مظاهر اللاجامي: لا أجيد التسويق لأعمالي بالطريقة التي أثقلت كاهل الكاتب

مظاهر اللاجامي: لا أجيد التسويق لأعمالي بالطريقة التي أثقلت كاهل الكاتب

الرواية نت – لندن

يؤكّد الروائيّ السعودي مظاهر اللاجامي أنّه اتّخذ منذ البداية موقفًا مضادًّا من كل أشكال المنع والرقابة واعتبرها قيدًا وجوديًّا يقيّد الكاتب، وأنّه بمقدار ما تحضر الرقابة تغيب الكتابة والعكس كذلك.

ويشدّد مبدع (موت أبيض) في حواره مع الرواية نت على أنّه ما زال جزء من المثقفين يتوسّلون اعتراف الآخر بأن هناك ما يستحق أن ينشر عربيًّا. ويوضح أنّ القصد من التدهور والنكوص يشمل مناحي الحياة كافة لكن هذا لا يمنع من وجود المبدعين على مستوى الأفراد، لا على مستوى المؤسسات والمجتمعات.

  • كيف تقيّم تجربتك مع القراء؟.

مفهوم القرّاء بالجمع، والقارئ بالإفراد، ملتبس ومخاتل جدًّا. ولعلّ جزءًا من مخاتلته أن اللفظ تم استخدامه كمصطلح وكمرادف لمفهوم الناقد في التيارات النقدية الحديثة. كمفهوم القارئ النموذجي والقارئ الضمني والقارئ الافتراضي. لكن ومن خلال السياق يبدو أن الدلالة المعنية من ذلك هو القارئ غير المتسلّح بمنهجيَّة للممارسة النقديّة. أي القارئ غير المنهجي بعبارة أخرى. وهنا تنشطر تجربتي مع هذا النوع من القراء لاتجاهين. الاتجاه الأول يرفض النّص من منطلقات أخلاقيَّة والاتجاه الثاني يعجب به لاعتبارات شخصيّة. ولا يمنع أن يتداخل الاتجاهان عند نفس القارئ.

في كلا الاتجاهين لا يمتلك القارئ معرفة منهجيَّة بالنّص ولا بجماليات الرواية وتحولاتها منذ بداياتها حتى الآن، ولا يمكنه أن يصيغ رأيه صياغة موضوعية ضمن أطر منهجيَّة واضحة. فمثلا، هناك من يرفض نصًّا لتناوله لموضوع الجنس، ويعتبره مساسًا بالجانب الأخلاقي والاجتماعي، لكن حينما نوغل في الحديث مع هذا القارئ نكتشف عدم قدرته على تبرير رفضه لمقاربة ما يتعلق بالجسد. كذلك نجد من يعجب بالنّص من منطلقات شخصيَّة كونه وجد فيه ما يلامس جانبًا شخصيًّا من حياته. أتذكر مثلًا اتصالًا من أحد القراء وردني بعد فترة وجيزة من إصدار رواية بين علامتي تنصيص. وأبدى إعجابه بالرواية كونه وجد فيها ما يلامس تلك الجوانب الشخصيَّة وأن أمجد، الشخصيَّة الأساسية، عاش تجربة مريرة بعد الفراق عن حبيبته سماء، وكاد أن يخسر كل شيء بناء على تلك التجربة.

باختصار: هناك جانبان. الجانب الأول تجربتي ككاتب يسعد بالطبع حين يواجه مواقف إيجابيَّة من القراء. أما الجانب الثاني فهو الذي أعوّل عليه وهو المعرفة الموضوعيّة بالنّص في مقابل المعرفة الذاتية القائمة على الذوق. فكما يقول حميد لحمداني في كتابه “الفكر النقدي الأدبي المعاصر ” بأن العملية النقدية هي تغليب هيمنة الموضوع على هيمنة الذات. وأمام هذا أسعد بهيمنة الذات لكن أعوّل على هيمنة الموضوع.

  • ما أهم الأعمال الروائية التي أثرت في تجربتك الإبداعية؟ ما الرواية التي تتمنى لو كنت مؤلفها؟ هل من رواية تندم على كتابتها أو تشعر أنك تسرعت في نشرها؟ ولماذا؟

لا وجود لكاتب محدّد أو أعمال معيّنة يمكن أن أعتبرها أثّرت في تجربتي الإبداعيَّة وقد يكون للناقد رأي آخر في هذا. فكل رواية متميّزة، وكل كاتب مبدع أكتشفه وأنشغل بقراءته في فترة ما أعتبره رافدًا مهمًّا يرفد التجربة الإبداعيَّة، بل يمكن أن أعتبر القراءة حتى في المجالات غير الأدبيّة رافدًا، ربّما يكون أحيانًا أكثر أهميَّة من قراءة النصوص الإبداعيَّة. ذلك لأن بؤرة الأعمال الروائية تتعالق فيها الجوانب الاجتماعية بالتاريخية بالسياسية بالثقافية بالنفسيَّة، وكلّما كان الروائي قادرًا على الإلمام بهذه الجوانب بات قادرًا على امتلاك اشتراطات كتابة الرواية. المعرفة بالنفس البشرية ومجتمع الإنسان وسياقاته. بالطبع هناك كتاب لديهم القدرة على مراقبة المجتمع وسلوك الإنسان دون أن يرفد ذلك بمعرفة منهجيَّة شاملة.

بخصوص الرواية التي تمنّيت كتابتها فقد أجبت عن ذلك في حوار آخر، وقد أشرت أنها رواية البحث عن وليد مسعود لجبرا إبراهيم جبرا، وقد أضيف الآن رواية أخرى وهي رواية حياتي لليوناردو بادورا وأخرى هي قطار الليل إلى لشبونة لباسكال مرسييه. بالتأكيد تظل هذه مواقف ذاتية لا يمكن أن أبرّرها موضوعيًّا.

وأما إذا ما كان هناك رواية أندم على كتابتها، فلم أندم على ما كتبته قط، وبرغم أنني لا أعتبر رواية بين علامتي تنصيص والدكة تمثّلانني الآن لكونهما تدريبات على الكتابة، لكنّ تلك التدريبات كان لا بدّ منها. فالكاتب يظل محكومًا بشعورين مختلفين. أن يكتب ما يعتقد أنه جدير بالكتابة وأن يتخلّص منه على المستوى النفسي بعد ذلك كي يطور مهاراته الكتابية، ولعلّ غالبيَّة الكتّاب لا ينظرون بعين الرضا للأعمال الأولى من التجربة الإبداعيَّة لكنها شرط لا بد منه في مسيرة الكتابة.

  • كيف ترى مستقبل الرواية في عالم متسارع يمضي نحو ثقافة الصورة؟

لا يمكن أن أعزل واقع ومستقبل الرواية عن بقية مناحي الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعيّة والمعرفيَّة في العالم العربي. فالمراقبة الدقيقة لواقعنا يجعلنا ندرك أننا نعيش مرحلة نكوص وتدهور في شتّى المجالات. فالجامعات ما عادت تشجّع على البحث الأكاديمي. والحالة السياسية مشلولة بشكل كامل بسبب غياب التعدديَّة السياسيَّة، وفي ظل غياب التنازع الإيديولوجي بين التيارات السياسية وسيطرة الفكرة الواحدة. ومع صعود العسكر للسلطة في عديد من الدول العربية واستشراء أحزاب الإسلام السياسي ما عاد يمكن الحديث عن حياة ثقافيّة مستقلّة. أتذكّر حوارًا أجراه جهاد فاضل مع المسرحي توفيق الحكيم وآخر أجراه مع نجيب محفوظ، وفي كلا الحوارين اتفق الكاتبان في تحليلهما لتدهور الثقافة في مصر بأن الفترة الملكية الليبرالية في مصر تركت الثقافة للمثقفين لكنها تدهورت بعد سيطرة الضباط الأحرار واستدماج الثقافة ضمن إيديولوجيا ومؤسّسات السلطة، ولعلّ الاتحاد السوفييتي خير مثال على دور السلطة في تدهور الحياة الثقافيّة. ذلك لأنها تطبّق تطبيقًا أمينًا ما قاله وزير الدعاية النازية غوبلز ” كلما سمعت كلمة مثقف، تحسّست مسدسي”.

hdrpl
  • كيف تنظر إلى واقع النقد في العالم العربي؟.

إن كان لنا أن نتحدّث عن تدهور شامل في مناحي الحياة العربيَّة ككل فربّما كان النقد هو الأشد كشفًا لواقع التدهور والنكوص. ذلك لأن النقد ممارسة منهجيّة، لا بدّ أن تؤسّس على أسس معرفيّة تستند على الفلسفة وعلوم اللغة وتاريخ الجنس الأدبي المستهدف من الممارسة النقديّة، وهو ما يفتقده الآن نقاد الصحافة الانطباعيين. فالمنهج النفسي يتطلب معرفة بمدرسة التحليل النفسي، والمنهج التاريخي بفلسفة التاريخ عند هيغل، والاجتماعي بمعرفة وافية بالماركسيّة وقوانين التطور الاجتماعي، أما المناهج النصيَّة فتتطلب معرفة بعلوم اللغة ودي سوسير. بالتأكيد لست ضد القراءات الانطباعيَّة إذا كانت تنمّ عن معرفة وافية وحصيفة بالأدب، كما يتضح ذلك في كتابات ميلان كونديرا حول الرواية أو رسائل ماريو بارغاس يوسا في رسائله إلى روائي شاب أو كتابات إيتالو كالفينو التي طبعت تحت عنوان آلة الأدب. ولعلّنا ندرك ذلك من خلال تجربة ذهنيّة افتراضيَّة تحاول أن تحصر أهم الأسماء النقديَّة والتي سنكتشف أن الأسماء كلّها تقريبًا تعود لفترات سابقة ازدهرت فيها الممارسة النقديَّة ولم تعد كذلك.

  • إلى أيّ حدّ تعتبر أنّ تجربتك أخذت حقها من النقد؟

علاقتي بالنقد شبه منعدمة. قد يكون ذلك بسبب ما ذكرته حول تدهور الحياة الثقافيّة والنقدية بالأخص، وربّما أضيف أن طبيعة ما أتناوله من موضوعات يجعل من كتاب الصحافة والنقد الصحفي يحجمون عن الكتابة عما أكتب. ومن المتوقع أن يحجم الصحفي أو الناقد عن الكتابة عن أعمال تثير غضب السلطة السياسية أو الدينية. فالثقافة الليبرالية السائدة تجعل وجود المثقف مرهونًا بعطايا السلطة ورضاها، فالمثقف الذي وظيفته إزعاج السلطات كما يحدّد سارتر ما عاد موجودًا، أو على الأقل ما عاد مطلوبًا في الساحة الإعلاميَّة. إضافة لذلك فأنا أحتمل جزءًا من المسؤوليَّة لأنني لا أجيد التسويق لأعمالي بالطريقة المتعارف عليها والتي أثقلت كاهل الكاتب، فليس ضمن وظائف الكاتب أن يسوّق لأعماله بل إن دور النشر والصحافة من يجب أن تتكفّل بعمليَّة التسويق تلك.

  • كيف تجد فكرة تسويق الأعمال الروائية، وهل تبلورت سوق عربية للرواية؟.

مما يؤسف له حاليًا إن عملية التسويق ارتبطت بالأعمال الروائيَّة التي ترشح لجائزة البوكر العربية فقط، رغم أنها ليست أفضل الأعمال، لكن مزاج الناشر، واللجنة المحكمة، والمعرفة الدقيقة باتجاه الجهة المانحة يلعب دورًا رئيسًا في ترشيح عمل من عدمه. وبعيدًا عن التسويق للروايات المرشحة للجائزة، فأجد أن التسويق حاليًا عبر الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي يتمّ للروايات المترجمة في مقابل التجاهل التام للمنتج العربي عمومًا، وبالخصوص للرواية كونها الشكل الأكثر انتشارًا في مجال الإنتاج الثقافي. وبالتأكيد لن أستثني نفسي كقارئ من عملية الاستبعاد غير المتعمّد للمنتج العربي لكنّني على الأقل أحاول أن أقاوم هذا التجاهل بإرادة واعية.

hdrpl
  • هل تحدّثنا عن خيط البداية الذي شكّل شرارة لأحد أعمالك الروائية؟

في البدايات الأولى من محاولات الكتابة لم أجد شكلًا محدّدًا أوقن أنني سأستطيع أن أقدّم فيه شيئًا متمايزًا. كتبت كمحاولات أوّليَّة في جميع الأجناس. الشعر والقصة القصيرة والمسرحية، وكلّها محاولات متواضعة بالطبع، ولم أنشر منها شيئًا. بعد تراكم الخبرة في القراءة وجدت أن الرواية هي الشكل الأنسب الذي يمكن أن أتميّز من خلاله ويكون قادرًا أيضًا على أن يحتمل الانشغالات الثقافية والأسئلة الوجوديّة والفلسفيَّة التي تشغلني. خصوصًا أنني عندما عدت بذاكرتي لمرحلة الطفولة وجدت أنني شغوف بالقص. فقد كانت إحدى القريبات العجائز من أسرتي تجمع من حولها أطفال العائلة وتسرد لهم قصصًا عجائبيَّة لم تبتعد في سحرها وغرائبيّتها عن أجواء ومناخات ألف ليلة وليلة. وما زالت والدتي تذكرني ببعض القصص المختلقة التي استطعت من خلالها أن أبني قصة متخيّلة سبّبت رعبًا إليها، وبحسب قولها إنها طلبت مني عدّة مرّات أن أعيد القصّة لعلّ اختلافًا يمكن أن يوصلها لحقيقة ما حدث. بالطبع لم تتوصّل لذلك لكني اعترفت إليها فيما بعد بأن القصة كلها مختلقة.

  • إلى أيّ حدّ تلعب الجوائز دوراً في تصدير الأعمال الروائية أو التعتيم على روايات أخرى؟

قد تكون إجابة هذا السؤال متضمّنة في الإجابة عن السؤال حول تسويق الأعمال الروائية ولعلّني أضيف مثالًا ذكرته سابقًا في أحد الحوارات وهو استبعاد رواية نجم والي بغداد مالبورو من الترشيح بشكل تام رغم أنها تتفوق على ما رشح في تلك الدورة من أعمال روائية، وللتأكيد فقد حازت رواية بغداد مالبورو على جائزة برونو كرايسكي العالمية للكتاب في النمسا عام 2014 وقد وصلت للقائمة النهائية لجائزة يان ميشالسكي لكنها شبه متجاهلة من قبل الإعلام والنقد في اللغة العربيَّة. وقد أشرت لذلك حينذاك قبل أن تحوز على الجائزة العالميّة. في السنوات السابقة وأثناء ما كنت راصدًا جيدًا لاتجاه جائزة البوكر استطعت خلال ثلاث دورات أن أخمّن فوز أحد الأعمال في القائمة النهائية وذلك من خلال مراقبة ورصد ما ينشر عبر الصحافة مما يعني أن قرار الفوز ليس إبداعيًّا محضًا بل تتضافر عدّة عوامل في وصول رواية ما للجائزة، واستبعاد كل ما لم يرشح من دائرة الإعلام، وخصوصًا في ظل عدم التسويق الذي تحدّثت عنه سابقًا.

rptnb

كيف تجد واقع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى؟

لعل ذلك من المسائل التي انطوت على استخفاف هائل بالذات العربيَّة والشعور بالجرح النرجسي في مواجهة الغرب كما يشير جورج طرابيشي، فما زال جزء من المثقفين يتوسّلون اعتراف الآخر بأن هناك ما يستحق أن ينشر عربيًّا. ولوهلة قد يبدو هذا متناقضًا مع ما أشرت إليه سابقًا، لكن للتوضيح فالقصد من التدهور والنكوص يشمل مناحي الحياة كافة لكن هذا لا يمنع من وجود المبدعين على مستوى الأفراد، لا على مستوى المؤسسات والمجتمعات. في رواية سيّدات القمر لجوخة الحارثي التي فازت بجائزة مان بوكر العالمية مثال على ذلك. المفارقة بالتأكيد أن كثيرًا من المثقفين وبدلًا من الاحتفاء بالعمل راحوا ينتقدون قيمته الأدبيَّة، وهذا من حقهم طبعًا، لكن المضحك في المسألة أن هناك من لم يجد شيئًا صالحًا للنقد سوى أنه اعتبرها مفارقة أن تكتب امرأة محجّبة عملًا إبداعيًّا جديرًا بالقراءة ويستحق جائزة بأهميَّة المان بوكر.

  • يعاني المبدع من سلطة الرقابة خاصة (الاجتماعية والسياسية والدينية) إلى أي درجة تشعر بهيمنتها على أعمالك؟ وهل تحدّ من إيصال رسالتك الإبداعية وهل أنت مع نسف جميع السلطات الرقابية؟

منذ البداية اتخذت موقفًا مضادًّا من كل أشكال المنع والرقابة واعتبرتها قيدًا وجوديًّا يقيّد الكاتب فبمقدار ما تحضر الرقابة تغيب الكتابة والعكس كذلك. ولهذا اعتبرت التخلّص من الرقابة الموجودة ذهنيًّا أول أشكال المقاومة للرقيب السياسي والاجتماعي والديني. بالتأكيد ينبغي أن أؤكّد أن مسألة مقاومة الرقابة ونسف سلطتها يحمل جانبين مهمين يعتمدان على السياق.

السياق الأول. هو السياق الثقافي عامّة. فبعض الأعمال تحمل أهميّتها الثقافية المرتبطة بسياق ثقافي معيّن كونها استطاعت أن توسع مساحة المفكر فيه والمسموح وضيّقت دائرة اللا مفكر فيه. يحضرني مثالًا في السياق الفرنسي رواية مئة وعشرون يومًا في سدوم للماركيز دي ساد. وشعريًّا في السياق العربي سنجد تمثيلًا على ذلك ما كتبه نزار قباني في ديوانه الأول قالت لي السمراء، وبشكل أشدّ جرأة في ديوانه الثاني طفولة نهد. أما روائيًا فلعل مجموعة من الأعمال أسهمت في زيادة المفكر فيه، والمسموح بالمقاربة، مثل رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح في تناوله للعلاقة الجنسية في سياق المستعمِر والمستعمَر، وتلك الرائحة لصنع الله إبراهيم في تناوله للسجن السياسي. بالتأكيد تظل العلاقة بين الرقابة والكتابة في حال تضاد دائم، وستظل الرقابة تدافع عن وجودها وقدرتها باعتبارها آليَّة من آليَّات الإكراه التي تمارسه السلطة السياسية كالسجن والعقاب والتهميش والاستبعاد أو الاغتيال الرمزي الذي تمارسه السلطة الدينية من خلال فتاوى التكفير، دون أن نتجاهل ونستخفّ بدورها في تغييب كثير من الأعمال الرائعة واستبعادها من التاريخ الرسمي للثقافة. ولعل التراث العربي وكثير من النصوص التي أعيد إحياؤها تندرج ضمن هذا الإطار مثل ديوان أبي حكيمة راشد بن إسحاق أو ما جمعه جمال جمعة من قصائد متفرّقة تحت عنوان ديوان الزنادقة. أو حتى في المجالات الفكرية الأخرى التي لم يصلنا منها سوى ما كتب في كتب الردود مثل كتاب مخاريق الأنبياء لأبي بكر الرازي أو الزمرد والدامغ لابن الراوندي. باختصار وكما يرى جيل دولوز كل كتابة ليست إلا مقاومة.

السياق الثاني. السياق الخاص بالعمل ذاته. فانتهاك التابوهات لا يجب أن يكون هدفًا بمعزل عن مدى ملائمة الانتهاك لطبيعة النص والشخصيَّات فذلك ما يجعل عمليَّة الانتهاك لا تعدو كونها مجانيّة وتسويقًا فجًّا. وبالتأكيد ستحقّق كثير من الأعمال انتشارًا واسعًا للعمل بعد أن يمنع أو يكتب عنه باعتباره نصًّا يركّز على الممنوع والمحرّم لكن المراهنة على بقاء مثل هذا النص من خلال ما يتم تناوله مراهنة ليست دائمًا في صالح العمل.

  • ما هي رسالتك لقرّائك؟.

قد لا أكون شخصًا ملائمًا لأن أتوجّه بالنصيحة للقراء بشكل عام، ولكن بما إننا في سياق الحديث عن الرقابة وإكراهات السلطة ومستقبل الثقافة. فربما أؤكّد أن الشعوب تقاس بمدى ما تنتجه في شتى المجالات الإبداعية والعلميّة والمعرفيّة، فإذا كانت إرادة التجهيل قائمة، فلا ينبغي أن نستجيب لتلك الإرادة، رغم إدراكنا لمدى ما تتمتّع به تلك الإرادة من قدرة فائقة على تعميم إرادتها. وثانيًا يمكن من خلال ما سبق أن أقدّم قاعدة، ولا أحبّذ استخدام لفظة رسالة، وهي ألا نجعل أحدًا أو اتجاهًا يحدّد لنا أفكارنا، ويعد قائمة بما ينبغي التفكير فيه، وما ينبغي استبعاده من دائرة التفكير نهائيًا، فتاريخنا العربي مليء بالشواهد التي تخبرنا أن مساحة التفكير والنقد امتازت بالرحابة والاتساع الشديدين باستثناء بعض الفترات التاريخية مثل فترة الحاكم بأمر الله الفاطمي أو فترة الخليفة المتوكّل العباسي، وبأن كل الاتجاهات الفكرية كانت تتمتّع بحريَّة الكتابة والتأليف وهو ما أشار إليه أدونيس بمنحى التحوّل في دراسته الثابت والمتحوّل بحث في الإبداع والاتباع عند العرب.