إخوتنا الغرباء.. الأمل عند أمين معلوف في المستقبل

إخوتنا الغرباء.. الأمل عند أمين معلوف في المستقبل

محمد سعيد احجيوج

لعل أمين معلوف هنا يخاطب جمهورا شابا جديدا يريد منه أن يحمل مشعل إنقاذ البشرية، وهو لذلك اختار بناء روائيا وحكاية غير ما اعتاد، ولعل ذلك هو سبب التعليقات غير الراضية التي قرأت من قراء مخضرمين له وصحفيين متابعين لمسيرته. في إخوتنا الغرباء، أو بالأحرى إخوتنا غير المتوقعين، قد لا نجد البصمة الروائية المعتادة لأمين معلوف، لكن بصمته الفكرية حاضرة لا شك.

أعرف الخطر الذي يحدق بالعالم بسبب أسلحة الدمار الشامل الموجودة بين أيد غير مسؤولة، لكني لم أفكر يوما في جدية تلك المخاطر إلا وأنا أقرأ هذه الرواية التي تبدأ بيوم تستيقظ فيه البشرية عن انقطاع التيار الكهرباء والاتصالات. لا أحد يعرف ما حدث، وهل السبب هو انطلاق الحرب النووية التي كانت الأيام السابقة تنذر بوقوعها أم ثمة سبب آخر. هو سبب آخر سنتعرف عليه تاليا بعد ظهور الإخوة غير المتوقعين، جنس بشري اختار مسارا مستقلا عن بقية البشرية منذ بدأ أفول نجم الحضارة اليونانية.

جاء الإخوة في وقت بدا فيه أن حضارتنا، رغم تقدمها التكنولوجي الشكلي، أنها قد أفلست. ما عادت تفعل هذه الحضارة إلا أن تقود عربتنا رأسا نحو الجدار. نحو الفناء. مجيء الإخوة، مع علومهم وقدراتهم، أدى بحضارتنا إلى أن تتقادم بين عشية وضحاها. وصار الإخوة الغرباء بمثابة مخلصين، بمثابة آلهة رحيمة لإنقاذ البشرية.

“لقد اخترعنا أسلحة فتاكة انقلبت ضدنا في نهاية المطاف. وفي هذا المساء بالذات، كان بإمكان آلة جهنمية -نووية أو بكتريولوجية أو كيميائية- أن تنفجر في حاضرة كبرى… وتبث الرعب في كل أنحاء الكرة الأرضية. […] هل كان بمقدورنا تفادي حدوثها إلى الأبد؟ بالطبع لا. فالضغائن كانت تحتدم، والتكنولوجيا تهيئ لها -عن علم حينا وببراءة تامة أحيانا- الأدوات التي ستسمح بإطلاق العنان لها، والتسبب بإبادة تامة. فما هو احتمال أن ننجو من كارثة؟ الاحتمال معدوم. ولذلك فقد تشبث أبناء عصرنا على هذا النحو بمخلّصيهم غير المتوقعين.”

جاء الإخوة غير المتوقعون طوق نجاة لنزع أسلحة الدمار وجاؤوا أملا للبشرية بعلومهم المتقدمة وطبهم الذي يتجاوز طبنا بمراحل كبيرة. لكن بقدر ما كان وجودهم أملا للكثيرين، كان مجيئهم إيذانا بانهيار حضارتنا وبتحولنا إلى شعوب بدائية لا حول لها ولا قوة أمام مستعمر قوي. كان مجيئهم أيضا شوكة في حلق أصحاب البذل العسكرية الذين لا مبرر لوجودهم إلا بالحروب المتواصلة، فشنت مجموعة منهم هجوما على الوافدين أدى بهم إلى الانسحاب. انتفضت الشعوب مطالبة بعودة “الأوصياء” الجدد، فجاءت رسالتهم أنهم يريدون العودة، أنهم ينتظرون العودة، لكن شرطهم الوحيد أن تتحد جميع الأمم والشعوب وتتخلى عن حروبها الطاحنة. أن تتوحد ويصير عدوها الوحيد هو الموت.

كان شرطهم الوحيد المضمر لعودتهم هو أن تنضج البشرية. وهو شرط مستحيل التحقق.

تعرض الرواية في البداية حلا إلهيا لمأزق البشرية التي تنحدر نحو الفناء، غير أن ذلك الحل في حد ذاته يحمل الفناء. فناء الضعيف في القوي. كان لابد أن يرحل الأوصياء الأقوياء، وكان لابد للرواية أن تقول بأن الحل هو أن تنضج البشرية. أن تتكاثف جهودها وتصير كل الأمم أمة واحدة مترابطة.

صعب هذا وربما مستحيل. غير أن الأمل عند أمين معلوف في المستقبل، في الجيل الذي سيأتي. في الطفل القادم من تزاوج الساكنين الوحيدين في جزيرة صغيرة على الساحل الأطلسي: “لم يخطر في بالي يوما أنني قد أصبح أبا، في مثل سني، وبالنظر إلى أسلوب حياتي. وكان الأمر أقل ترجيحا بالنسبة إلى حبيبتي. ولكن ها قد بلغنا هذه المرحلة. لقد منحتنا “الأمة المتدخلة”، بهذا القدر أو ذاك، هدية على شكل طفل؛ ومنحتنا كذلك سنوات كثيرة نحتاج إليها لكي نراه يكبر ويترعرع.”

عن صفحة الكاتب على الفيسبوك