خابية الحنين الفلسطينية.. أوجاع شعب في الشتات

خابية الحنين الفلسطينية.. أوجاع شعب في الشتات

منال عبد الأحد

جمال أبو غيدا يروي مآسي الماضي القريب

كأنّ “خابية الحنين” لا تزال قابعة تحت تلك الدالية في بيت أم عواد تقطر ماءً زلالًا، فالأمس قريب جدًا من اليوم، إن لم نقل أنّه نسخة طبق الأصل لتناقضاته وتنوعه الإيديولوجي، صراعاته الفكرية وتبعيته كل إلى جهة أو عقيدة أو نظام. والخابية لا تزال ترشح حنينًا إلى وطن محتل يعبث به الصهاينة شرذمة واستملاكًا وظلمًا وقهرًا. إن هذه البقعة من شرق المتوسط محكومة بالقلق والخوف ومنكوبة بتركة ثقيلة من الأعباء والصراعات التي تتمخض عن حروب ومعارك تتقد نيرانها في أكثر من مكان لتكوي أجيالنا بأوجاع مؤلمة وخيبات أمل، وهذا ما دأب الكاتب الأردني جمال أبو غيدا على تبيانه على امتداد صفحات روايته “خابية الحنين” الصادرة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” و”مكتبة كل شيء”. أحداث أيلول (سبتمبر) من العام 1970 في عمان وأحداث جامعة اليرموك في إربد عام 1986 محطتان موجعتان تشكلان مسرحًا لمجريات الرواية، فالبنادق التي يفترض أن تكون موجهة نحو العدو غالبًا ما تستدير نحو الإخوة.

الرواية، التي يغلب عليها الطابع السردي تروي عذابات – وخيبات – شعوب ولدت وعاشت في هذه  البقعة من شرق المتوسط، بحيث جاءت الشخصيات متعددة ومتشعبة، لكل منها دوره، ولو الصغير أحيانًا، في إلقاء الضوء على ما كان يحدث في تلك الآونة. سلمان وزوجته سلافة وابنهما نايف هم جيران الخابية القابعة تحت دالية أم عواد الممتدة فوق فناء الدار. وفي إربد، جامعة اليرموك التي كانت تحتضن عددًا كبيرًا من فلسطينيي 1948 بعدما تركوا قراهم وبيوتهم بوعد قطعه المستعمر البريطاني بأن الخروج سيكون مؤقتًا والعودة مضمونة بعد تسوية الأوضاع. ياسمين الصبية المسيحية الآتية من القدس ونايف طالبان في تلك الجامعة، وقد افتتن بجمالها منذ رآها، إذ ذكرته بالملكات الكنعانيات اللاتي حكمن الجزء الجنوبي من سوريا الطبيعية. وهنا يستخدم الكاتب وصفه لجمال ياسمين كأداة أستيتيكيةيمرّر عبرها أيديولوجيا سياسية واضحة المعالم. أما فرج العسكري أو الحاج المشهور بـ”أبي عوني”، فهو صاحب مخرطة خرج من فلسطين منذ أكثر من 20 عامًا، شارك بمعركة القسطل أيام الحرب مع اليهود، ويمثل بالنسبة إلى “خابية الحنين” امتدادًا يختصر بين ثناياه طبقة عاملة كادحة كانت مرادفة للتجمع الطلابي في الجامعة، وإن باختلاف بسيط. وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب، وفي وصف شخصياته المتعددة، يستخدم أسلوبًا مبسطًا يكثر فيه من استعمال العامية مع ما قد تحويه أحيانًا من عبارات مبتذلة.

كان نايف يدرك تمامَ الإدراك أن ياسمين تعرف بانتمائه إلى التيار الماركسي ويعي أن شيوعيته لا تخفى عليها، لكنّه لم يعلمها بذلك من منطلق حرصه على سرية انتسابه إلى التنظيم ومخاوفه من أن تؤدي معرفة ياسمين العلنية إلى مواجهتها مشاكل مع سلطات الاحتلال على الجسور خلال زياراتها المتكررة لأهلها في القدس، نظرًا إلى ما يربطهما من علاقة عاطفية.  كأن الكاتب من خلال الحديث عن أهمية معرفة ياسمين بانتماء نايف من عدمها، يلمّح بشكل مبطّن إلى السرية التي كانت انعدامها يشوب العمل الحزبي في تلك المرحلة ويؤدي بالتالي إلى فشله وشرذمته، بحيث أسرّت رانيا، رفيقة في التنظيم، لياسمين بانتماء نايف إليه، وأطلعتها على أسماء أشخاص آخرين.

ومن الشخصيات البارزة شخصية، أيضًا، الشيخ صويلح (أبو عبيدة) الذي كان جاسوسًا يتسقّط  أخبار الجنود المعادين للوجود البريطاني مقابل مكافآت مادية أو عينية لذلك، وبعد أن استلم الجيش الأردني القيادة طرد أبو عبيدة من الجيش وتحوّل إلى داعية ديني منافق أطلق لحيته وتفنن في صبغ جبينه لكي تبدو عليه آثار “زبيدة السجود”. تمكّن، بعد أن مرض إمام الجامع، من أن يأخذ دوره تدريجيًا، فكان يجمع التبرعات تحت اسم عائلات مستورة ويضعها في جيبه، وهنا يتطرق الكاتب إلى التجارة في الدين واستخدامه كمطية لتحقيق المكاسب الشخصية مادية كانت أو سياسية.

إن تعدد شخصيات الرواية، وعدم تقاطع مصائرها يجعلانك تشعر بالشرذمة بعض الأحيان فتعجز  عن تتبع أثرها وتضلّ عن الدور الذي يؤديه كلّ منها، وما قد ستلقي عليه هذه الشخصيات الضوء من معطيات في المرحلتين الزمنيتين اللتين تدور بينهما الأحداث، فإن كانت الرواية عملًا يوثق أحداث أيلول الأسود وأحداث جامعة اليرموك في إربد، فإن الإكثار من الشخصيات والتفاصيل يجعل القارئ تائهًا بين مسرحين اثنين من المتوقع أنها تدور حولهما.

هذا وتطالعك أيضًا شخصية مثل فواز توفيق الكيالي وهو مرهف الإحساس، صادق في وطنيته كان  ينتمي إلى صفوف الفدائيين وراح يلاحقه الجيش الأردني إبان الاشتباكات إلى أن اعتُقِل ونُقِل إلى الزنزانة حيث التقى بسجينين يمثلان التعددية الحزبية والانتماءات الكثيرة للشباب في تلك المرحلة. فبمجرد أن قال لهما “يعطيكوا العافية” بدلًا من “السلام عليكم” صرخا معًا: “عرفنا التهمة اللي جاي السجن بسببها إنت إيش بالزبط؟ شيوعي؟ شعبية؟ ديمقراطية؟ كادر؟ تكتل؟ فتح؟ والا فتح الانتفاضة؟”.

جاءت المعارك الشرسة التي ذهب ضحيتها الكثير من أبناء الشعب الواحد وفشلت كلّ التنظيميات الموجودة على الساحة في ذلك الوقت من أن تكون درعًا متينًا لفلسطين، فباتت جرحًا ينزف في خاصرتها، انفرط العقد، طارت حبّاته في أكثر من اتّجاه، وكان الفراق وحده من يتحكم بالمصائر. فالأحكام العرفية التي طُبِّقت في الأردن في تلك الفترة وملاحقة السلطات لكل قيادي في الحراك الطلابي الذي أفرزته الثورة ومقتل ثلاثة طلبة في الجامعة عند اقتحام قوات الأمن لها، كلّها عوامل أدّت إلى اعتقال كُثُر من الطلاب وبينهم نايف، وبات شهر أيلول بالنسبة إليه وإلى عمّان التي يحب شهرًا موجعًا. فعمه فواز اختفى أيضًا في الشهر نفسه. وما وقع في صبرا وشاتيلا من مجازر في بيروت عام 1982 أتى على ذكرها الكاتب كأنّي به من خلال أحداث الرواية يرسم بانوراما سياسية تظهر معاناة الشعب الفلسطيني في الشتات في تلك المرحلة.

وفي الختام، ها هي طائرة “البوينغ 777” التي أقلّت نايف من لندن إلى نيويورك لمتابعة حياته  العملية هناك، قد حملت غالبية شباب الثورة الفلسطينية وزرعتهم في كل بقاع الأرض بحثًا عن رزقهم وهربًا من القمع والتعسّف.

مما لا شكّ فيه أن هذه الرواية هي عمل تاريخي يلقي الضوء على حقبة لم تنَل حقها من التاريخ المعاصر، وقد سعى الكاتب من خلال شخصياته المختلفة والتنوّع في الأحداث إلى رسم صورة بيانية لما كانت عليه الأمور في تلك المرحلة، في قالب سردي سقط أحيانًا في فخ الإسراف، كما أسلفنا، من حيث التفاصيل وتعدد الشخصيات. فلرواية “خابية الحنين” عقدة يمكن القول إنها محكمة، إلى حدٍّ ما، تتفلت أحيانًا إلا أنها تعود فتلتئم مجدّدًا.

  *نشرتها جريدة “الحياة” اللندنية بتاريخ 23 حزيران/ يونيو 2017