أسامة غانم: حانت اللحظة ليعترف الروائيّ أنّ النقد صناعةٌ إبداعية وشكلٌ أدبيّ

أسامة غانم: حانت اللحظة ليعترف الروائيّ أنّ النقد صناعةٌ إبداعية وشكلٌ أدبيّ

الرواية نت – لندن

يشدّد الناقد أسامة غانم على أنّ الناقد هو همزة الوصل بين الروائي والقارئ، وأنّ جمالية النصّ لا تكتمل عند المؤلف ولا متعة القراءة عند القارئ إلّا بالناقد الذي يستعرض جسد النصّ، ويكشف عن مكامن جمالياته، ونبضه، ومنابع تدفقه..

ويشير مبدع “سرديات الجسد والإيروتيكا” في حواره مع الرواية نت، في سياق تسليطه الأضواء على دور الناقد في عملية القراءة والكتابة والتفاعل، إلى أنّ الناقد هو المدخل الفعلي للنص، والإضاءة الكاشفة لكل الأماكن المعتمة، وإضفاء الجمالية الحقة عليها..

– ما رأيك بما يسود من اعتقاد لدي عدد كبير من الروائيين أنّ النقد في العالم العربيّ معدوم، أو شبه معدوم، أو أنّه ليس هناك نقّاد، أو أنّ النقّاد يكتبون بناء على محسوبيات، وهم مستقطبون في شلل ادبية يروّجون لأعمال أصدقائهم أو من تربطهم بهم مصالح، سواء دور نشر أو مؤسّسات صحافية؟

إنه سؤال يتمثل في عدة أسئلة، جوهره الأساسي عن مدى عمق العلاقة بين الروائي العربي بالناقد العربي، ورغم أن الطرح كان استفزازياً، إلّا أنّي أعتبره يقع ضمن خانة الفكاهة، عليه أقول، مادام هنالك يوجد نص في مختلف اشتغالاته الأدبية، يوجد هناك نقد، فالنقد بالأساس عملية إبداعية، حيث وفقا للواقع الوجودي العملي، فالنقد ما هو إلا عملية كتابة على الكتابة كما يقول رولان بارت، أو أنّ  “النقد ضرب آخر من الإبداع ” كما يقول الناقد المغربي نجيب العوفي، أي لا وجود لناقد إذا لم يكن يمتلك الموهبة “حاسة نقدية – ذائقة أدبية ” مع ثقافة رصينة عميقة مختلفة متشعبة ومعرفة شمولية متراكمة، وما النقد الحديث إلّا امتداد للنقد الماضي العربي، وإلّا أين ذهب، سلام الجمحي صاحب كتاب “طبقات فحول الشعراء”، وابن قتيبة صاحب كتاب “الشعر والشعراء”، والجاحظ في كتابيه “البيان والتبين، والحيوان”، والآمدي صاحب كتاب “الموازنة بين أبي تمام والبحتري”، وعبد القاهر الجرجاني الذي إلى يومنا هذا تُدرسّ نظرياته النقدية في معنى المعنى التي مفهومها المعاصر عند غادامير وبول ريكور “فهم الفهم” وهو أحد اساسيات “التأويلية”، وجماليات البلاغة في كتابي: “دلائل الإعجاز” و “أسرار البلاغة”.

  وقد تأثر محمد مندور بعدد من النقاد العرب والأجانب، حيث يقول: “من العرب القدماء أُعجبت بابن سلام الجمحي، والآمدي صاحب الموازنة بين الطائيين، وعلي بن عبدالعزيز الجرجاني في “الوساطة بين المتنبي وخصومه”. وهؤلاء النقاد الثلاثة أعتبرهم أعمدة النقد الجمالي السليم في تراثنا النقدي كله”. (محمد مندور 1907 – 1965 ” شيخ النقاد في الأدب الحديث).

واللافت للنظر أنّ كل تلك الكتب قامت بدراسة، وتحليل، ومقاربة، ومقارنة، النصوص الشعرية فقط، وذلك لعدم وجود جنس ادبي وقتذاك اسمه “الرواية”، التي ظهرت في القرن التاسع عشر، في رواية “دون كيشوت” لــ سرفانتس الإسباني، باعتبار الرواية ملحمة برجوازية حسب رأي جورج لوكاش.

نعم هنالك يوجد نقاد يكتبون بناء على محسوبيات، ومصالح، ولكن كم عددهم؟! أنا متأكد أنهم قلة قليلة معروفة في الوسط الأدبي، مدانة، ومشخصة، ولو تعمق القارئ في البحث عنهم، لعثر على سطحية كتاباتهم، وضآلة ثقافتهم، وعدم امتلاكهم لأية موهبة، إنهم يقعون في خانة الادعاء والتزييف والتطبيل، وهم متواجدون في كل عصر.. وكذلك توجد دور نشر تعمل على نشر أعمال هذا الروائي أو ذاك نتيجة امتلاكه لهذه الدار أو نتيجة ارتباطه معها بمصالح، وكذلك بعض المؤسسات الصحافية تعمل على تضخيم بعض الكتّاب والعمل على ترويج أعمالهم الروائية.

– هل ساهم غياب النقد الأكاديمي في الصحافة، واقتصاره على أروقة الجامعات بنسبة كبيرة، في ترويج نوع من التسطيح والتمييع لمفهوم النقد الأدبي والروائي عربياً؟

إن النقد الأكاديمي، وبالذات بعد المتغيرات التي حدثت في الوطن العربي، ثورات الموت المجاني العربي أو كما سميت “ثورات الربيع العربي”، ومن صعود الأحزاب الدينية – السياسية الإسلامية، التي عملت على الذي لم يستطع أن يعمله المحتل الأجنبي منذ العصور الوسطى في بعض البلاد العربية: من دمار شامل للبنى التحتية، وتهميش وإقصاء المواطن العربي، وترسيخ البدع والخرافة والأمية والجهل، وتمزيق الأوطان، وتحول الشهادة/ الدكتوراة إلى مقاولة للكسب المادي، مع عدم امتلاك أغلبهم للموهبة النقدية والثقافة العميقة وتدجينه إيديولوجياً، متغطياً بأطروحته الجامعية فقط، كل ذلك جعل النقد متقوقعاً داخل الجامعات، مهمشاً، وبعيداً عن هموم ومشاكل المواطن العربي، هذا دفع بالبعض ممن يحسبون على الصحافة اليومية غير المتخصصين بالنقد إلى كتابة النقد البائس في تلك الصحف، مما اتسم بالتسطيح والتشتت والافتقار إلى المعلومة وخاصة في حقل النقد الروائي العربي، أي استعراض العمل الروائي فقط.

ولكن على ضوء هذه المتغيرات انبثق نقد حقيقي، رصين، ذو رؤية ثاقبة شمولية، زاوج بين النظريات النقدية الحديثة الغربية المختلفة وبين واقع الفكر العربي المتسم با لأصالة الشرقية، يشتغل على اليات وتقنية بعد ما بعد الحداثة الذي يسمى بالنقد الثقافي، أمثال: جلال صادق العظم – جورج طرابيشي – أدونيس – منذر عياشي – جابر عصفور – صلاح فضل – فيصل دراج – عبد الله الغذامي – محمد مفتاح – حميد لحمداني – زهير الخويلدي، وآخرين كثيرين. ولو قيض “لهذا التيار أن يتطور فإنه سيثمر خلال السنوات المقبلة نقداً عملياً مُرَكّزاً لا يسعى فيه المتخصصون إلى التنظير فقط حول الخصوصية بل إلى تقديم البعد الجمالي للأعمال الأدبية المفردة التي تتمتع بالخصوصية أيضاً”. – موت الناقد، رونان ماكدونالد، ترجمة فخري صالح، ص 156.

– ما أسباب تحامل أغلب الروائّيين على النقاد، واعتبار إبداعهم النقدي قاصراً أو تابعاً للإبداع الروائي؟

لقد قمت بالإجابة على هذا السؤال في إجابتي على السؤال الأول تقريباً، بل وأضيف لقد حانت اللحظة ليعترف الروائي “هو” قبل غيره أن النقد صناعةُ إبداعية وشكلُ أدبي، وأن الذي يقول إنه تابع أو ثانوي لغيره، يقلل من قيمته ويضعف مقولته. نعم لقد انتشرت المقالات الاستعراضية للروايات في الصفحات الثقافية في الصحف، مقالات هزيلة لا تتمتع بالبلاغة الكتابية، ولا تمتلك ناصية اللغة، ولا الدقة في التعبير، مما جعل البعض ينظر له على أنه قاصر وهزيل ولا يحتاج إلى تخصص. أما من أسباب التحامل الجوهرية فهي: أن أغلب الروائيين وبالذات العرب يريد حالما ينشر روايته، أن تكتب الدراسات النقدية بالعشرات عن روايته من قبل النقاد الحقيقين مع الإسهاب في مدحها و”يجب” وضعها مع أمهات الروايات العالمية، وهذا شان آخر له حديث آخر يتعلق بــ الأنا الروائية المتضخمة.  

– هل حلّ العرض الصحافي السريع، أو القراءات الانطباعية الصحافية، محلّ النقد الروائيّ في العالم العربي؟

نعم. وخلال إجاباتي الأنفة قمت بالإجابة مفصلاً على هكذا سؤال. ولكنه لم يحل محلّ النقد الروائي ولا يمكن أن يتجرأ على ذلك.

– هنالك كمّ كبير من الأعمال الروائية تصدر كلّ سنة، هل بات الكم سمة طاغية على حساب النوع؟

نعم، فهنالك عشرات الروايات التي تصدر كلّ سنة، وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال جداً مهم، هل كلّ الروايات المنشورة هي بنفس المستوى من حيث: الأسلوب، والشكل، التعبير، التقنية، اليات اشتغالها، واللغة. بالطبع لا، فهناك الغث والسمين، وهناك الروائي الذي يمتلك أدواته والذي لا يمتلك أدواته، لذا كم رواية تتوفر فيها الشروط التي ذكرتها؟ أترك ذلك للقراء.

– إلى أيّ حدّ لعبت الجوائز المخصّصة للرواية دوراً في تشجيع الكُتّاب للتوجّه إلى حقل الرواية؟

أعتقد أنّ دورها ضئيل، وبالذات للذين على هامش كتابة الرواية لأنهم مسبقاً يعرفون أن هنالك من هو أفضل منهم، أما بالنسبة للمتمكنين في كتابة جنس الرواية فهم – أتصور- قلة أيضاً، لأن المبدع الحقيقي لا يراهن على الجوائز المادية والشهرة السريعة، وخاصة أن هذه الجوائز لا تخضع فقط للإبداع، بل هناك عوامل أخرى كثيرة: سياسية – جغرافية – فكرية – خارجية، بالإضافة إلى أمور أخرى محكومة بها هذه الجوائز العربية.

– لاحظنا في سلسلة حوارات الرواية نت مع عدد من الروائيين والروائيات العرب تقاطع معظم الإجابات عن غياب النقد الروائي، أو تهميشه لأعمالهم أو قصوره عن متابعتهم، أو بقاء النقد أسير شلل ومجاملات ومحسوبيات، وأنّ أعمالهم لم تنل ما تستحقّ من نقد.. ما رأيك بهذه الآراء؟

رغم أن هذا السؤال يتكون من شطرين، والشطر الثاني تقريباً متشابه مع ما جاء في الشطر الثاني من السؤال الأول، وقد أسهبت في إجابته آنفاً، النقد الجاد والحقيقي ليس من الممكن أن يتجاهل النص الجيد أو يهمشه، ولا ممكن أن يغيب الناقد عنه، ولكن المعضلة الرئيسة والجوهرية هي: فانتازيا المساوة، لنفرض جدلاً أن هنالك مائة كاتب رواية، يقابلهم عشرة نقاد، لأنه ليس من الممكن أن يتواجد نقاد بعدد الروائيين، وهذا مستحيل، فدائما يكون عدد النقاد قليل جدا بالنسبة إلى عدد الروائيين، وهذا حاصل في جميع أنحاء العالم، بمعنى آخر، ليس من الممكن أن يستوفي النقد كل الاعمال الروائية “حتى ولو كانت جميعها جيدة ورائعة” وخاصة النقد يخضع للذائقة الذاتية للناقد/ القارئ، والانسجام مع النص.

– ما الذي تودّ توجيهه للروائيين والقراء؟

تذكر بأنّ همزة الوصل بين الروائي والقارئ، هو الناقد، فلا تكتمل جمالية النصّ عند المؤلف ولا متعة القراءة عند القارئ إلّا بالناقد الذي يستعرض جسد النصّ، ويكشف عن مكامن جمالياته، ونبضه، ومنابع تدفقه، فالناقد هو: المدخل الفعلي للنص، والإضاءة الكاشفة لكل الأماكن المعتمة، وإضفاء الجمالية الحقة عليها.