مقطع من رواية متسوّلو الخلود

مقطع من رواية متسوّلو الخلود

أنس إبراهيم

وهو يعبرُ الرّواق رأى من حوله وجوهاً كثيرة تدخل وتخرج من مكاتبها، تبتسم بعضها لبعض، يُحيِّي بعضها بعضاً، تُجامل وتدّعي وتتكلَّم أكثر مما ينبغي. وهو يعبر هذا الرواق تراى له وجه بعيد جداً في خياله، يحيطه الغموض وتحيطه الهيبة. إنّه قديس سمع عنه من قبل، رآه في مكان ما، أو أحسّ به في روحه.

يا ليوسف وخيباته المتلاحقة.. تحيطه جيوش العاديين الهائلة ولا يستطيع حتّى الانضمام إليها.

أنطونيو سالييري، قديس العاديين في كلّ الأزمنة، قاتل صوت الإله، شفيع يوسف وإخوته من العاديين الآخرين، الذين ظنّوا في أنفسهم العبقريّة ولم يستطيعوا إليها سبيلا، الضّاحك في وجه الإله، الضاحك في وجه موته، الخالد، الخالد جداً طالما ظلّ موتزارت خالداً.

من حوله كانوا يتزوّجون وينجبون، كانوا يُحبّون التناسل وخلودهم العاديّ في أبنائهم، كانوا يُحبُّون الخلود في تفانيهم في وظائهم. رآهم من حوله، يولدون بشراً عاديين، لا استثنائيين ولا شيء مميّز حولهم. كتل لحم صغيرة تأكل وتبكي وتتبوّل وتتغوّط وبعد أن يُطردوا من فردوسهم الأوّل، جسد الأم، يلتفتون إلى الذات الكامنة فيهم؛ يُحبُّونها، يعشقونها، ثمّ يبدأون البحث عن خلودها واستثنائيّتها. إذن، يكبر المرء ليصير متسوّل خلود، ويختار طريقته في الخلود؛ البعض ينجب، البعض يمتنع عن الإنجاب ويفعل شيئاً ما، والبعض الآخر يظلُّ في نزاع من الذات والخلود؛ خائفاً منه ويتمنّى زوال نفسه حتّى قبل موتها؛ كبلقيس، كارهة الخلود، التي تتمنّى الموت دون أثر وراءها ولو كان إلكترونياً.

أمّا أولئك الذين يحاولون فعل شيء ما غير عاديّ؛ عبقريّة ما، فإمّا أن يكونوا عباقرة حقاً، خالدين حقاً، أو يصيروا إلى متسوّلي خلود دائمين رأوا تجلّي العبقريّة في الآخرين واستعصائها عليهم. لقد عانى مسليمة الكذّاب مع النبيّ محمّد كما عانى الحمدانيّ مع المتنبّي، كما عانى قديس متسوّلي الخلود، الخالد طالما ظلّ موتزارت خالداً، أنطونيو سالييري.

وهو يمشي فكّر في هذا كلّه، وتنبّه إلى أنّه لم ينتبه للخلود من قبل، أيّ أنّ الخلود لم يكن بعد مسألة واضحة بالنّسبة إليه. كان يشعر به عندما يخطُّ بعض السُّطور الرائعة، ولمّا كان يفكّر في أنّه يؤلّف حياته بنفسه مقصياً منها كلّ ما قد يُعيق خلوده الشخصيّ، كأنّها قصيدة يجب أن تليق بما سيكتَب من قصائد لاحقة. لكنّه لم يعرف الخلود وجهاً لوجه كما عرفه آخرون وتحدّثوا عنه صراحةً.

<أرضُ قصيدتي خضراء/ يحملها الغنائيُّون من زمنٍ إلى زمنٍ كما هي في خصوبتها…>، درويش، في جداريته يُحيّي خلوده من بعيد، يَطمئنّ له ويُطمئن قصيدته بابتسامته المعهود، يكتب كلماته مطمئناً إلى خلوده، مطمئناً إلى أنّها ستُحمل من زمن إلى زمن كما هي في خصوبتها، أمّا يوسف فلم يعرف مثل هذا الخلود. فتنه الشعر وفتن خياله الشعراء، أولئك الساكنون في قصائدهم، وأدمن تحويل واقعه إلى كلمات، بكلّ عبثيّة الواقع وجهنميّته وفوضويتّه كان شغوفاً بتنظيمه في الكلمات، في إشباعه بالمعنى، في التدقيق بالتفاصيل، في تأنيق المأساة من حوله. هذا كلّه لم يكن خلوداً، بل ممارسة وجوديّة للثقافة، أمّا الخلود، فهو ذلك الاستسلام الكامل للصمت المذهل، للأبديّة البيضاء.

ولننتبه للعاديّين جيّداً. إنّهم ليسوا أولئك الذين يمشون في الشوارع باحثين عن لقمة عيشهم، راضين بوظائفهم الرتيبة. العاديّون هم أولئك الذين رأوا الخلود بأعينهم، أحسّوه بأضلاعهم، واستطاعت مشاعرهم ملامسة المعنى الكامن في هذه الكلمة الخالدة: الخلود. ولكنّهم كرجل كافكا الريفيّ أمام بوابة القانون الضخمة، يجلسون على عتبة الباب، رغم أنّه لهم، لا هم قادرون على الدخول تماماً ولا هم قادرون على التراجع. إنّهم عالقون في مكان ما، نوتات موسيقيّة مجهولة هنا وهناك، كتب مهملة على الرفوف السفليّة للمكتبات، أفلام مملّة منسيّة في أرشيفات إلكترونيّة، لوحات زيتيّة عفى عليها الزمن، رجال دولة وحرب منسيّون… هؤلاء هم، ابحثوا عنهم جيّداً، لطالما تعذّبوا، وبعضهم، أقول بعضهم، حاول التعلّق بأطراف أولئك العظماء، وحاول أن يكون جزءاً من سيرتهم، من حياتهم، كي ينال بعض خلودهم. وبعضهم كان ماهراً جداً في التعلّق، واستطاع حقاً أن يكون خالداً، كسالييري العظيم، قديس متسوّلي الخلود.

أدرك يوسف وهو يعبر الرّواق أنّه لا ينتمي لأولئك الأكاديميين الذين يرضون راغبين بترقية أكاديمية من وقت لآخر، ولا لأولئك العظماء الذين لم يحصّلوا حتى شهادة أكاديمية، بل هو يجلس في مكان ما في صفّ متسوّلي الخلود. يجلسون على أرصفة الأبديّة البيضاء، يمرّ من أمامه درويش برفقة طرفة بن العبد، يتحدّثان عن نهاية عصر الشعر العربيّ، ويضحكان، ويوسف جاحظٌ في هذه النهاية، إنه على أبوابها، لقد انتهى عصر الشعر العربيّ، وقد أدرك أخيراً هذه النهاية، ولم يحظ بوقت كاف كي يكون جزءاً منها. سيبقى الشعراء، لكن باب القبول في رحلة الخلود في الشعر العربي قد أغلِقَ منذ أنهى درويش كتابة آخر كلماته، ولم يدرك يوسف هذه الحقيقة إلّا متأخّراً جداً، فلم يعد بإمكانه أن يكون غير متسوّل دائمٍ للخلود.

الرواية صدرت عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل، بيروت 2019.