«الغرفة 102، سيرة أبي» للميس سعيدي محمد حسن مرين

لميس سعيدي الشاعرة والمترجمة الجزائريّة، مهندسة الكمبيوتر التي خاضت تجربتها الشعريّة في «نسيت حقيبتي ككل مرّة» 2007، و«إلى السينما» 2010، صدر لها نص سردي «الغرفة 102، سيرة أبي»، في طبعته الأولى عن دار العين، 2016، وهي عبارة عن رواية سيرة أبيها الدبلوماسي بأسلوب سردي، وذكرياتها معه، والشائع في التجربة السرديّة المغاربيّة عموما «أنّها مرتبطة شديد الارتباط بالسيرة الذاتيّة وأساليبها في الحكي والتعاطي مع الأحداث» [ سعيد بنكراد] كجزء من ارتباطها بالسّرد التاريخي قدّمت فيها
تجربة إنسانيّة، ورؤيتها للعلاقات والأحداث الحياتيّة ولو من منظور تجربة ذاتيّة، ليس فقط عربونا لوفائها ومحبّتها لأبيها، وإنّما من خلاله صورة للمنظور الاجتماعي والسياسي، وصورة أخرى للشخصيّة السياسيّة والدبلوماسيّة الذي بدأت تشوّش عليه الانتهازية السياسيّة، لتقول أنّه مختلف عن صورة بدأت تتوسّع للسياسي الفاسد والمغتني بوظيفته، وربّما فكّر أمثال هؤلاء السياسيين الحاليين، ماذا يقول عنهم أبناؤهم؟ هل يتباهون كما تباهت لميس بأبيها؟.

إنّ الكاتبة كأنّها تُؤدي دَينا لم تكن تُدرك مغزاه إلا بعد تجربة فقدان الشخص، الذي كان مجرّد أب وصار مرجعا مُلهما للقيم قبل تحوّله إلى شخصيّة روائيّة « ها قد عرف الناس من أنت يا أبي، ها قد حدّثتهم عنك وكنت أتحرّج من فعل ذلك وأنت على قيد الحياة، أتحرّج خوفا من إحساس لئيم بالغيرة يجعلهم لا يُصدّقون بأنّك حقيقي، والآن هل يغار أحدهم من شخص ميّت؟ وهل أنت فعلا حقيقي؟» [ النص ص99] وعلى واقعيّة النص، بوصفه رواية سيرة، فإنّ أسلوبه السردي والفنّي، واختيار أحداثه الإنسانيّة، من خلال حياة أبيها وذكرياتها معه وحواراتها، ينسج السرد منظوره، واختارت الكاتبة وصفة فنيّة نقلت السيرة من أسلوب المذكرات، إلى أسلوب أقرب لنص الرواية، فقد مسكت على أساس البنيّة السردية من خلال الموقف الإنساني لمرض موت أبيها في إحدى الغرف بمستشفى فرنسي، وهي الغرفة رقم 102، فمنذ البداية يرتبط المتلقي بموقف إنساني، يتجاوز أسلوب المذكرات وحكاية السير، « الغرفة 102 مستشفى سانت أنطوان بباريس، الغرفة نظيفة والمنظر خلاب، كما لوحة كلاسيكيّة، والشمس تغمر النافذة بدفء ناعم وحنون»[ النص ص7] وخلال هذا الموقف الإنساني والسردي تستجلب الذكريات والأحداث التي تشكل منظورها السردي والفكري والسياسي، بوصفه « مجموعة من المواقف والآراء والاهتمامات الشخصيّة التي تكوّن الموقف العقلي أو العاطفي لشخص ما في علاقته بالعالم» [والاس مارتن] ومن خلال لعبة السرد في تقديمه للمنظور يقوم متن النص السردي.
إنّ العلاقة بين الكاتبة/البنت والشخصية/ الأب، بين الشاعرة الحالمة وهي خارج السلطة أقرب لمنظور المواطن، وابن الشهيد الدبلوماسي الذي عُيّن مديرا لديوان رئاسة الجمهوريّة، فكان جزء من النظام والسلطة، هي علاقة الأجيال، جيل قريب من الثورة وجيل قريب من الاستقلال، وبين قيم الثورة وقيم الاستقلال تتداخل صور القيم، ويتداخل المثالي مع الواقعي، والأحلام مع الخيبات، ومنه تختلف النظرة بين الأجيال كما تختلف المتطلبات، « كان يُحبّ الجزائريين كعاشق يعرف عيوب حبيبته ويتحاشى ذكرها، وأحبّهم ككل الجزائريين، أي كزوجة تعرف عيوب زوجها وتواجهه بها في كل شجار حميم» [ النص ص 18] ويستمر التفاعل الحواري لينتج المنظور السردي.
والكاتبة كانت موفّقة في تقديم شخصيّة الأب السياسي عندما أرادت أن توحي بأنّه مختلف، لتهدم الصورة النمطيّة المهيمنة، حتى تستطيع تقديم صورتها المختلفة، بداية من كونه السياسي المثقف، وليس السياسي الذي لا يعرف عنوان كتاب، كصورة بعض النواب والسياسيين اليوم، فالأب كان أستاذا جامعيا للأدب الروسي، وصاحب مكتبة، «عمر مكتبته يتجاوز الخمسين سنة، بدأ بتأسيسها حين كان طالبا في الإتحاد السوفياتي» [ النص ص43] فالتعليم كان وصيّة أبيه الشهيد، فكان الجانب المعرفي يمثّل شرعيّة حياتيّة، منحت لفلسفة الموت والحياة صورة أخرى « ما قاله جدّي له: إذا استشهدت لا تلتفت وراءك وأكمل دراستك، ومقولة جدّي الأشهر أيضا: اليوم الذي تتوقف فيه عن الدراسة سأعتبرك ميّتا» [ النص ص 8] ، ولذلك استمرّ في رحلته العلميّة، ثم رحلته الدبلوماسيّة والسياسيّة.
إن الدلالة العلميّة للشخصيّة لم تكن كافيّة، لو لم تُشفّع بدلالة أخرى تمنح للشخصيّة ذلك التوهّج المثالي، الذي ربما لم يكن محل إعجاب أو انتباه، ولكن اليوم هي قيمة أساسيّة في رواية السيرة، وهي نظافة الذمّة الماليّة خصوصا في الوسط السياسي، في عصر القراءة الذي يشهد هيمنة صورة التداخل بين السياسي والمالي « توقّع أن يكون بيت محمد سعيدي عبارة عن فيلا فخمة بحديقة كبيرة، لكنه فوجئ بشقّة بسيطة لا تخلو من ذوق رفيع»[ النص ص 16] ، وهذه الصفات القيميّة تصدّرت الوصف السردي للشخصيّة على حساب الامتياز السياسي، لأنّه جزء من وعي الشخصيّة ذاتها، فهو احتفظ بلقب أستاذ الأدب الروسي بدل لقب المنصب السياسي، « لم يكن إخفاء مهنة والدي فقط بسبب الأوضاع الأمنيّة الخطيرة التي عرفتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، لكنه لم يرغب يوما أن نكون أبناء المسئول الذي تقلّد مناصب حسّاسة في الدولة والإعلام»[ النص ص23] وصاحب هذا التأصيل للشخصيّة إلى حالة الوفاة، والعودة إلى أرض البدايات، وهو اختيار رمزي كذلك.
ولذلك اختار أن يدفن في قريته الصغيرة مجاجة بين أهله « كان يشوب حزنهنّ فرح خفيّ آخر، فرح بعودته الشاب الذي ترك القرية في خمسينيات القرن الماضي، ودرس في روسيا وعاش معظم حياته في العاصمة وآخر سنوات في باريس، ليعود ليدفن في أرضه الأولى»[ النص ص12] وهي مسألة رمزيّة ولكن ذات دلالة، خصوصا أن تميّز السياسيين يكون حتى في الوفاة، و كان وراء وإلى جانب هذه الشخصيّة امرأته/الأمّ، التي « ساعدته على نقاء ذمّته وضميره، حين جنّبته الضغوط التي تمارسها عامّة النساء على أزواجهنّ»[ النص ص51] وهذه أحد القيم الاجتماعيّة والرمزيّة في دور زوجات السياسيين، في اختيارات حياتيّة وسياسيّة تنعكس على المنظور الحياتي والسلوكي للأشخاص.
إن ميراث القيم التي تناولها النص السردي هي قيمة حياتيّة، جعلت لمفهوم الموت والفقدان من جهة والحياة وخلود الذاكرة فلسفة أخرى، مرتبطة بخلود تلك القيم، وهذا ما يجعل الإنسان حيّا بعد موته، إن فلسفة الموت والحياة، يكون لها معنى آخر، « حاولت قتل والدي مرارا، وبموته أصبح حيّا أكثر من أي وقت مضى»[ النص ص 52] لأنّه منح ابنته مصداقيّته الشخصيّة، التي منحتها جرأة السرد والشعر، لتقول هذا أبي، دون خجل أو خوف، ولكن السيرة تُحيلنا إلى دلالات أعمق نحو سياقنا السياسي والثقافي، «فهي لا تستمد دلالتها من تعلقها بالعالم بقدر ما تستمدها من المرجع الأدبي، بحيث تكون الكلمات إشارات تحيل إلى السياق الثقافي لا على مباشرة الطبيعة» [ برنار فاليط] كم من شخصيّة سياسيّة وثقافيّة تستحق الحياة بعد الموت؟ وتستحق نصا سرديا؟ وكم من وريث لشخصيّة عامّة يملك الجرأة ليقول هذا أبي؟.

ــــــــــــــ
الرواية نت

Related posts

One Thought to “«الغرفة 102، سيرة أبي» للميس سعيدي محمد حسن مرين

  1. I can’t give you a lift to the bank, it’s out of my way today.

Comments are closed.