كوفاديس.. من الحدث الدنيوي إلى البنية الدينية للتاريخ

كوفاديس.. من الحدث الدنيوي إلى البنية الدينية للتاريخ

مظاهر اللاجامي

عن دار المدى صدرت في العام 2016م رواية كو فاديس للروائي البولندي هنريك شنكوفيتش بترجمة نافع معلا. الرواية التي صدرت في لغتها المصدر عام 1898م تقع ترجمتها في 680 صفحة من القطع المتوسط، وقد كانت سببًا في حصول الروائي على جائزة نوبل حسب ما يشير محمود قاسم في كتابه موسوعة جائزة نوبل، وهو أول من حاز عليها من الروائيين عام 1905م بعد خمس سنين من إنشاء الجائزة التي تمنحها الأكاديمية السويدية في استكهولم.

ومن أكثر السلبيَّات شيوعًا في الترجمة من اللغات كافّة إلى اللغة العربية ما يقع فيه عدد ليس قليلًا من المترجمين العرب. وهو أن يترجم كتاب ما دون أي إشارة لظروف تأليفه وحيثيات كتابته ونبذة عن حياة مؤلفه. تتزايد أهيمة تلك الإشارات حين نواجه عملًا إشكاليًّا، أو نصًّا مفارقًا لا بدّ من معرفة محايثاته وبعض ما اختبره الكاتب في حياته، فبالرغم من موقف البنيويين خاصَّة، والمدارس الشكلانية عمومًا في استبعاد المؤلف من عملية القراءة، والمرجعيَّة الخارجية للنص، إلا إن كثيرًا من النصوص لا يمكن أن يتمثّلها القارئ دون معرفة وافية بكل ما يحيطها. يمكن أن نمثّل على ذلك رواية جوستين، أو مائة وعشرون يومًا في سدوم للمركيز دي ساد التي سنقرأها في سياقها الزمني والثقافي بطريقة مختلفة تمامًا عن قراءتنا لكتاب لا يقل جراءة عنه وهو حياة كاترين مميه الجنسية. وبالتأكيد سنتعامل مع رواية أوريليا لجيرار دي نيرفال التي استبقت السريالية في التركيز على العوالم اللاوعية والكابوسية والرموز التي تتضمّنها الأحلام كما تحدّث عنها سيغموند فرويد بطريقة تختلف تمامًا لو أنها كتبت بعد البيان السريالي.

لذلك كان لا بدّ لنافع معلا أن يصدّر الرواية بمقدّمة تعرّف القارئ العربي بكاتب لم تترجم أيّ من رواياته للعربيَّة من قبل.

وبالاعتماد على ما ذكره محمود قاسم فقد ولد الروائي هنريك عام 1846م في أسرة بولندية متوسطة. درس الطب بناء على رغبة أمّه لكنه سرعان ما تخلّى عنه ليتجه لدراسة الأدب. عمل صحفيًّا ممّا انعكس بشكل لافت في رواياته وقصصه القصيرة التي اهتمت بالمشاكل المرتبطة بوطنه بولندا.

عندما نفّذ شنكوفيتش رغبته في الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث الديمقراطية الحقيقيّة والحريّة كما ظنّ سابقًا وجد أن الولايات المتحدة لم تتفق وتصوراته عن الأرض المنشودة. تلك البلاد التي تزداد فيها حدة التناقض بين الطّبقات. كما صدم من موقف الرجل الأبيض من أصحاب البشرة السوداء، ومن السكان الأصليين الذين عرفوا بالهنود الحمر. ومن خلال تجربته التي لم تكتمل عن الهجرة للولايات المتّحدة كتب عن ذلك مجموعة من الأعمال منها ” ذكريات من ماري بونا” و “حارس الفنار”، كتب أيضًا عن النزعة الشوفينية الإيطالية حين زارها رواية بعنوان “ذكريات بروفة” والتي رفضت الرقابة نشرها في بولندا.

عام 1880م اتجه للتاريخ ليستلهم من أحداثه ما يقارب به مسائل ومشكلات الحاضر. بدأ ذلك برواية “في بيت التتار”. وقد استخدم التاريخ كتقنيع للحاضر وذلك من أجل أن يتفادى سطوة الرقيب كما حدث في روايته المرفوضة سابقًا. بعد ذلك كتب ثلاثية روائية تناول فيها ثلاثة حروب لبولندا في القرن السابع عشر*1. وأثناء اهتمامه بالتّاريخ لم يبتعد عن الكتابة عن الحياة المعاشة في زمنه فهو كاتب غزير الإنتاج تراوحت كتاباته بين الاهتمام بالتّاريخ والاهتمام بالواقع المعاصر.

يشير محمود قاسم أن رواية كو  فاديس من أجمل ما كتب من روايات حول سقوط الأمبراطورية الرومانية. وبالرغم من التحفظ على أفعل التفضيل الذي ذكره محمود قاسم، كونه يشترط استقراءً كاملًا لما كتب من روايات حول سقوط الأمبراطورية أولا، وكونه ثانيًا، يتضمّن حكمًا بالقيمة على مجموعة من الأعمال الروائية التي لا تتّفق إلا على مستوى المتن الحكائي ( القصة )، أما المبنى الحكائي ( الرواية ) فيختلف بالضرورة. وهذه الأفضلية التي يشير إليها قاسم هو ما سأحاول أن أتناوله في ما سيأتي من محاولة لمقاربة الرواية نقديًّا.

وأسمي ذلك محاولة لمجموعة من الأسباب مجتمعة. فمنذ أن بدأ الشكلانيون الروس محاولاتهم المتميزة في تكوين معرفة موضوعية بالسرد باكتشاف أنماطه وحوافزه وتقنياته ومكوناته وكل ما يتعلّق به لم تستطع الدراسات النقدية للنص الروائي أن تتفوّق على الدراسات النقدية التي تتناول بقية الأجناس الأدبية كالملحمة والشعر والمسرحيَّة، كمًّا وكيفًا. وأسباب ذلك:

1 / القصر الزمني للدراسات النقدية حول الرواية مقارنة بالشعر والملحمة والمسرحية التي تعود الدراسات حولها لما قبل الميلاد عند أرسطو وهوارس.

2 / ما أشار إليه بيير شارتيه في كتابه مدخل إلى نظريات الرواية من أن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر امتناعًا على التحديد مقارنة ببقية الأجناس الأدبية.*2

3 / ما أشار إليه تودوروف حيث قسّم القراءة لثلاثة أنواع* 3. تلك الأنواع هي:

  • قراءة الشرح. وهي قراءة ذات طابع تعليمي تستهدف إيضاح النص وهي لا تتجاوز المتن الحكائي أي القصة.
  • قراءة الإسقاط. وهي قراءة يأتي القارئ من خلالها للنّص بأحكام جاهزة ومناهج مسبقة.
  • القراءة الشاعرية. وهي القراءة التي تبحث في المبنى الحكائي ( الخطاب الروائي ) وكيف كتب الروائي قصته من خلال التقنيات الروائية التي استطاع الروائي استخدامها، أو ابتكارها من أجل كتابة الرواية.

ينحاز تودوروف طبعًا للنوع الثالث باعتباره أحد نقاد المدرسة البنيوية والتي اعتبرها مع بقية المدارس الشكلانية خطرًا على الأدب بعد أن لاحظ ممارساتها في اختزال الأدب لمجموعة من الممارسات التقنية واستبعادها للبعد الإنساني من الأدب* 4. أمام هذه الأنواع الثلاثة أعتقد أن قراءة الشرح لا يمكن أن تنفصل عن القراءة الشاعرية، فحتى يتمكّن القارئ من القراءة الشاعرية لا بد أن يبدأ بقراءة الشرح أولّا. ومع تراكم عدد قراءات الشرح للنص تنمو الكفاءة النقديَّة والتي تمكّن القارئ من الوصول للقراءة الشاعرية، بعد أن يستكشف إمكاناته الجماليَّة واستخداماته التقنية، إلا أمام النصوص التي ابتدعت رؤية جديدة للأدب وأحدثت شكلًا تقنيًا مغايرًا للسائد الأدبي. فالنصوص المفارقة تتطلب وعيًا مفارقًا في التعامل معها، ولعل تاريخ الأدب يحفل بنصوص رفضت من خلال معايير النقد في البداية ومن ثم أعيدت صياغة معايير النقد كي تستوعب الابتكارات الجمالية الحديثة.

هذا ما يجعل من القراءة النقدية للشعر أوفر حظًا، وذلك لأن العبور من الشرح للقراءة الشاعرية يستغرق وقتًا قصيرًا، مقارنة بالأعمال الروائية الضخمة التي تتطلب عدة قراءات من أجل اسكتشاف جمالياتها، فلذة النص تتحقّق كلما كان النّص ممتنعًا عن أن يتيح أسراره وممكناته للقارئ من أول قراءة كما يعبّر رولان بارت.

يميز باختين بين الملحمة والرواية على أساس ثلاث خصائص يمكن الولوج من خلالها لرواية كو فاديس* 5.

1 / إنها شكل هجين، أي أن أسلوبها متعدد، وهي ملتقى لجميع الخطابات الاجتماعية. وهذا ما نجده من خلال ثلاثة خطابات في الرواية.

  • الخطاب الوثني.
  • الخطاب الفلسفي.
  • الخطاب المسيحي.

حاول الروائي أن يصور التجاذب بين هذه الخطابات من خلال مجموعة من الشخصيات، وأهمها ليفيا المسيحية، والقائد العسكري فينيكوس الذي اشتبك وعيه الوثني مع وعي ليفيا المسيحي من خلال علاقة حب جارفة، ركزت فيها ليفيا على الجوانب الروحانية من العلاقة، بينما ركز  فينيكوس على الجوانب المادية. ومن خلال شخصيات أخرى مثل على الخطاب الفلسفي عند سينيكا الخطيب الرواقي المشهور في العصر الروماني، وبترونيوس أحد أهم شخصيَّات البلاط الروماني والذي احتل مكانًا بارزًا من المتن الحكائي. ومن خلال الأسلوب المتعدّد الذي أشار له باختين نجد المفارقة في الوصف المبدع بين العوالم الباذخة لمآدب القصر الروماني، والوحشية المفرطة في ساحة الألعاب الدمويَّة كالمجالدة ومصارعة الحيوانات المفترسة، والتي ابتكر نيرون في ساحتها طرقًا لاضطهاد وإيقاف التمدّد المسيحي في عالم روما الوثني، واقترحت زوجة الأمبراطور الشكل الأشدّ وحشيّة وإثارةّ، انتقامًا من ليفيا. أجمل نساء روما.

2 / إحداثياتها المكانية والزمانية. في رواية كو  فاديس نجد أسماء عدد هائل من الأمكنة التي لا أجد مبرّرًا لها سوى الرغبة في توثيق أسماء تلك الأمكنة. لكنها أمكنة فرعية تدور في المنطقة الرئيسة من حكم الأمبراطورية وهي روما. أما بالنسبة للإحداثيات الزمانية فغيّبت التواريخ الدقيقة للحدث مثل حرق روما 64م، وفاة سينيكا 65م، ووفاة بترونيوس 66م، ووفاة بطرس مؤسس كنيسة روما عام ،67 ووفاة بولس الطرسوسي مؤسس المسيحية الحقيقي الذي رسخ الأسس اللاهوتية لفكرة التثليث، والذي اختلف في تاريخ وفاته، لكن جل الآراء تحصر ذلك بين حريق روما وبين صلب بطرس أحد حواريي السيد المسيح. مما يجعلنا نخلص أن الأحداث تقع بين 64م و67م دون أن يشار لذلك في الرواية لا على نحو مباشر ولا من خلال التتابع الزمني للحدث.

3 / الفردية المجددة والتي تعطي الأولوية لاتصال أقصى مع الحاضر، وفي رواية كو فاديس نجد تاريخ الأمبراطوريات والقمع والاضطهاد الذي تتعرض له كل الأقليات، وتحميلها كل فشل السلطة وجنونها وممارساتها القمعية، مجسّدًا من خلال أحداث الرواية، من خلال شخصية نيرون أولا: الشخصية لم تجد وسيلة لإلهاب مخيالها الشعري سوى أن تحرق روما من أجل أن تختبر الحدث بالتجربة الفريدة، وتستمد إلهامها من خلال منظر الحرائق التي التهمت غالبية أحياء روما. فبما أن موضوع القصيدة موضوعًا فريدًا فلا بد أن يكون ما يلهم المخيال حدثًا فريدًا كذلك. هذا ما أدركه نيرون في حواره مع بترونيوس, وبعد أن نّفذ ما يلهب تلك المخيلة قال في خطاب ذي طبيعة احتفالية ” أيتها الآلهة. سأشاهد المدينة المحترقة، وأنهي قصيدتي الطروادية”. ومن خلال إلقاء تهمة الحريق على الأقلية المسيحية ثانيًا، واضطهادها وصلبها وحرقها ومطاردة رموزها. وهو بالضبط ما سيقع تمامّا مع تبنّي الأمبراطورية الرومانية للمسيحية في عهد الأمبراطور قسطنطين، وتحديدًا في بداية القرن الرابع الميلادي. حيث مارست السلطة الرومانية المسيحية آليات السلطة ذاتها في القمع من خلال مطاردة الوثنيين، ومقتل الفيلسوفة هيباتيا، وإحراق مكتبة الإسكندرية، ومن ثم فرض عقيدة الطبيعة الثنائية للمسيح من خلال قوانين الإيمان في مواجهة الطبيعة الواحدة للمسيح لأتباع آريوس ونسطور وذلك من خلال المجامع المسكونية في نيقية وخلقدونيا.

ومن هنا أعود مرّة أخرى لكلمة محمود قاسم حول أهمية عمل كو فاديس وتميزه في مقاربة تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الأمبراطورية الرومانية.

تقول جين لوك نانسي ” إن هدف التاريخ الحديث هو تقديم سرد لمصير عظيم وجماعي تنتظره البشرية “، ويكمل سيمون مالباس في كتابه ما بعد الحداثة تأكيدًا على ذلك: ” إن النموذج الأساسي لكثير من هذه السرديات التاريخية الحديثة الكبرى هو الكتاب المقدس الذي يحكي قصة تاريخ العالم كلّه، بدءًا من خلق الجنة إلى يوم القيامة والأيام الأخيرة وإنشاء مملكة السماء على الأرض. وكلّ الأحداث والقصص التي وصفت في الأساطير المسيحية مرتبطة مع بعضها كجوانب من قصة الخلاص الشاملة “، ويؤكد عبر فرانسيس فوكوياما أن أول التواريخ البشرية كانت تواريخ مسيحية* 6. بالتأكيد يغفل فوكوياما أننا باعتبارنا أن بداية التأريخ البشري كان تأريخًا مسيحيًا، لن نتمكّن من تجاهل أن أول التواريخ بهذا التحديد يهودية، ونموذجه الكتاب الذي تقبله المسيحيون فيما بعد وهو العهد القديم، إلا إن يتجاوز ذلك باعتبار أن العهد القديم كتابًا فاعلًا في إطار المجتمعات اليهو ـ مسيحية.

هذه الرؤية للتاريخ البشري تنطبق تمامًا على رواية كوفا ديس، فالرواية التي تبدأ باستيقاظ بترونيوس وعودة فونيكوس كقائد عسكري من الحرب منتصرًا تبدأ بالوثنية، ومن خلال التقدّم في الأحداث تتّجه حثيثًا نحو الخلاص المسيحي، وإقامة كنيسة الرب من خلال مؤسس الكنيسة الذي صلب في الموقع الذي يقع فيه الفاتيكان حاليّا.

في العهد القديم والعهد الجديد وأعمال الرسل والقرآن الكريم كتنويعات ثلاثة للحقيقة الإلهية نجد مركز الأحداث تتمحور حول الشخصيات المقدسة. فتلك الشخصيات تمثّل مركز التاريخ البشري منذ التكوين حتى الحياة الأبدية في المسيحية، والقيامة في القرآن، ورسالتها الإلهية تمثّل جوهر الديانات الإبراهيمية.

رواية كو فاديس تسرد قصة الخلاص باستخدام بنية سرد التاريخ في الكتب المقدسة. لكنها تعكس العلاقة بين المركز والهامش، ففي حين نجد شخصية المسيح، وبولس، وبطرس في العهد الجديد، أو في بعض الروايات التي تناولت تلك الحقبة التأسيسية من المسيحية، هم مركز الحدث، والبؤرة التي تحرك التاريخ البشري، نجد شنكوفيتش يقلب العلاقة بين المركز والهامش فيجعل الوثنية مركزًا والمسيحية هامشًا. وكأن التاريخ البشري تاريخ وثني على امتداده، ولن يتم الخلاص إلا من خلال المسيحية، فحتى فكرة الفضيلة عند أتباع الفلسفة الرواقية في روما ليست خلاصًا، لأنها لا تنتمي لكنيسة الرب. نجد إشارات عديدة لتلك الفكرة في الرواية، ومنها ما ورد عن فينيكوس: ” كان من المستحيل أن لا يدرك الشاب أن هناك فرقًا جوهريًا بين تعاليم الحواري وبين ما يقوله السينكيون والرواقيون والفلاسفة الآخرون. ففي حين دعا هؤلاء إلى ذات الأفكار من الصلاح والفضيلة، باعتبارها القيم الوحيدة الناجعة لممارسة الحياة على الأرض، فقد راح الكاهن يبشر الناس بجني ثمار الفضيلة بالخلود بعد الممات في دار الأبدية “. أو ” أعتقد أن المسيحين لا يجدون ذلك كافيًا. لا يكفي بالنسبة إليهم تبجيل المسيح”.

ما يتَّفق أيضًا في الرواية مع بنية السّرد في الكتابات الدينية، وبالأخص في العهد القديم، هو أن ” كل الأحداث والقصص التي وصفت في الأساطير المسيحية مرتبطة مع بعضها كجوانب من قصة الخلاص الشاملة ” كما أشارت نانسي. قصة الخلاص الشاملة تلك تتّفق مع التّقدم المستمر للتّاريخ البشري، حيث كل حكاية، وكل شخصية، تجد موضعها في قصة الخلاص. وفق منحى تصاعدي للتاريخ يبدأ من الماضي مع بداية التكوين والخليقة وينتهي بالحياة الأبدية، وفق زمن يتقدّم للأمام دائمًا، فليس في الرؤية الدينية المسيحية فكرة العود الأبدي التي اقترحها فريدريك نيتشه، ولا وجود فيها أيضًا للتناسخ التي تدور الروح فيها عبر الكارما التي تنتهي بانعتاق الروح والتحاقها بالروح الكليَّة، كما وجدت في الديانات الهندية والحضارات الشرقيَّة.

فالتاريخ حسب الرؤية المسيحيّة يبدأ بهذه الطريقة.

ج ( الخلاص / المستقبل ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ب ( التاريخ / الحاضر المستمر ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أ ( التكوين / الماضي )

أما عبر فكرة التناسخ والعود الأبدي فالتاريخ لا يتقدم للأمام بل يسير وفق مسار دائري مستمر دون وعد بالخلاص، وحتى انعتاق الروح من دورة الكارما لا يمثل خلاصًا على الطريقة المسيحية. الخلاص بحياة أبدية أخرى ليست من نوع الحياة على الأرض.

نجد فكرة التقدم المستمر للتاريخ في الرواية من خلال تصوير المسيحيين كأقلية هامشية جدًا، ومن ثم الاضطهاد الذي وقع عليهم من قبل سلطة روما، وبعد ذلك الصلب والحرق واستخدامهم كأدوات في ساحة الألعاب. أي أن الموت والتضحية والشهادة كان حدثًا أيضًا في سياق التقدم للأمام باتجاه الخلاص الأبدي. حتى علاقة الحب بين فينيكوس وليفيا اعتبرها أحد أهم رموز كنيسة روما حدثًا في سياق تحقيق الوعد الإلهي بالخلاص الأبدي، الخلاص الذي يتجسّد في رواية كو فاديس في إقامة مملكة الرب وكنيسته وإسقاط روما التي وصفت بأنها الأمبراطورية التي لن يصدق أحد أنها ستسقط في يوم ما.

الرواية وبعد أن قعدت من خلال الممارسة الكتابية في القرن التاسع عشر على يد الواقعيين استطاعت ابتكار أشكال عديدة للمفارقة بين زمن الحكاية ( المتن الحكائي ) و زمن السرد ( المبنى الحكائي ) فعبثت في العلاقة المنطقية التتابعية التي تبدأ من الماضي حتى الحاضر المستمر انتهاء بالمستقبل. ولأن الرواية أصبحت فنا دنيويًا، فالمستقبل لم يمثل في وعيها خلاصًا ذا طبيعة دينية. وهي باعتبارها منتجًا استلهم أشكال السرد القديمة كالملحمة والقصص الشعبي والقصص الديني بدأت بالعلاقة المنطقية التتابعية بين الأزمنة الثلاثة رغم أنها لم تبدأ بذلك في التجارب الروائية الأولى على يد بوكاشيو ورابليه وثرفانتس إلا إن القواعد الكبرى للرواية تجاهلت ما تمتعت به الرواية من الحرية في الكتابة كما يشير ميلان كونديرا* 7، ومع تطورها تمّ العبث بمكون الزمن كأي مكون من مكوناتها السّرديّة.

رواية كو فاديس تلتزم بالمنحى المنطقي التتابعي للزمن، لكنه الزمن الذي يعود لما قبل بدايات الرواية كشكل دنيوي تمت محاربته في البداية، باعتبارها انحطاطًا وفعلًا يفسد الأخلاق. أقول لما قبل بداياتها لأن العبث بمكون الزمن لم يتمّ إلا مع بدايات القرن العشرين, إنه الزمن المشبع بالفكرة الإلهية، والخلاص، والأبدية، والتقدم المطرد للتاريخ، والذي يختلف في جوهره عن رواية القرن العشرين التي لا تلتزم باعتبار فكرة التقدم في التاريخ تقدمًا نحو الخلاص دائمًا، فربما يكون  التقدم تقدمًا نحو الانحطاط والتدهور والنكوص. 

الرواية بتنويعها بين أساليب السرد، والمزاوجة بين أسلوب الرسائل بين شخصيات الرواية، وبين استخدام ضمير المتكلم أحيانًا، وضمير الغائب غالبًا، تقدّم التاريخ من خلال وجهة النظر الوثنية لتاريخ روما في تلك الحقبة. وكيفية التلقي للفكرة المسيحية من خلال مجموعة من الشخصيات، الفيلسوف الرواقي شيلون، الانتهازي في ذات الوقت. وسينيكا الرواقي الفاضل. والقائد العسكري فينيكوس الذي يمجد القوة العسكرية، وتعامل مع ليفيا في البدء كإحدى نساء روما الخليعات، وبداية التوتر بينهما من خلال رفضها أن تكون كمحضيَّة عند قائد روماني نشأت علاقة الحب بينهما. كذلك المثقف اللاديني بترونيوس الذي شكك في إله المسيحية الكلي القدرة بقوله: ” إن كان إلهها كلي القدرة، هو إذن سيد الحياة والموت، وإن كان حقًّا، فإلحاقه الموت بنا حق كذلك، ولكن ما السبب الذي يدعو بومبونيا تقيم الحداد على يوليا؟”.

في سياق آخر يوجه خطابه لفينيكوس قائلًا ” فليبتلع هادس مسيحييك هؤلاء. لقد عبأوك بالقلق، وأفسدوا حسك في الحياة. فليبتلعهم هادس! تخطئ إذا ما اعتقدت أن هذا دين فالح. الفالح والصالح ما يحقق السعادة للبشر، مثل الجمال والحب والقوة وهم يسمون كل ذلك خطيئة “، ثم يطرح إشكالا فلسفيًا متابعًا حديثه ” فإذا ما كنا سنرد على الإساءة بالحسن، فبماذا نرد على الحسن؟ وإن كان الرد على الوجهين هو نفسه، فلم يضطر البشر أن يكونوا خيرين؟”.

أثناء سرد الأحداث تتنوع الأساليب، وتقوم على المزاوجة بين السرد والوصف. وهو ما يحقق تنويعًا في إيقاع الرواية بين التسارع والتباطؤ في إيقاع السّرد، وذلك عندما يغرق الروائي في الوصف، وهو ما حقق مجموعة من الغايات بين التزيينية والتفسيرية، لكن جلها تقوم على المفارقة بين المسيحية والوثنية الرومانية.

من خلال البساطة في الأولى والمبالغة في البذخ في قصر نيرون في الثانية. ومن خلال الرحمة المسيحية في التعامل مع الوثنيين والوحشية والهمجية في التعامل مع المسيحيين من قبل روما، وأيضًا من خلال الروحانية المسيحية والمادية الوثنية. وذلك ما أبدع فيه الكاتب خصوصًا فيما حدث بعد أن ألقيت تهمة حرق روما على كاهل المسيحيين، خصوصًا أن إيمانهم يصل للنتيجة القائلة: “أعرف بالمقابل أنه حيث يبدأ دينهم تكون نهاية السيادة الرومانية وروما “، ” حيث يبدأ دينهم تكون نهاية القيصر…. ليحل محلها المسيح”.

ومن الأبعاد المهمة في رواية كو فاديس اللوحات الوصفية. تلك اللوحات التي تتخلل السرد بين حين وآخر ، والتي أبطأت من الإيقاع السرديّ، وذلك لأن التاريخ ليس تقدمًا متصلًا بإيقاع واحد من وجهة نظر المسيحية بل إنه تقدم متقطع يمر بمراحل انتكاس وتباطؤ وقفزات تاريخية باتجاه الخلاص المسيحي. فلحظة صلب المسيح مثلًا تمثل القفزة التاريخية الكبرى كحالة افتداء قام بها ابن الرب ليحمل خطايا العالم، وتأسيس كنيسة روما، تبنّي المسيحية من قبل الأمبراطورية الرومانية، وكثير من الأحداث التي يعتبرها المسيحيون لحظة مهمة في تحقيق فكرة الخلاص. وإذا استعرنا عبارة هيغل من إن ” الرواية شأن الملحمة تفترض رؤية كلية للعالم والحياة”*8، فرواية كو فاديس تفترض رؤية دينية خالصة في مقابل وثنية التاريخ. فالرواية نص دنيوي طويل في تمجيد المسيحية وأخلاقياتها وإدانة وثنية التاريخ وفلاسفته ووحشيته من خلال بنية التاريخ في النصوص الدينية المؤسّسة.

في الختام أود أن أشير لما كتبه الروائي أيمن العتوم حول رواية كو فاديس، حيث لم يقم سوى بإعادة سرد الرواية باختصار مع بعض الإشارات حول الوصف وطبيعة الشخصيات السيكولوجية، ولكنه ختم ما كتب بقوله:” لي بعض المُلاحَظات على الرّواية، منها مثلاً أنّه قال إنّ بولس كان يؤمن بإله واحدٍ أحدٍ، لكنّ الحقيقةَ أنّ بولس هو أوّل من رسّخ عقيدةَ التّثليث عندَ المسحيّين، وأوّل مَنْ قال بفكرة التّجسيد، فأظهره بغيرِ صورته الّتي ترويها كتب التّاريخ المسيحيّ “.

ما كتب أعلاه ليس نقدًا أدبيًا بل تصورًا دينيًا أرثوذوكسيًّا حول فكرة التثليث المسيحي، والتي اعتبرها خطأ تنقض فكرة التوحيد. لو جاءت تلك العبارة في سياق السّجال اللاهوتي بين أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية لكانت متّسقة تمامًا، لكن أن تأتي بقلم روائي، أفترض فيه ابتعاده عن التقوقع في خانة الطائفة والدين في تناوله لنص أدبيّ، تكمن حقيقته في أدبيَّته، وليس في ما يتضمَّنه من رسائل دينية، فهذا ما جعلني أشير لما كتبه حول الرواية.

أخيرًا. وبما إنه استشهد بكتب التاريخ المسيحي، وبأن الروائيّ أظهر بولس الرسول بخلاف ما كتب في كتب اللاهوت المسيحي، فأودّ أن أؤكّد أن فكرة التثليث لا تتضمّن فكرة تعدّد الآلهة قط، بل هي فكرة توحيديّة خالصة، لكنها تتضمّن تصوّرًا مختلفًا لفكرة الإله عن فكرة التوحيد الإسلامي غير المتفق عليها أساسًا بين تلوينات الاتجاهات الإسلامية، فهذه القضية من القضايا التي اختلف فيها في علم الكلام بين المعتزلة والمتصوفة والأشاعرة والشيعة. وبالتَّأكيد لا بدّ من الكثير من الإيمان لتقبّل كثير من الأفكار الدينيَّة التي ليست حكرًا على المسيحية كي تتّهم بما تتّفق عليه جميع الأديان.

المصادر:

1 / موسوعة جائزة نوبل ــ محمود قاسم. مكتبة مدبولي. 2010

2 / مدخل إلى نظريات الرواية. بيير شارتيه. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. دار توبقال للنشر. 2001

3 / قراءة الخطاب الشعري المعاصر. د خليل موسى. عالم الفكر . العدد 3. المجلد 29  يناير ـ مارس 2001

4 / الأدب في خطر. تزفيطان طودوروف. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. دار توبقال للنشر 2002

5 / مدخل إلى نظريات الرواية. بيير شارتيه. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. دار توبقال للنشر. 2001

6 / ما بعد الحداثة. سيمون مالباس. ترجمة د باسل المسالمة. دار التكوين 2012

7 / خيانة الوصايا، ميلان كونديرا، ترجمة لؤي عبد الإله. نينوى للدراسات والنشر  2000

8 / مدخل إلى نظريات الرواية. بيير شارتيه. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. دار توبقال للنشر. 2001

مظاهر اللاجامي

روائي من السعودية