الطواف حيث الجمر للعُمانية بدرية الشحي.. شعلة التمرّد النسائيّ

هيثم حسين

بعد فوز الكاتبة العمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر الدولية لسنة 2019 عن روايتها “سيدات القمر”، تضاعف الاهتمام بترجمة الروايات العمانية والتي لها خصوصيتها مقارنة مع بقية الروايات العربية والخليجية، وفي هذا الصدد أعلنت الكاتبة العمانية بدرية الشحي منذ يومين عن صدور الترجمة الإنجليزية من روايتها “الطواف حيث الجمر” والتي تعتبر من أبرز الروايات العمانية.

تسلّط الروائيّة العُمانية بدرية الشحّي في روايتها “الطواف حيث الجمر” الأضواء على مرحلة تاريخية مهمّة في تاريخ بلدها، تلك التي كانت تتّسم بالوجود العُماني في زنجبار بأفريقيا، وكيف كانت حركات التمرّد تعتمل في عدّة بؤر هناك، وتنذر بوقوع كوارث تتسبّب بمآسٍ تاريخية.

بالموازاة مع ذلك ترصد عدداً من التحوّلات الاجتماعية والتجارية والاقتصادية التي كانت تتفاعل وتتفجّر بطرق لم تكن تخلو من قسوة ووحشية عبر شخصياتها التي تتزيّن بالنقائض والتناقضات، ولا تتفلسف كثيراً في محاولة فهم التغيّرات التي تجتاحها، بل تمضي مع الموجات وكأنّها جزء من حركية المشهد بتخبّطاته وغرائبه وجنونه.

المرأة المتمردة

بطلة الرواية زهرة هي الراوية التي ترتحل في داخلها وفي دواخل الشخصيات التي تصوّرها ببراعة، تكون مفتاح الكشف عن واقع المرأة في جبال عُمان وسهولها ومناطقها الشاطئية، ناهيك عن تصويرها الدقيق لواقع المرأة في أفريقيا، وكيف أنّ الاستعباد كان متعدّد الأشكال والوجوه والصيغ.

بطلة الرواية تطوف محمّلة بالجمر المستعر في روحها وبالحرائق المشتعلة في داخلها دون أن تهدأ أو تنطفئ

تحوّلت رحلة زهرة المتمرّدة إلى رحلة للبحث عن الذات، رحلة الهروب من القيود والأعراف التي أصبحت بمثابة سجون لها إلى رحابة الحرّية المفترضة، رحلة إلى الأعماق والدواخل على الرغم من أنّها كانت متقنّعة بذرائع متعدّدة كفيلة بإقناعها، أو تبرير فرارها إلى الأقاصي.

أسئلة كثيرة تثيرها الرواية، هل حقّاً مضت زهرة للبحث عن ابن عمّها وحبيبها سالم الذي ضاع ومات في أفريقيا؟ هل كانت تبحث عن ذاتها أثناء رحلتها تلك؟ علامَ عثرت زهرة أثناء هروبها من منطقتها الجبلية إلى أفريقيا؟ وهل نجحت في تحقيق حلمها بالوصول إلى حبيبها الراحل؟ هل حقّاً خاضت مغامرتها المجنونة من أجل رجل غائب أم أنّها كانت تبرهن لنفسها أنّها قادرة على كسر هيمنة الرجال على حياتها وعالمها والمضي في دربها بعيداً عن أيّة وصاية ذكورية قاهرة؟ هل كانت زهرة ضحية أم تراها استعذبت دور الجلّاد بعد تجارب مريرة؟ هل يمكن للضحيّة أن تتحوّل إلى جلّاد؟

زهرة رمز للتمرّد والثورة النسوية، رمز للأسى والقهر في الوقت نفسه، تحمل شعلة التمرّد في كيانها وتهرب من واقع مأساويّ إلى واقع أشدّ مأساوية، تشكّل حول نفسها جدار حماية، أو قوقعة تدفع عنها أذى الآخرين المتربّصين بها، تجاهد للمحافظة على ثباتها وصمودها وسط ضوضاء تحاصرها وتوشك على إغراقها وتضييعها.

تعدّ رواية “الطواف حيث الجمر” التي صدرت في أكثر من طبعة عربية، من أبرز الروايات في تاريخ الرواية العُمانية، لها مكانها ومكانتها الأثيرة المستحقة، وقد صدرت هذه الأيام مترجمة إلى اللغة الإنجليزية عن دار عرب في لندن، وبترجمة المترجمة سواد حسين التي أنجزت عدداً من الأعمال اللافتة ونقلتها إلى اللغة الإنجليزية.

طواف محمل بالجمر

تطوف زهرة بالأمكنة، ترتحل من بقعة لأخرى، تتسلّح بغضب الأنثى ودهائها، تكون مكسورة الجناح تارة، ومتسلّطة متحكّمة تارة أخرى، تتكيّف مع الظروف التي تجد نفسها مرمية في أتونها، ولا تستسلم تحت أيّ ظرف، تحتفظ بروحها المحاربة الثائرة الباحثة عن مكان يليق بها ويعترف بوجودها وشخصيتها وأنوثتها، لا أن تكون تابعاً لرجل لا يقدّر قيمتها، أو يحتفظ بها كشيء من أشيائه من دون أن يوليها الاعتبار اللائق بها.

الطواف يكون محمّلاً بالجمر المستعر في روحها، وبالحرائق المشتعلة في داخلها، جمر لا يستدلّ إلى تهدئة أو انطفاء، يبقى متجدّداً دافعاً إيّاها لخوض غمار المغامرات ويمنحها طاقة لا تهدأ لقهر المستحيل أو التغلّب على المشقّات التي تعترض طريقها.

ترجمة إنجليزية لأبرز الروايات في تاريخ الرواية العُمانية

الطواف الذي يفترض أن يقودها إلى مستقرّ ينقلها من محنة لأخرى، يبقيها مكتوية بنيران الغربة التي تحملها معها في كيانها ووجدانها، غربة تكون جمراً لا يهدأ أيضاً، تطوف من منفى إلى منفى، وما إن تشكّ بأنّها قد استدلّت إلى ملاذ آمن حتّى تداهمها أحداث غير متوقّعة تجبرها على الرحيل حاملة جمراً جديداً أشدّ إيذاء وقهراً من سابقه.

وهكذا دواليك، ترحال زهرة سمة مميّزة لشخصيّتها التي ظلّت لثلاثة عقود متجذّرة في مكان بعينه، في الجبل الذي يعدّ موطن الأسرة والأهل، حيث تصبح امرأة غريبة في أيّ مكان تصله، تحاول تطويع المستجدّات لصالحها، تسخّر الرجال المفتونين بها في خدمتها، تتحكّم بهم كأنّهم دمى، لسانها السليط خطّ دفاعها الأوّل أمام الراغبين بوصالها، الطامعين بأنوثتها المتلصّصين على مفاتنها، المتحرّقين شوقاً للتقرّب منها والتمعّن بجمالها الساحر.

سالم، ابن عمّ زهرة وخطيبها الذي ابتلعته أفريقيا بنسائها وعوالمها، يحضر طيفاً وخيالاً في الرواية من دون أيّ تجسيد، هو ظلّ الرجل الغائب الذي يرسم مصيره أنثاه المفترضة، يفرض خياراته عليها، ويبقيها أسيرة غيابه المضني وحضوره المستحيل.

هناك الأب التابع لأخيه يكون رهين قرارات وخيارات أخيه له ولأسرته، لا يستطيع معارضته أو مناقشته، يفقد شخصيته أمامه، ما ينعكس على أحواله وأحوال أسرته، حيث يكون مستلب الإرادة، لكن في الوقت نفسه سيّد البيت الذي يفرض على ابنته ما يفرض عليه، يتخلّى عن مسؤوليته كأب بطريقة غير مباشرة ليسلّم مسؤولياته لأخيه يفكّر ويقرّر عنه.

عبودي الفتى اليافع ابن عمّ زهرة الذي تقرّر الأسرة تزويجها له، يكون صغيرا لم يكمل عقده الثاني بعد، ولا تجد فيه زهرة ندّاً أو كفئاً لها، لا تجد فيه صورة الرجل الذي تتخيّل وترغب، وتوقن أنّه لن يسدّ مكان سالم، وسيجعلها أضحوكة في المنطقة وبين الناس، وهي المعتزّة بنفسها المغترّة بجمالها، وإن كانت أتمّت عقدها الثالث، إلّا أنّها كانت مدركة أنّه لن يكون رجلها، ويسرّع اختيار تزويجها له قرارها بالهروب، وتتقاطع المصادفات لتوصلها إلى النوخذة سلطان الذي يبحر إلى أفريقيا، ويتاجر بين عُمان وأفريقيا ويقوم بتهريب العبيد والسلاح.

سلطان كذلك يكون نموذج الرجل الجشع الذي لا يرتوي، وتراه يحاول التودّد لزهرة وثنيها عن قرارها بالبحث عن زوجها سالم، ولاسيّما أنّها تعلم بأنّ سالم قد مات، وأنّها لن تتمكّن من العثور عليه، وأنّ من الأسلم لها لو تقبل الاقتران به لأنّه سيحميها وسيحافظ عليها، وكان بهيئته العدوانية وشكله الضخم يثير فضولها، وإعجابها المضمر المشوب باحتقارها المعلن له.

الرواية تتناول التحوّلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي كانت تتفاعل وتتفجّر بطرق لم تكن تخلو من قسوة ووحشية

يقف سلطان حائراً أمام فتنتها، وينساق وراءها على الرغم من سلاطة لسانها، يرى فيها المرأة الحلم بالنسبة إليه، يحاول بشتّى السبل إقناعها بالزواج منه، ويتّبع أساليب مختلفة، منها اللجوء إلى تدبير قتل زوجها الذي تقترن به في محطة من محطّات يأسها ومغامرتها.

تحمل زهرة النقائض في روحها، تنتقد العبودية تارة وتستلذّ باستعباد الآخرين تارة أخرى، تثور على تقاليد بالية في بعض المواقف، ثمّ تعود لممارسة بعض السلوكيات التي كانت تستهجنها في مواقف أخرى، تحاول ترويض تناقضاتها، وإيجاد تبريرات لأفكارها وقناعاتها وسلوكياتها، كما أنّها تحتفظ بقدرتها على المناورة والتخلّص من المآزق عبر ابتكار مخارج مناسبة لها، سلاحها في ذلك جمالها وذكاؤها وقوة شخصيتها، وقدرة على التأقلم مع المستجدّات.

زهرة تختصر نساء في داخلها، تشتمل على عدّة شخصيات في كيانها، من الصعب اختصارها بأوصاف بعينها، ذلك أنّها بذاتها مسكونة بالحيرة والغرابة والسحر والجنون والتمرّد، تراها تثور على التنميط، ولا ترتضي البقاء في إطار يسجنها، تبحث عن حرّيتها التي لا تلوح في الأفق، الحرّيّة المأمولة التي تتحوّل بدورها إلى قيد إضافي، حيث يقودها الطواف من جمر إلى جمر، ويبقيها أسيرة النيران التي تعترك في وجدانها وتغرّبها عن عالمها وحياتها.

عن صحيفة العرب اللندنية

Related posts