الفرنسية أناندا ديفي تكتب التاريخ عبر قصة أم وأب وابن مريض

الفرنسية أناندا ديفي تكتب التاريخ عبر قصة أم وأب وابن مريض

هيثم حسين

ليس مطالبا من الروائيين المعاصرين أن يكتبوا عن أحداث كبرى وعن الملاحم البشرية في أعمال ضخمة موسومة بالقوة والحبكة والتاريخ المؤثر وغيرها مما قد يعتبره القراء أثرا. الرواية المعاصرة تخلت عن ذلك الزخم لصالح حكايا هامشية وبسيطة، قد لا يكون الحدث الذي يحرك الرواية ذا أهمية، لكن المهم هو الأفكار والتفاصيل التي يكشف عنها. وهو ما نراه جليا في رواية “غطاء دروبادي” التي تبدأ من حدث مرض طفل وتصل إلى أقاصي الأسئلة الوجودية والملاحم البشرية المنسية.

تقدم الفرنسية أناندا ديفي في روايتها “غطاء دروبادي” صوراً للهوية التي تنشأ وتتبلور بناء على تداخل مؤثرات تاريخية وأخرى معاصرة، ولاسيما أن المكان الجديد يفرض حضوره وتأثيره، من دون أن يلغي الإرث التاريخي المتراكم، حيث تكون الهوية صيغة للتصالح مع المكان وأهله، ومع التاريخ ومحنه، والمستقبل وتحدياته.

تصف الروائية محنة مجموعة من الهنود الذين يجدون أنفسهم في مواجهة وقائع قاسية، ويكون المرض صادماً وكاشفاً لعلل وتحديات أخرى، حيث تكون الدورة الطبيعية للحياة والموت جزءا من تركيبة مأساوية تبدأ بفجيعة وتمر بمراحل صراع ومقاومة وصولاً إلى الانصياع للجبروت الذي يفرض النهايات بشكل قدري حتمي لا يقبل النقاش.

معتقدات ومؤثرات

من خلال مرض طفل تصف الروائية محنة مجموعة من الهنود الذين يجدون أنفسهم في مواجهة وقائع قاسية

تروي ديفي حكاية عائلة موريسية تعيش في جزيرة موريس، يفجع الأب ديف وزوجته أنجالي بإصابة طفلهما وين بمرض التهاب السحايا، ويكون درب الاستشفاء رحلة البحث عن الدواء في معمعة الحاضر، وتكون العودة المرافقة إلى الماضي لاستلهام التجارب والحكايات التي تعبر عن آثار موغلة في النفوس، وتأثيرات للأمكنة والأفكار التي تسكنها وتنقلها عبر تاريخها.

تتحدث ديفي في روايتها الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة والفنون في الكويت بترجمة الشاعر اللبناني شربل داغر عن جماعة موسومة بإخوة السفينة، وهي عبارة عن مجموعة من الهنود الذين جلبتهم السلطات الإنجليزية حينها من الهند ليستوطنوا جزيرة موريس، وحملوا معهم إليها معتقداتهم وقيمهم وعلاقاتهم وأعرافهم وعاداتهم، حيث صاغوا صورتهم للبلد الذي انتزعوا منه في المكان الذي استوطنوا فيه.

وتتطرق إلى المعتقدات التي يؤمن بها أهلها من الهنود، وبخاصة التناسخ الذي يحضر كعقيدة لديهم، وكيف أن هناك تناسخاً وحلولاً للأرواح في كائنات أخرى، وتكون تلك المعتقدات محركة لدورة مجتمع بأسره، تنظمها طقوس متوارثة، ويكون لها متابعون مدافعون عنها حيث يكون التقديس سبيلاً للحماية وتعزيز الحضور والنفوذ والوجود معاً.

تصور الكاتبة حالة الطفل وين، وجهه جامد مائل إلى الزرقة المعتمة، تتداعى فوق صفحته أشعة النهار المتهالكة، وجه تبدو عليه المعاناة، وجسده مرتعش، وتكون الرغبة المتمثلة في إنقاذه من حالته تلك من محركات الرواية، حيث التفكير المتسارع بالبحث عن سبل للعلاج والخلاص، واللجوء حتى إلى عالم الخرافات.

يكون نقاش الوالدين ديف وأنجالي لإنقاذ طفلهما كاشفا للكثير من الخفايا، فيما هما يسعيان بكل طاقتهما لذلك، يقول الأب لنفسه يجب ألا أستسلم إلى مشاعر التملك، ولا إلى الشطط المعروف لدى الأمهات، وأن للوالد كفاحه وأوجاعه، له انبثاقات وعي تشده إلى الطفل، مثله في ذلك مثل مشاعر السعادة.

تقول أنجالي إن سر الحياة كله يكمن في الخيط الممتد بينها وبين ابنها، أما الآخرون فليسوا سوى مندسين بينهما يسعون إلى قطع تلك الصلة التي من دونها تضيع ويضيع معها ابنها، وتصف أن زوجها كذلك يبدو بهيئة أجنبي في ذلك الفضاء، ومع قلقها البالغ الذي تهددهما فيه مشاعر الشك، وأن ابنها يشعر بوجودها وهو في غيبوبته.

تلزم نفسها بضرورة التركيز، وأن عليها تجميع طاقتها الحية كلها، خوفها كله، اضطرابها الساكن في حواسها، وتسعى لتحويله إلى سيل من القوة فوق الجسر الواقع بينهما، وتضخ قوة في جسد الطفل المتهالك، عسى أن تبعث فيه النشاط والحياة من جديد.

تنتكب وهي تصف بأن المجهول كان مصير وين الغريب، وأن المجهول كان في رؤيته مصاباً بالدهشة إذ يتعرض لنزلات صدرية متتابعة ومفاجئة، وكيف تقاربت لفترة مع ديف بسبب همهما المشترك، وتبادل الأدوار في هدهدة السرير، وطمأنة الطفل وتهدئته، وكان الخوف يتزايد من حولهما على وضعه وحياته.

تستعيد الراوية الأم ظروف ولادة ابنها، وكيف أن هشاشة الطفل بقيت متمكنة منه، كما لو أنه متأرجح دوماً بين عالمين، بين حدودين، يبقى بين أيديهما الخائفة كائناً صغيراً أتى من سحر الأيام، ويمكن أن يرحل على عجل، وقد نهشه الليل. وتقول إن ما يتهددهم كلهم هو العيش بقناعة مفادها أن أتفه الأسباب سيسبب له مرضاً معدياً، وأن تجعل منه صحته الضعيفة كائناً على حدة، وأن يكون منحنياً فوق أسرار لا يفقه منها شيئاً وهو شديد التعلق بها.

طقوس وشكوك

تعود الروائية إلى الزمن الماضي، لتنقل سيرة الأجداد الذين قدموا من الهند في مطالع القرن العشرين، فوق إحدى السفن الأخيرة التي جلبت العمال الذي وصفوا حينها بالملتزمين إلى الجزيرة، وكانت ظروف السفر رهيبة، وقد كانت أدهى القناعة بأنهم لن يستطيعوا أبداً العودة إلى الوراء، ولا استعادة المسار بالعكس.. وكيف أنهم اجتازوا المياه السوداء في المحيط، وكانوا يدركون أنهم باتوا في حكم الموتى من قبل الذين ظلوا في الهند من طائفتهم، وأنه جرى إحياء طقوس الموتى بأسمائهم. وأن ما بقي لهم لإنقاذهم هو الصلاة وحدها.

تستذكر كيف قضى في الرحلة الشاقة أكثر من عشرة من العمال المجلوبين من الهند، وأصابتهم كلهم مشكلات صحية ونفسية بعد تعرضهم للإسهال وسوء التغذية، لكنهم بدوا من القوة، في نهاية الرحلة، بحيث اشترطوا العمل في الملكية الزراعية الواحدة، ورفض مالكو المؤسسات الخاصة طلبهم، لكنهم خافوا من إقدام من وصفوا بإخوة السفينة على العصيان فيما لو ظلوا معاً، وكان جد الراوية قائدهم وسندهم، يثير حميتهم ويحصل لهم مطالبهم.

تشير إلى استمرارية حياة الآخرين بإيقاعها الرتيب فيما حياة البطلة تبدو عالقة في شراك المرض والفجيعة، تراها تقول بأن الحياة تستمر والناس من حولها يتكلمون عن المطر وعن الطقس الجميل، وأن هناك أناساً مساكين من دون سبب، من دون صخب، يرتكبون الخطيئة ضجراً، ولن يجد أحد صعوبة في التعرف إلى وجوههم في مرآة فيما لو وقفوا أمامها.. وتحاول أن تتكلم، أن تحرر نفسها السجينة، لكن فمها ينفتح ويعب الهواء من دون أي جدوى.

مأساة الأم في رؤية جسد ابنها يحرق وعليها تقبل الأمر باعتباره طقسا متوارثا لكنها تشكك في جدوى ذلك

وتلفت إلى أن الحياة تتبع مجرى واحداً من الميلاد إلى الموت، وهي مشدودة بفعل قدرية الكائنات وقدرية الحياة نفسها، فيما تقوى الزيجات كما الميتات على الإطاحة بالميزان اليومي بما فيه من جاذبية ومن انتظام. وتصور حادثة تحريق الموتى، وتجمع الناس بطريقة كرنفالية وكأن الموت هو مفتاح حياة أخرى قادمة.

توقن الراوية أن ابنها وين عاش بداخلها قبل أن يولد، وسيبقى دوماً في قلبها، سيبقى بالنسبة إليها المعجزة التي قد تحصل أو لا تحصل، إلا أنه ليس بمقدورها استثارة المعجزة، ولا إرغام القوى الخفية على التدخل، وتكون مأساة الأم في رؤية جسد ابنها يحرق، وعليها تقبل الأمر باعتباره طقساً متوارثاً، لكنها تثير أسئلة مشككة بجدوى الفعل ومغازيه المضمرة.

يشار إلى أن أناندا ديفي نشرت عملها الأدبي الأول وهي في التاسعة عشرة من عمرها، ثم نشرت عدة أعمال أخرى بعدها منها “وزن الكائنات” 1987، “شارع مخزن البارود” 1988، “غطاء دروبادي” 1993، “نهاية الأحجار والأعمار” 1993، “أنا، الممنوعة” 2000، “حياة جوزفن المجنون” 2003، “تانغو هندي” 2007، و”الرجال الذين يحادثونني” 2011، بالإضافة إلى عدّة أعمال أخرى.

عن صحيفة العرب اللندنية