جورجي.. مقطع من رواية غريق جنة الإغريق

جورجي.. مقطع من رواية غريق جنة الإغريق

رواد العوام

لا أدري أي قدر أحمق هذا الذي أصبحت محكوماً بأعتى الأحكام التي يواجهها الفرد بالعصر الحديث وهو أن يتم سجنه في زنزانةٍ واحدة مع أشخاصٍ يتمنى ألا يلتقي بهم حتى على باب الجنة, لقد منعني الطبيب عن الحركة, والجهد والوقوف, وغدوت مضطراً للبقاء في هذا السرير الخشبي الأنيق طيلة اليوم ,ريثما تتم العملية الجراحية, فأوردتي وشراييني بوضعٍ سيء للغاية ,

ولن أستطيع أن أكون قريباً مع الفيرا, كما أنها لن تستطيع زيارتي فهي تكره “كلودين “أكثر مني .

كلودين أصلاً لا أحد يحبها, لقد أخطأ الرب في خلقها أنثى , فهي ينقصها شاربان وعضوٌ ذكري لتلتحقَ بالجيش , فهي دائمة الصراخ ومزاجها سيءٌ دائماً, وتتحدث في السياسة أكثر من محرري الجرائد , وتكره الأعمال المنزلية , وإعداد الطعام , وتحبُ متابعة أفلام الرعب والإثارة وسباق السيارات الرياضية , ومبارياتِ كرة القدم , كما أنها تحبُ كل ما يتعلق بالميكانيك والكهرباء والأجهزة الالكترونية ,فلديها خبرةٌ في إصلاحها ,

كما أنها مهووسةٌ في إصلاح السيارات , حتى صرتُ أشعر أنها تتمنى أن تتعطل السيارة حتى تفتح غطاء المحرك وتبدأ بالسباحة بالشحم والزيت , فقد صار لديها خبرةُ ميكانيكي في هذا المجال .

ومنذ فترةٌ طويلة بدأت تدخن بشراهة ,وتتشاجر مع جاراتها يومياً , وتذهبُ إلى بيت أهلها كثيراً , كما أنها بدأت تتعامل معي باستحقار , وتشعرني بالكثير من الذل لأنني عاجزٌ أن أوفر للأولاد ولها حياةً أفضل , وتنعتني دوماً بالنادل الكئيب .

وكيف لا أكون كئيباً وأنا أشعر أنني أعيش مع ضابطٍ بالجيش وليس مع زوجة , ولكني كنت أفضل أن لا أثيرَ المشاكل معها ,

كنت أشفق على الأولاد فقد كانوا يشعرونَ بالخوف والارتباك عندما كنا نتشاجرُ أحياناً , حتى أن بطرس ظل يعاني من “السلس البولي “لفترةٍ طويلة أثناء طفولته الأولى .

وكنت على يقين أن إحساسه بخشونة وانفعال أمه كان السبب وراء ذلك ,فبطرس مثلي بطبعه وهو الابن الأول لي ,لا يحب الأصواتَ العالية ,بل ويخافُ منها , كنت أود لو أسميته اسماً أخر ,لكنها أصرت على أن تسميه على اسم والدها …الذي كان يعمل تاجراً بمواد البناء ,لقد تضرعتُ كثيراً للرب ألا يشبه ابني جده إلا بالاسم ,فجده لم يكن رجلاً فاضلاً , ولا رجلاً ذا سمعة حسنة كان تاجراً لمواد البناء ومتعهداً للأبنية ولعب الحظ لعبتهُ فعوضته الدولة بعشرات ألاف الدولارات عن زريبةٍ كان يملكها في جبل لبنان وتم إخراجه منها بالقوة أثناء الحرب الأهلية .وعند انتهاء الحرب أعطي المهجرون المسيحيون من الجبل مبالغاً ماليةً كبيرة تعويضاً عن الممتلكاتِ التي فقدوها , فأخذ حينها حصته وحصة عمهِ الذي توفي مع كل أبناءه خلال الحرب , وهكذا أسس لأعمالٍ خاصةٍ له , وأصبح متل الكثير من الأثرياء الذين يعطيهم الرب أرزاقهم من دون تعب ,ومع ذلك لم يكن بطرس الجد يعترفُ أن الحظ حالفه في الحياة ليؤسس لأعمالهِ , بل كان يتبجحُ أنه تعب وعانى كثيراً حتى استطاع أن يجمع ماله, وأنه تشرد أثناء الحرب الأهلية وفقد كل أقاربه ,لكنني متأكدٌ أنه كان نذلاً حينها , فوحدهم الأنذال يبقون على قيد الحياة في الحرب الضروس .وهو اليوم على حافة قبره ولديه ثلاثة أولاد ,ولولا كلودين كان سيأكله الجوع والأوساخ والأمراض, فهي الوحيدة التي تعتني به ,أما إخوتها فهم أشد نذالةً من أبيهم ,خصوصاً ذلك المعتوه الذي يحب إطلاق النار في الأفراحِ والأتراح ,حيث يعيش شخصية أبطال الأفلام الحربية بكل تفاصيلها ، أما أخوها الأخر “جوزيف” فيمكن أن يقتلك من أجل عشرة دولارات أو من أجل ريال مدريد , ويظن أن سيارة “بي ام دبليو” التي يملكها قد صنعت في “ناسا” ويتبجح بالكلام عنها كأنها السيارةُ الوحيدة على سطح الكرة الأرضية ,وحيث نقل العدوى إلى أخيهِ الأصغر “جون” الذي يظن بدوره أن سيارته أيضاً تمت صناعتها في “ناسا” , وأن كلبته “دولييه “تم استقدامها من غابات إفريقيا, وكأن أباها نمرٌ مرقط وأمها أفعى كوبرا , يتباهى بكلبتهِ وكأنها تحمل دكتوراه في الفيزياء النووية من “السوربون” , أو بالكيمياء العضوية من “أكسفورد” , ويغضب عندما تقول له :

“أبعد الكلبة عني “.

يريد من الناس أن تناديها “دولييه” فربما يخاف على شعورها القومي أو شيئاً من هذا القبيل , وعلى الرغم من ذلك كنت أحترمها لأنها أم “ديمين “, دمين الذي قتلته كلودين أمام الجميع بطريقة وحشية , كمن أتمنى لو كان دمين شرساً أكثر وعرف بقصة اغتياله من قبل ,عن طريق مخابرات دولةٍ أخرى

وأحبط محاولة اغتياله.