونات أدبية لا ترضى عن الفن الراقي بديلاً.

الطبيب الذي يتعرف على الذات المجلودة سياسياً واجتماعياً وحضارياً في ظل أجواء الحفر النفسي العميق وعلى إيقاع الفاسد السياسي والعسكري المتمترس على مقربة منه في الثكنات العسكرية التي يصورها ترتع في أشكال من الفساد، يتعرف على جسده حيث تقوده الفتيات القرويات في مغامرات غرامية يخفف فيها من ثقل وعبء ما يرزح تحته من هم وعبر تتداخل الذات الفردية بالذات المجتمعية ويصبح امتداد الهم متوحداً يفتح فضاءات جديدة للسرد، حيث لا أهمية للتسميات والتأريخ ويحل المجاز بديلاً لكل شيء في تداخل زمني ومكاني مخضب بالرموز والإشارات التي لا تحتاج كبير العناء لفهمها في ظل سرد يقيم صلة حميمة مع القارئ ويمتعه.

حاول الروائي خليل النعيمي في روايته ‘مديح الهرب’ جلد الذات النازفة حزنا وألما وخيبة وهزيمة، إنه اعتراف بالهزيمة لكي يحل النصر بديلاً عنها، حيث مديح الهرب يتخذ لبوسا فرويديا يمسي فيه الهرب إحالة على حياة جديدة لا ذنب فيها للفرد العربي السوري المسلوب، ولكنه بالوقت نفسه لا يشتهي أن يعيش مغترباً عن واقعه.
قصارى القول: مديح الهرب ذم للواقع والذات الفردية والجمعية ومديح للتغيير من أجل التمرد على أسر كل الاشتراطات.


صحفي وكاتب وناقد سوري