هل حقا فضح سليم بركات صديقه محمود درويش

هل حقا فضح سليم بركات صديقه محمود درويش

هيثم حسين

ما الذي فعله سليم بركات كي يتعرّض لكلّ هذا التعنيف اللفظي بحقّه والتسعير الكلامي ضدّه؟ هل كشف جديدا بإفشائه سرّ صديقه الراحل محمود درويش بأنّ له ابنة من امرأة متزّوجة؟ ما الذي يحتاج الانتفاض ضدّه، الإفشاء بالسرّ أم السرّ وما يضمره، وخبايا صاحبه التي تثير الفضائح بحقّه؟

هل اندرج ما كتبه سليم بركات في إطار الفعل الفضائحي أو في سياق الكتابة – الصحافة الصفراء كما حلا لبعضهم توصيفه؟ وهل جاء ذلك من باب الترويج لكتابه الجديد “لوعة كالرياضيات.. وحنين كالهندسة”؟

هل يعكس هذا الانتصار لاسم محمود درويش نوعا من الاحتفاء بعظمته الشعريّة وتنزيهه كشخص عن أيّ فعل ينال من سمعته الشخصية أو من شعريته..؟ هل هنالك خلط بين الخاص والعام بعد الموت؟ هل أقلق سليم بركات راحة الراحل أم راحة الأحياء؟ هل ضاق صدر سليم بركات بسر صديقه فأفشاه مخرجا إيّاه من عتمة الصدر إلى ميدان مفتوح على التأويلات؟

اتهامات لسليم بركات

هل يعكس الانتصار لاسم محمود درويش احتفاء بعظمته الشعريّة أو هو تنزيه له كشخص تحيطه هالة قداسة
هل يعكس الانتصار لاسم محمود درويش احتفاء بعظمته الشعريّة أو هو تنزيه له كشخص تحيطه هالة قداسة

وصف بعضهم ما أقدم عليه سليم بركات بأنّه جناية تحتاج إلى محاكمة، وكأنّ إذاعة سرّ مدفون من ثلاثة عقود جريمة لا يمكن أن تغتفر لصاحبها، أو أنّه اعتدى على صديقه محمود درويش بفعله هذا، وأقلق راحته الأبدية ونزع عنه القداسة التي أضفاها عليه موته.

ذهب بعضهم إلى اختلاق اتّهامات بعيدة عن المنطق بحقّ بركات، وتجريمه لأنّه تجرّأ على قداسة الموت، وأيقظ الفتنة الراقدة التي كان يفترض به نقلها معه إلى القبر، من دون أن يغامر بكتابتها في سيرته أو مذكّراته.

نشر سليم في كتابه الجديد بعض ذكرياته، أو مذكراته، عن محمود درويش، وفجّر قنبلة ربّما لم يتوقّع أن تتوسّع تأثيرات شظاياها بهذا الشكل الذي وصلت إليه.

هنا معلوم واحد هو محمود درويش، ومجاهيل عديدون هم: الابنة المفترضة، المرأة المتزوّجة التي غامرت بالحمل من درويش، والزوج الذي على الأرجح سيكون آخر مَن يعلم بخبر أنّ ابنته التي رباها طيلة سنوات هي ابنة محمود درويش الذي لم يكترث لها.

أثار سليم بركات أسئلة كثيرة بمكاشفته وإفشائه السرّ الذي ائتمنه محمود درويش عليه ذات يوم، وفتح بابا للتحقيقات القادمة حول الابنة المفترضة التي يمكن أن تتغيّر حياتها بالمطلق بعد معرفتها أنّها ابنة الشاعر الراحل.

لا أعتقد أنّ سليم بركات رام إثارة أي زوبعة من حوله، ولا بحث عن أيّ شهرة من خلال ما كتب، وهو الذي لا يحتاج إلى أي زوابع، ولا تنقصه الشهرة ليبحث عنها، بل جاء كشفه من باب تبيان عمق العلاقة بينه وبين محمود درويش، من دون أن يقصد أي إساءة.

ولا أعتقد كذلك أنّ سليما أراد استعراض عضلاته اللغوية، أو سعى إلى التقعير، وهو الذي سبق أن أثبت لكثير من الكتّاب العرب في العقود الأخيرة أنّه كاتب لا يضاهى في ملاعب اللغة، وأنّه يكتب أعماله الأدبية كأنّه يقيم مهرجانات لغوية بعيدا عمّا يمكن إلصاقه به من اتّهامات في هذا السياق.

بعيدا عن القداسة

سليم بركات متهم بلا مبرر
سليم بركات متهم بلا مبرر

ربّما كتب سليم بركات ببراءة المعتكف، ربّما أراد الاحتفاء بأبّوة درويش التي أنكرها هو نفسه، ربّما أخرج السرّ إلى فضاء العلن ليزيح عبئه عن كاهله، ربّما يمكن وصف الأمر بأنّه كبوة، أو صحوة، أو ما حلا للواصف عرضه وتوصيفه، وربّما يمكن القول إن بركات فتح بابا لدراسة حياة الشاعر، وتفكيك بعض ألغازها، أو فهم شعره بناء على بعض ما كان يضمره ويخفيه من أسرار.. وربّما وربّما.. يمكن استعراض عدد من الاحتمالات في هذا الإطار، لكنّ يبقى السؤال عن سلوك درويش موضع تشكيك وعن تنزيهه وتأليهه موضع تساؤل أيضا.

يعلم المحيطون بمحمود درويش أنّه كان مكثارا في علاقاته مع النساء، وأنّه انتقل بين أحضان عدد من النساء اللاتي كنّ محطّات في سيرته الحياتية، وملهمات في قصائده الشعريّة. ومن ذلك مثلا الشهادة التي كتبها الشاعر اللبناني شربل داغر في كتابه “محمود درويش يتذكر في أوراقي: أكتب لأنني سأعيش”، والتي نشر قسما منها في صفحته على فيسبوك بعد الزوبعة التي أثارها سليم بركات.

كتب شربل داغر في شهادته “غراميات عابرة، سريعة، أو استدامت لشهور وربما أكثر، وقد عرفت بعضها ما لا حاجة لذكره، ومما يدخل تماما في النطاق الحميمي والخاص (حتى بعد وفاته). لم يكن درويش يحب الكلام عن الزواج، ولا عن الأطفال، على الرغم من أنه ما كان يتأخر، في غير زيارة أو لقاء، عن سؤالي عن ابنتي: هالة، التي عرفها طفلة تحبو”.

سليم بركات أثار أسئلة كثيرة بمكاشفته وإفشائه السرّ الذي ائتمنه عليه صديقه محمود درويش ذات يوم

اللافت أنّ الوسط الأدبي والثقافي والصحافي العربي انتفض وسارع للانتصار لذكرى محمود درويش، واعتبر إفشاء بركات بالسرّ اعتداء على قداسة محمود درويش، في حين لم يسألوا أنفسهم عن سلوك محمود درويش الحياتي والجنسي، بل وحاول بعضهم اختلاق المبرّرات والذرائع له في علاقاته النسائية والجنسيّة المتعدّدة.

ولا يخفى هنا أنّ علاقة الذات بالآخر، ومن يمشي أو يهرول أو يكبر في ظلال الآخر، علاقة الشعر بالشعر، والتاريخ بصانعيه ومدوّنيه، تظلّ مثار التساؤل والمقاربة والتفكيك.. ولا يمكن تأثيم مفشي السرّ وإهمال مقترفه أو المصرّح له به، وكأنّ القضية محصورة في السرّ، لا في ما قاد إليه، وما يمكن أن ينتج عنه من تخريب لحيوات آخرين ما زالوا أحياء.

عن صحيفة العرب اللندنية