سليم بركات يعود إلى الأسطورة الإغريقية: “ميدوسا لا تُسَرِّح شَعرَها” في كهوف الرسم والعمارة والفلسفة

سليم بركات يعود إلى الأسطورة الإغريقية: “ميدوسا لا تُسَرِّح شَعرَها” في كهوف الرسم والعمارة والفلسفة

ستوكهولم ـ”القدس العربي”: بعد فترة غياب استغرقت عدداً من الأعمال الشعرية والروائية، يعود الشاعر والروائي السوري سليم بركات إلى استلهام الأسطورة الإغريقية التي عمل عليها طويلاً في السابق، كما يتخلى (حتى إشعار آخر ربما) عن تقليد الروايات الطويلة. وقد خصّ “القدس العربي” بتفاصيل روايته الجديدة “ميدوسا لا تُسَرِّح شَعرَها”، التي تصدر قريباً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان، في 225 صفحة.
“كلُّ شيءٍ من مجريات توسيع الكهف غدا على التزامٍ بتصاميم ميدوسا لبناء مدينة. آثرَ المعماريون أقتفاءَ الخُطاطات المفرطة جنوحاً إلى ابتكار متاهةٍ فوضى. لم يُسائلوا ميدوسا في تفاصيل الهندسةِ المُغلقةِ بلا مخارجَ إلى وضوحٍ من تصوُّرِ البناء الذي يعرفونه، ولم تستوقفهم ميدوسا لتسألهم عن نقصانٍ في أُسس البناء وفق تصاميمها. مرّة واحدة سأل المعماريُّ إيثوكسي إيثانوس سيدةَ الكهف في عبوره إلى جوارها، حاملاً كُسارات من الحجر في ترسٍ، مع رفيقه في الحمْل أنتيسثينيس:
ـ ماذا عَنَّا إن أنجزنا بناءَ مدينة في كهفك، أيتها السيدة ميدوسا؟
ستقيمون فيها، ردت ميدوسا”.
الفقرة هذه قد تكون إشارة موجزة جداً إلى المحتوى الواسع في هذه الرواية القصيرة نسبياً. جماعة من البشر الرَّحالة المتنقلين بين “الأمكنة اللازمنية”، فيهم عمال، ورسامون، وراقصون، ومعماريون، وفلاسفة؛ يزورون كهف ميدوسا، لكنهم لا يخرجون منه. المعماريون هم آلهة باختصاصات ليست في الهندسة والبناء، بل بما هُم عليه في أساطيرهم (يُعرفون من أسمائهم في الرواية). الفلاسفة أرباب مذاهب معروفة: سفسطائية، رواقية، سينيكية، (يُعرفون بدورهم من أسمائهم في الرواية)، يدفعون المحاورات إلى الجنون. مع الرحالة مهرِّجان وأنثى واحدة وحيدة، تحمل في محفَّتها شيئاً تنقله جماعتهم من كل مكان ينزلون فيه إلى مكان آخر يقصدونه في رحلاتهم. هي المرأة الوحيدة التي سيتسنى لها أن تغادر الكهف الذي ينضم إليهم فيه الملك بيرسيوس بأربعين رجلاً من أتباعه، زائراً يستقصي بفضوله أمرَ المرأة نصف الإنسانة ونصف الأفعى، ثم يهمل ما يبحث عنه فعلاً، لأنه يستعذب بقاءه في الكهف، وهو يصف لميدوسا أنواع المدن، حتى يغدو وصفه وسواساً عندها: إنها تريد بناء مدينة داخل كهفها.
الأجواء الغريبة رحبة في هذه الرواية، إلى جوار تفاصيل الفلسفة والسحر والخوف والعزلة: هناك حمائم في الكهف لها أجسام من نار ملتهبة، حَمائمُ مصابيح تنير الكهف بطيرانها في كل موضع منه. وفي الكهف بومة من البلور تشرف على هندسة الإضاءة بتوزيعها الحمائم المصابيح توزيعاً لا خطأ فيه.
وهناك حكاية الأمشاط التي تفجِّر كل شيء في الرواية.
إحدى عشرة هُنَّ بنات ميدوسا، ولهن أسماء الآلهات في الأساطير، ولكلّ واحدة اختصاصها. وفي الكهف أجنحة كثيرة، منها جناح الحديقة التي لا نباتات فيها بل تماثيل مخلوقات مركَّبة الأجسام. وهناك جناح المزرعة لتربية الأفاعي على أنواع كثيرة منها ما يؤكل، وما تُستخدم جلودها للزينة من جمال نقوشها. وأيضاً جناح زينة ميدوسا، ومخدعها ومخدع بناتها، وجناح النزلاء الرحالة.
في التعريف بالرواية نجد قلْباً للأدوار، عكس الأسطورة الإغريقية: “لا يُحيل بصرُ ميدوسا البشرَ إلى حجارة في هذه الرواية، ولا تستحيلُ هي حجراً إن نظرتْ إلى مرآة. أسطورتُها هنا ليست الأسطورة الإغريقية. جموعٌ تدخل كهفها، لكنْ لا يخرج أحد. هم يُسخَّرون لبناء مدينة هي أُمُّ كل عمارة أنجزها الإنسان: مدينة داخلَ كهف”.
وعلى امتداد فصول الرواية يستمر بركات في تسمية الفلاسفة بـ”المناطقة”، لكن تبدو “مخاطباتهم” أقرب إلى السخرية من كل منطق. ويستمر في تسمية محاوراتهم بـ”المخاطبات” التزاماً بالتعبير القديم الذي يخصّ الفلسفة وعلوم الكلام والمنطق. وهنا قد يكون من الطريف إيراد نتف مجتزأة من سياق الحوارات على ألسنة “العالقين” في كهف ميدوسا:
ـ “العزلةُ مكانٌ آمن. كلُّ مكانٍ آخرَ خيانةٌ”.
ـ  “إن لم يجد المهرِّج ما لاسخرية فيه من وجودنا، فما مهمته إذاً؟”.
ـ  “الظلال المعذَّبة تصدُر عن أجسادٍ معذَّبة”.
ـ  “التاريخ هو الاستيلاءُ غزواً على كهفٍ أعظم من كهفكِ هذا، مع ترْك مَهْرَبٍ منه لمن كانوا يقطنونه”.
ـ “الإلهُ الكهفُ أنشأ الكهفَ من طبع الحيرة فيه”.
ـ “السماء هي الخوف مثلُها كالمدينة”.
ـ “ما النبيذُ؟ هو عدالةُ العنب في محاكمة الخيال”.
ـ “ما الجنون؟ هو احتفاءُ الإنسان بما بَلَغَه أخيراً في الرحلة إلى يقينه”.
ـ “من هم الآلهة؟ همُ الحفاةُ الذين يرتدي البشرُ أحذيتهم”.
ـ “الغزالُ حكايةٌ ترويها الغابة”.
ـ “ما الغابة؟ عندما تخبئ الشجرةُ نفسها كي لا يعثر عليها أحد، تصنع غابةً”.
ـ  “ما الشجرة؟ هي نبتة انبثقت من صَدْع المنطق بسقوط بزرة الخيال فيه”.
ـ “ما الحكمة؟ هي كلمة تلخِّص حروب الكراهية التي تتحول، فجأةً، إلى انجذابٍ ساحر بين الذين يكره بعضُهم بعضاً”.
ـ”أوَّل غرور البطل أن يُنكر أنه بطلٌ، متظاهراً بالتواضع. ثم يتشبَّث بحقِّه في البطولة حتى يسحق كلَّ من حوله لتأكيد ذلك، أو يُسْحق”.

كادر:
الفصل الأول

                            خشوع
ــــــــــ

تصبَّب السكونُ عَرَقاً من خشوعه.
كتمَ الحجرُ أنفاسَه في الكهف، مُذ كتمت الوصيفاتُ، المتقوِّسات في ركوعهن على الأرض، أنفاسَهنَّ خشوعاً.
تلوَّت الأفاعي على رأس ميدوسا، المنتصبة على حلقة من ذيلها  الطويلِ ـ ذيلِ الأفعى فوق الأرض الرمل.
كانت الأفاعي على حالٍ من سلْخِ جلودهن، في المواعيد المحسوبةِ حظوظاً من إعادة أجسادهن حُرَّةً تتنفس بعد أن تضيق عليهنَّ الجلودُ.
يحضُرُ الخشوعُ قوياًّ في الجناح الثالث من الكهف الكبير، الشاسعِ أبعاداً، حين تسلخ الأفاعي جلودهن على رأس ميدوسا. بناتُها، اللواتي هنَّ وصيفاتُها الإحدى عشرة، يشهدن انسلاخَ جلودِ الأفاعي ـ الشَّعرِ على رأس أمهن. لا أحدَ آخر. واحدةٌ منهن ـ حَسْبُ ـ تنفخ نفخاً خفيفاً، تحت السكونِ الخاشعِ المُعرِّش، في صَدَفة المورِكْس البحرية. عزفٌ خافتٌ من مقادير الصوت المُرَتَّبة في ميزان الهواء. عزْفٌ خاشعٌ بدوره.
تجلس ميدوسا على ذيلها مطوياً أربع حلقاتٍ تحت جسدها الأفعواني، في المحراب المنحوت غائراً في صدارة الجناح الثالث ذي الحجر الأسود، من كهفها العديد الأجنحة. كلَّ موعد من مواعيد سلخ الأفاعي جلودَهن على رأسها تجلس ميدوسا في الموضع ذاك، قبالةَ بناتها الراكعات على أرض البهو الرملية. لا تتحرك. لا تتحرك إلاَّ عيناها الصفراوان بالحدقين الحمراوين، المستطيلتين فيهما. لا يجرؤ الهواءُ على الحركة مذ يغدو الهواءُ المتسرب من كُوىً وشقوقٍ في الصخر، خاشعاً.
تساقطت الجلودُ المنسلخةُ، الرقائق، على مهل من فوق رأس ميدوسا. استقرَّ بعضها على كتفيها العريضتين، وتدحرج بعضها على أرض المحراب لصقَ جوانب من ذيلها الطويل، الثخين، المغطى بحراشف كجسدها كله مغطىً بحراشف رمادياتٍ إلاَّ وجهها ويداها.
ارتعش رأس ذيلها المتراكب حلقاتٍ. نشوء الأفعى الأصل ذات الأجراس أورثَها الذيلَ يرتعش إنِ انتشت، مُرسلاً جرْسَه الخافتَ، المُهابَ، المحذور. جرْسُ ذيلها المرتعش، في تلك الحال الخاشعة، كان عن انتشاءٍ قطَّر كيانَها لذةً خالصةً لن تصفها خليَّةٌ من جسدها لخلية أخرى.
شَعر ميدوسا الأفاعي الأربعون على رأسها كُنَّ مثلها في نشوةٍ من سلخهنَّ الجلودَ عن أجسادهن، يتمايلن كلُّ واحدة إلى جهة، متلامساتٍ، متباعدات، متلوِّياتٍ يتعانقنَ؛ ينكمشن؛ يتمددن، بحسب ما يعتريهن من لذة انسلاخ الجلود، وقد ضاقت على أجسادهن، فيرجعن قادراتٍ، من جديد، على الثقة بأنفسهن أن يكُنَّ شعرَ ميدوسا، كي تثق بهن ميدوسا كشعرٍ هو حصانةٌ لخيال الكهف لا يتجرأ عليه خيالٌ.
اكتمل انسلاخُ الأفاعي ـ الشَّعرِ على رأس ميدوسا. هدأت الأفاعي منتصباتٍ كلٌّ في اتجاهٍ كسهم في وترٍ مشدود، قبل أن يسترخين عائداتٍ إلى أحوالهنَّ من التلوِّي، والتعانق، والتلامسِ بالرؤوس، والرقص أيضاً.
أومأت ميدوسا ـ المتنكِّبة قوسها وجعبة سهامها ـ إلى ابنتها العازفة نفخاً في صَدَفة الموركس. نهضت ابنتُها الشبيهةُ كياناً بأمها ككل أخواتها، إلاَّ رؤوسهن العاريات لا أفاعيَ، أو حيَّاتٍ عليها. زحفت صوب أمها. وضعتِ الصَّدفةَ المسننةَ الأحفة ذاتَ الذيل أرضاً. مسَّت براحتيْ يديها، في حنوٍّ، رؤوس أفاعي شعرِ أمها، مذ هي موكلة، بعد كل سلخ، أن ترشد الأفاعي إلى ترتيب حركاتهن في الاتجاهات، إلى أعلى، أو إلى جانب من جانبي وجه أمها، أو إلى أسفل أيضاً يلمسن كتفيها زاحفاتٍ عليهما بأعناقهن، من غير اقتدارٍ على النزولِ إذْ هنَّ ملتصقاتٌ برؤوس أذيالهن إلى رأس ميدوسا.
أنهت ابنةُ ميدوسا، العازفة نفخاً في صَدَفة المورِكس، تنظيمَ اتجاهات الأفاعي فوق رأس أمها. زحفت على بطنها الأفعواني، مرفوعة الصدر، صوب باب الجناح الثالث ـ جناحِ سلخ الأفاعي جلودَهن. وقفت على عتبة البابِ الثغرة غير المُنتظمة شكلاً. أشارت بيدها اليسرى إلى الداخل الذي يليه، ثم تراجعت زحفاً على بطنها إلى حيث تجثو أخواتُها بعْدُ. أوعزت إليهن برأسها العاري أن ينهضن، فنهضنَ.
انقسمت بنات ميدوسا الوصيفاتُ صفَّين بعد نهوضهن. عُرْفٌ مضبوطٌ في مراسم الجناح الثالث من الكهف أن ينقسمن صفين منتظراتٍ من سيدخل إلى الجناح. أختهن العازفة تستدعي، كعادتها، بشراً سيدخلون من الباب إلى رحابة الأرض الرمل، ليمْثُلوا بين يدي أمها.
رهطٌ معلومٌ من البشر، المقيمين في جناحٍ آخر من كهف ميدوسا، دخلوا الجناحَ الثالث ـ جناحَ انسلاخ الجلود. هُم صنفٌ من الراقصين، متشابهون أشكالاً، أنصافُ عراة من أعلى، تطيع أجسادُهم نفخَ ابنة ميدوسا في صَدَفتها. يرقصون على العزفَ الخافت للهواء الذي يُنشئُ نبرَ النغم عقلاً من خصائص الصوت الأصل.
تمايلَ الراقصون تمايلاً بطيئاً، في ثيابهم المآزرِ الأقمشة شتَّى ألواناً، تكسوهم من السُّرر حتى بطَّات سيقانهم. تحركوا حفاةً بخُمُرٍ صُفر على الرؤوس معقودةً تحت الذقون. اقتربوا من ميدوسا. داروا من حولها. طبعوا آثارَ أقدامهم في الأرضِ الرملِ تباعاً، وبعثروها تباعاً من تداخل الخُطى على الخطى.
أرعشت ميدوسا رأسَ ذيلها الجرسيِّ الرنين. توقف عزفُ ابنتها النفخُ في صَدَفة الموركس. توقَّف الراقصون.
نهضت بناتها الوصيفات. هرعن خارجات من الجناح الثالث في كهف أمهن. رغِبْنَ بعضاً من الوقت مُنَكَّهاً بتوابل الظلال الخالدة، ثم عُدن تحمل كلُّ واحدة مرآة طويلة، ضيقةَ العرض. أثبتوها مركوزةَ القواعد في الأرض الرمل. ابتعدن. جلسن على أذيالهن.
أرعشت ميدوسا رأسَ ذيلها الجرسَ من جديد. عاد النفخُ المدرَّبُ الهواء، المحسوبُ دفعاً في جوف الصَّدفة ذات الذيل، إلى تلقين النغم ثباتاً على عهده للصوت أن يكونَ مشيئةَ الصوت.
وقف كلُّ راقصٍ من بَشَر الكهف بوجهه إلى مرآةٍ، وبظهره إلى ميدوسا. استرسلوا، على صوت النفخ في صَدَفة الموركسِ ـ صدفةِ اللون الأرجوانيِّ لعقل البحر ـ في تمايلهم ذاتهِ المتعاقب الحركاتِ انثناءً واستواءً.
راقبت ميدوسا رقصَ الراقصين بظهورهم إليها، لكنْ ترى وجوههم في المرايا مغمضي الأعين، حالمين حلمَ أجسادهم بالعبور من نشوة الإيقاع إلى حريةٍ من نفخ الوجود الأعظم في صَدَفةِ الكون الرملية.
سلَّت ميدوسا سهماً من جعبة سهامها. أوْفَقَتْهُ في وتر القوس. رمت كلَّ مرآةٍ بسهم خَرَقَها، ثم التحمت الخروقُ كأنَّ المرايا كُنَّ ماءً.

عن القدس العربي