فامبا شريف: القرن الواحد والعشرون هو أجمل زمن للعيش

فامبا شريف: القرن الواحد والعشرون هو أجمل زمن للعيش

حاورته سميرة عطايي/ ترجمة ميادة خليل

من الشاعر الفارسي الرومي في القرن الرابع عشر إلى الحداثاوي الروسي ميخائيل بولغاكوف، لم يغفل الكاتب والناقد السينمائي فامبا شريف عن أي كائن أدبي. وعلى الرغم من عودته إلى الماضي في أحدث أعماله “حب لم يسبق له مثيل”، إلا أن شريف يفضل الاحتفاء بالحاضر.  

  • ما هي أجمل الأوقات التي مررت بها أثناء كتابة روايتك الجديدة؟

حاولت كتابة رواية “حب لم يسبق له مثيل” عدة مرات من قبل وفي كل مرة أؤجل كتابتها. لأن موضوعاتها مفعمة بالعاطفة. لكن تفاعلي مع ابنتي خفف من صعوبات الكتابة. إذ توجب عليّ محاورتها ومعرفة كيفية مقارنتها حياتها بحياتي. فضلاً على الوقت الللازم الذي منحته لي جائحة كورونا للاستراحة والتأمل، مما جعل الكتابة أكثر سهولة.    

  • أي من كتبك لديك معه علاقة وثيقة؟

“أرض الآباء” حتى وقت قريب. أما الآن فأصبحت رواية “حب لم يسبق له مثيل”. لأني أوظّف في الرواية التي أشتغل عليها كل ما يخص وجودي: حياتي وأفكاري ورغباتي وآمالي. ومن هنا تحظى أيضاً كل شخصيات رواياتي بأسمائها ووجوهها ـ التي أعتمدت أغلبها في الأساس على أمي وجدتي ــ في رواية “حب لم يسبق له مثيل” أجتمع فعلياً كل ما ذكرته معاً.

  • من هو شاعرك المفضل؟

لو قلت إن الرومي هو شاعري المفضّل، هل سيعدُ هذا ابتذالاً؟ لقد نشأت في غرب أفريقيا، وفي ثقافتي يغني الناس المديح بالفطرة، حيث غالباً ما تُقتبس أشعار الرومي. كما أني معجب بالشاعرين الأمريكيين يوسف كومنياكا وديرك والكوت. والمجموعة الشعرية “عهود الصحراء” للشاعر النيجيري الولادة تادي إيباديولا جميلة أيضاً.

  • أي كتاب جنباً إلى جنب سريرك؟

أنا أستيقظ وأنام مع كتب ميخائيل بولغاكوف. فلقد أعدت قراءة روايته “المعلم ومارغريتا” العام الماضي. أما العام الحالي فتوغلت في جميع أعماله ببطء شديد. بولغاكوف كاتب مميز للغاية؛ إذ أجد أن الكيفية التي كتب بها عمل بديع كمثل “المعلم ومارغريتا” وتمكنه من الحفر عميقاً في نفسه أبان حكم ستالين، عبقرية بالغة. حتى روايته “حياة السيد موليير” مبتكرة للغاية. كما لو أن جميع أعماله مجرد تمرين لبلوغ كتابة “المعلم ومارغريتا”.

  • أي كتاب لكاتب آخر وددت لو كتبته أنت؟

سيكون “المعلم ومارغريتا” أو “اسمي أحمر” لأورهان باموك. وصف باموك على مدى خمسمئة صفحة ثقافة الإمبراطورية العثمانية بكاملها  تأثراً برواية “اسم الوردة” لأمبرتو إيكو. الأدبُ، في الواقع، حوار متواصل بين الماضي والحاضر. فلقد كتب تولستوي “آنا كارنينا” تاثراً برواية “مدام بوفاري”. وحتى رواياتي تأثرت بأعمال أدبية أخرى. فعلى سبيل المثال؛ رواية “واجب الكتمان” هي استجابة لرواية “اسمي أحمر”. وفيما يخص بولغاكوف، يتوجب عليّ إيجاد جواب مناسب.    

  • إذا كان بإمكانك إحداث تغيير في كتاباتك على مدى السنوات، فأي تغيير سيكون؟   

سأُحدث تغييرات عديدة، إلا أني لن أكون أول من قام بذلك. فلقد أعاد تشيخوف كتابة قصصه حتى بعد أن أصبح مشهوراً. ولو تمكنتِ من إعادة ماركيز للحياة فإنه لن يتردد في إحداث تغيير في رواية “مئة عام من العزلة” رغم أن الرواية تعد مثالية ــ كما هي ــ للعديد من القرّاء. برأيي إن عملكَ كاتباً أو فناناً لن ينته مطلقاً. لذا أنا في حوار دائم مع أعمالي السابقة. فعلى سبيل المثال؛ أعدت كتابة أجزاء مهمة من رواية “أرض الآباء” في نسختها الإنگليزية.

  • مَن من الكتّاب المعاصرين سنظل نقرأ أعماله بعد مئة عام من الآن؟

رواية “حرب نهاية العالم” لماريو فارغاس يوسا، و”تحرير العقل من الاستعمار” لنغوغي وا ثيونغو؛ إنه كتاب مهم للغاية، يدعو فيه الكاتب إلى إستقلال اللغات، وستظل أهمية هذا الموضوع عموماً ذات صلة حتى بعد مئة عام. كما ستظل تُقرأ أعمال أورهان باموك.

  • ما هو برأيك أفضل مشهد موت قرأته في رواية؟

أجمل مشهد موت تجسد في رواية “الفهد” للكاتب الإيطالي جوزيبي توماسي دي لامبيدوزا، ذاك أن توصيفاته رقيقة ومتينة وزاخرة بالتعاطف. الكتاب سيرة ذاتية، ويبدو أن توماسي قد تخيّل موته أو ربما فكر في دخيلته قائلاً: “أتمنى أن تنتهي حياتي هكذا يوماً ما”. تمكّنه من اختلاق مشهد كهذا، أمر في غاية الروعة. لم أقرأ سيرته الذاتية بعد، إنما أتمنى أن تكون ميتة الكاتب على المنوال ذاته.

  • وفي فيلم؟

“المحطة الأخيرة”؛ فيلم عن حياة ليو تولستوي.

  • وما هو أفضل مشهد ساخن؟

بل أنه مشهد أكثر حميمية؛ يروي يوكيو ميشيما في رواية “هدير الأمواج” قصة الشاب شنجي الذي يعيش في قرية صيد يابانية ويقع في حب الغوَّاصة هاتسو. وحين تواعدا، وتأخرت هاتسو عن المجيء، أشعل شنجي ناراً ثم غط في النوم. وصلت هاتسو في نهاية المطاف. وأثناء انتظارها بجوار النار، يستيقظ شنجي ويظن بأنه يحلم. وصف ميشيما هذا اللقاء وصفاً جميلاً.   

  • برأيك من هو الكاتب الذي بولغ في تقديره؟

موراكامي بلا شك. ثمة زيف فيما يتعلق به. أعماله لا تروق لي. المسألة مسألة ذوق، أليس كذلك؟ لقد حاولت فعلياً التعمق في أعماله، لكني لم أُفلح. حاولت قراءة أعمال بعض الكتّاب مجدداً بعد مضي فترة من الزمن، وراقت لي، إنما ذلك لم يحصل مع موراكامي. ربما أعود إلى أعماله حين أبلغ الستين أو السبعين عاماً مرة أخرى، وعندئذ قد تروق لي.    

  • والكاتب الذي أستخف به؟

الكاتب الغيني كامارا لاي ورواية “نظرة الملك”. تقلب هذه الرواية تاريخ الاستعمارية بكامله رأساً على عقب. تدور الاستعمارية في الأساس حول رجل أبيض يصل إلى آسيا أو أفريقيا ويفعل ما يحلو له من دون التفكير في العواقب. أما رواية “نظرة الملك” فتدور حول رجل أبيض يصل إلى أفريقيا وعبثاً يحاول تحقيق أهدافه. غايته مقابلة الملك ويرى من غير حق أن لون بشرته سبب شرعي لضمان زيارته. يتطلب الأمر منه بذل جهد بالغ، ورغم ذلك لا يحقق غايته.

  • إذا أمكنك أن تكون كاتباً في أي زمان أو مكان تختار، في أي زمان ومكان سيكون؟

سأختار هنا والآن دائماً. برأيي أن القرن الواحد والعشرين هو أجمل زمن للعيش فيه؛ يوجد وعي، والكثير من الإمكانيات، والكثير من الحقوق. رغم أن الماضي ما يزال مُعيناً لي.

  • ما هي “متعك المحرمة” فيما يخص القراءة، وخارج نطاقها؟

أنا منفتح على كل شيء يتعلق بالقراءة. ذاك أن لدينا كل تلك الإمكانيات والعوالم لاستكشافها. يا للروعة! أحب، على سبيل المثال، قراءة أدب الإثارة والجريمة والخيال العلمي. سلسلة “ألغاز إيزي رولنز” لوالتر موسلي هي متعتي المحرمة حقاً. كما أحب الطبخ وأفلام بوليوود.

  • هل لديك مواهب خفيّة؟ وإذا لم تكن كاتباً فماذا ستكون؟

طبيباً. ما تزال العائلة مندهشة كوني لم أدرس الطب. سأكون طباخاً! قمت البارحة بطهي دجاجة شهية.

– طاولة مُعدّة تطل على نهر السين، مفروشة بمفرش أبيض، وعليها كأسين من النبيذ. والنادل يرتدي بذلته الرسمية ويقف جاهزاً إلى جوارها. مَن مِن أدباء العالم ستدعوه إلى العشاء معك؟ وعمّا ستتحدثان؟

الكاتب الماليّ يامبو أولوغيم. أود الحديث معه عن كيفية تمكنه من أن يكون شجاعاً وواثقاً على هذا النحو في مثل هذا السن. فلقد صدرت روايته الأولى “حق العنف” وهو في سن الخامسة والعشرين. وحاول من خلالها فعل المستحيل: اختزال ألفي عام من تاريخ أفريقيا في مئتي صفحة. ولقد نجح في تحقيق ذلك! الرواية مهمة للغاية. لكن مع الأسف، حدث جدل حول الكتاب وأُدعي إن الكتاب سرقة أدبية. ولم يَكتب بعد ذلك أي شيء قط. سيحقق شهرة عالمية يوماً ما، أما الآن فقد طواه النسيان. تخيّلي لو أتيحت له فرصة مواصلة تطوير موهبته، كان سييبقى يدهش العالم.

  • تشيخوف أم أليس مونرو؟

تشيخوف. لأن معه ينتابك شعور أن الحياة كمثل طائر بين يديكِ؛ ضعيف إلى حد يتوجب عليك حمايته.

  • توني موريسون أم جيمس بالدوين؟

موريسون. كروائي أتطابق معها أكثر.

  • جين أوستن أم فيرجينيا وولف؟

جين أوستن. مذهلةٌ هي الكيفية التي عرّت فيها العالم الفيكتوري المليء بالنفاق.

  • زادي سميث أم جوان ديديون؟

زادي سميث.

  • همنغوَي أم فيتزجيرالد؟

همنغوَي، وبالأخص “العجوز والبحر” و”وليمة متنقلة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: De Groene Amsterdammer