هُـويّـة السَّرد في روايـة نساء المدن البعيدة لشيرين خليل خطيب

هُـويّـة السَّرد في روايـة نساء المدن البعيدة لشيرين خليل خطيب

خالد جميل محمد

في إسناد الهُوِيَّة إلى السَّرد

يَستمدُّ مفهوم (هُويَّــــة السَّرد) قيمتَه التعريفيةَ إجرائياً من سياق هذه الدراسةِ، ويستقي مقوّماتِــه من خلال الكشف عن المؤشرات، العناصر والقوانين الأدبية، الفنية والجمالية التي تَــمنح النصَّ السَّرديّ الروائيَّ خصوصيةً وتَـــمَيُّــزاً يتمثَّلانِ في مَسعاهُ لأن يكونَ نصّاً، وأن يكون سَردياً، وأن يكون روائياً، ومن ثَـــمَّ تتوافرُ فيه القيَمُ اللغويةُ والأسلوبيةُ التي تؤهّله لأن يُــحكَم عليه بتلك الخصوصية وذلك التَّــمَـــيُّز اللذينِ يُــجسِّدان طبيعةَ تلك الــهُويَّــــةِ التي اختلفت في تحديدها المعاييرُ وتضاربت الــمِزاجياتُ والاتجاهاتُ، كذلك أُطلقَت أحكامٌ قائمةٌ على شروطٍ لا علاقة لها، غالباً، بطبيعة تلك الـــهُويّة التي ترى هذه الدراسة أن يتمَّ البحث عن عناصرها وعلاماتها في أثناءِ النصِّ ومَــتْــنِه وحيثياتِه التي يُعلَّلُ بها ويَقوم عليها ويكتمل بتوافرها، من خلالِ الكشفِ عن تجلياتِ تلك العناصر في العملِ السرديِّ الروائيّ من حيث هو نصٌّ يشتمل على أحداثٍ وشخصياتٍ وعلاقات تربط بعضَها ببعضٍ، ومن حيث هو خطابٌ يعبِّر عن مضمون السرد الذي يقوم عليه ذلك العمل، ويُــمثّل مَــجْــلى الكيفيةِ التي يُــنقل بها الخطابُ إلى المسرود له على امتداد مسيرة عملية السرد.

يُــراد بــ(هُويَّة السَّرد) هنا، ما يتمثَّل فيه من قيمٍ أدبيةٍ تعكِسُ طبيعتَه وفْق ما أرادت له الكاتــبـــــة/ الروائية، ولا يقصد بــتلك الــــــ(هُوِيَّة) ذلك المعنى الشائعَ في الدراساتِ التي سعَت إلى البحثِ عن خصوصيةِ الــهُويَّــةِ اللغوية، الثقافية، الفكرية، المعرفية، الفردية أو الجماعية، أو خصوصيةِ الانتماءِ إلى الأمة، الوطن أو غيرِهما، ممّا قد يَرتَهنُ وجودُها بالخطاب السرديِّ لتبيان تلك الــهُويّة، ولا يُــقَصَد بها ما يخص سِــماتٍ شخصيةً لِــذاتٍ حاضرةٍ ضمن نصٍّ سرديّ، وهي ما يمكن أن تُعرَفَ بــ(الــهُويَّة في السرد) أو كما عرّفها كثيرون بــ(الــهُويَّة السرديّة)، كما سَـمّاها (پــول ريكور) عند إشارته إلى هذا المفهوم من خلال “فرضية مؤداها أن تكوين الهوية السردية، سواء أكانت لشخص مفرد، أم لجماعة تاريخية، كان الموقع المنشود لهذا الانصهار بين السرد والخيال”، في سياق حديثه عن العلاقة بين السرد التاريخي والسرد الخيالي، و”السؤال عما إذا كانت هناك أية تجربة أساسية يمكن أن تدمج هذين النوعين الرئيسين من السرد”([1])، قاصداً بها “صورة الذات المتحركة التي لا تتحقق إلا بالسرد… إذ يؤلف السرد الخواصَّ الدائمة لشخصية ما، هي ما يمكن أن يسميها المرء هويته السَّردية، ببناء نوع من الهوية الدينامية المتحركة الموجودة في الحكمة التي تخلق هويته الشخصية”([2]). إلا أن المرادَ من (هويَّةِ السَّرد)، لا (الهوية في السرد) ولا (الهوية السردية)، بهذا الإطلاق الإجرائيّ، في هذا الــمَقام، ووفق الــحَدّ الذي وُضع له هنا، تلك الخواصُّ التي تُــميِّز سَرديّةَ روايةٍ عن سرديةِ سِواها من الروايات، بتعقُّب العناصرِ التي تجعل من تلك الرواية الـمُــعَـــيَّنةِ متميّزةً ذاتَ خصوصيةٍ وتفرُّدٍ يمثّلان هويَّة السرد فيها.

تُحدَّد طبيعة تلك الــهُوِيَّة في إطار انتظام عناصر العمل الأدبيّ السّرديّ وفق نظامٍ خاصّ به، تقاربه هذه الدراسة توافقاً مع ما يدلُّ عليه مفهومُ علمِ السردِ بأنه”دراسة القصّ واستنباط الأسس التي يقوم عليها وما يتعلق بذلك من نظم تحكم إنتاجَه وتَلقّيه”([3]) بحثاً عن القوانين التي تحفظ للنصِّ خصوصيتَه، ولا تُــحَجّمُه في إطار الاقتداء بنماذجَ مُـعَـــيَّـنة يُطالَبُ بأن يكون نسخةً عنها، وبذلك الحفظ لا يكون النصّ مغترباً عن ذاتِه، بل يكون هو هو ولا يكون هو سِواه أو نَسخاً أو مِسخاً عن سِواه، كما هو سائدٌ غالباً. وقد تحدث بعضهم عن الهوية بأنها “مجموعة من السمات التي تسمح لنا بتعريف موضوع معين. وبناء على ذلك فإن التحديد الخارجي للهوية يكون بالبحث عن هذه السمات وتحديدها”([4]). وتُعنى هذه الدراسة بالبحث عن السمات والمعطيات التي يقوم عليها السرد من خلال الكشف عن طبيعة بعض مؤشراته، مكوناته، عناصره وأنواعه ضمن شبكة من العلاقات التي تعكس مجموعة من الأنظمة الثقافية، المعرفية، النفسية، الفنية، الأسلوبية والأدبية.

يقصَد بــ(السّرد) “التواصل المستمر الذي من خلاله يــبدو الحكي.. كمَرسَلةٍ يتم إرسالها من مرسِل إلى مرسَل إليه”([5]) أو فعل لا حدود له، يتسع ليشمل مختلف الخطابات سواء أكانت أدبية أم غير أدبية، يبدعه الإنسان أينما وجد وحيثما كان([6]) وبينها الخطاب الروائي، وهو بحسب بعضهم “أداة الخطاب الروائي، إذ إنه يشمل المستوى التعبيريَّ في العمل الروائي بما في ذلك الحوار والوصف”([7])، أو الكيفية التي تقوم عليها عمليةُ حَكْيِ قصةِ أحداثٍ ينقلها ساردٌ راصدٌ يتبنى طريقة التعبير عن تلك الأحداث وما يتعلق بها من زمانٍ ومكانٍ وشخصياتٍ، أو أنه “فعل يقوم به الراوي الذي يُنتج القصة، وهو فعل حقيقيٌّ أو خيالي ثمرته الخطاب. ويشمل السردُ، على سبيل التوسُّع، مجملَ الظروف المكانية والزمنية، الواقعية والخيالية، التي تحيط به. فالسرد عملية إنتاج يمثّل فيها الراوي دور المنتِج، والمرويّ له دور المستهلك، والخطاب دور السلعة المنــتَجة”([8]) وبهذه العملية تُنقَل الأحداث وحركة الشخصيات وينكشف الزمان والمكان.

حين يؤدي السارد مهمّةَ وساطةِ توصيلِ النصِّ إلى المسرودِ له، فإنه يتخذه شريكاً له في عملية إعادة إنتاجِ المسرودِ من جديد، وفق مستوى القراءة التي يمتاز بها المسرودُ له أو مستوى التلقي الذي يفترض أن يكون أهلاً له، وهذا يتطلب تمكّنَ المسرودِ له/ القارئِ من القدرة على استيعاب آليات توصيف الأحداث، الشخصيات، الزمان والمكان، وهي تتضافرُ ضمن أركانِ السردِ وأشكالِه القائمةِ على عَرْضِ أحداثٍ سابقةٍ على زمن السَّرد أو آنـــيَّـــةٍ تتزامن مع تلك العملية، أو أحداثٍ ســـتجري في المستقبل أو غيرها مما يُغني تلك الـمهمّة ويُـــَــيسِّر سُبلَ تأديتِها بصورةٍ تحفظ للرواية تلك الخصوصيةَ وذلك التميُّز، التماسك، الترابط والانسجام؛ أي تلك الــهُوِيَّـة.

هُويّة السَّرد في رواية (نساء المدن البعيدة)

(نساء المدن البعيدة)([9]) لـلروائية (شيرين خليل خطيب)([10]) رواية اجتماعية، شرقية بموضوعها، أبعادها ومقاصدها. وهي، كما تبدو من طبيعة موضوعها، رسالةُ النساءِ المقهوراتِ في مجتمعٍ مقهور، رسالةُ التمرُّد بطرائقَ متنوعةٍ تترجمها شخصياتٌ تبحثُ عن التعبير عمّا تعانيه النساء في مجتمعٍ لا يكترث للمرأة غالباً ولا يبالي بعالمها وخصوصياتها، وهنا يُـرادُ بـ(هُويَّة السَّرد) ما يُقصَد به إقصاء الروائية/ كاتبة النص، استناداً إلى نظرية (موت المؤلف)([11]) بالمفهوم الذي نادى به الناقد الفرنسي (رولان بارت) الذي أكد على أن دور المؤلف ينتهي مع انتهائه من كتابة النص، حيث يراد بـــ(هُوِيَّــة السَّردِ) ما يــميز خصوصيةَ النصِّ بمعزِل عن علاقتِه المباشرة بـ(هُـــوِيَّة) كاتبه/ كاتبته وهيمنته/ـها وسطوة حضوره/ها على ما كتب.

هذه الرواية تحمل رسالةً أرادت الكاتبة إيصالها عن طريق عملية السرد من خلال سارد وظَّفته لتأدية دور الناقل الذي تكفَّل قولَ ما يـخشى مجتمعُ الروائيةِ البوحَ به ورفعَ الغطاءِ عنه، كأنَّ تلك الرسالةَ تعترف نيابةً عن المجتمع وتدعو إلى وجوب كشف المستور الذي يعلمه الجميع ويتكتمون عليه، حيث باحتْ الشخصية الرئيسة (همرين) لــ(الشيخ حاتم) بما كان بينها وبين صديقتها (سارة) من علاقةٍ عاطفية جنسية وهما، خلف الأبواب الموصَدة، تمارسان السُّحاقَ، بعيداً عن المجتمع/ الرقيب، بعدها يواصل شريطُ السردِ توهّجه في أحداثٍ متتاليةٍ غيرِ حاسمةٍ بهدف الاستمرار في القراءة والديمومة في مواكبة ما يدعو إلى عنصر التشويق الكامن في أثنائه: “أريدك يا شيخي أن تعمل لي ولها حجاباً يطفئ عاطفة إحدانا، تجاه الأخرى، خوفاً من الله ومن الفضيحة، لكن كل ذلك سيحدث من دون علمها كي لا تغضب مني، فأنا أحبها للغاية ولا أريد جرح مشاعرها برغبتي في الابتعاد عنها”([12]). بمثل هذا البوح تنتقد الرواية جوانبَ ممّا تلاقيه النساءُ في مجتمع الجزيرة السورية الذي يمكن أن يكون نموذجاً لمجتمعات كثيرة تكون فيه المرأة مقهورة مظلومة تتعرّض للابتزاز والاستغلال وتكون ضحيةً لا تجدُ من يحميها ويصون كرامتها الشخصية الإنسانية.

بحسب التعريف السابق لمفهوم (هُوِيَّة السَّرد) فإن هذه الهوية، في رواية (نساء المدن البعيدة)، تتمثَّل في جملةٍ من السِّمات المذكورة أعلاه إضافة إلى عناصر السرد، السارد، الأحداث، الشخصيات، الزمان، المكان، اللغة، الفِكَر، الجوانب النفسية، الأبعاد الاجتماعية وغيرها من العناصر التي تدخل في بنية الرواية وتتداخل فيما بينها لتشكل نسيجاً مُـحْكَمَ التضافرِ متداخِل العلاقاتِ، يستدعي تحليلاً يَـفرِز تلك الخيوطَ لفهم المعالمِ الفنية والجَمالية لهذه الرواية التي يبدو فيها الساردُ على دراية كبيرة بما جرى ويجري، وما اختفى على شخصيات الرواية أو ظَهَرَ لها، وهو على معرفة بكثيرٍ من أسرار تلك الشخصيات وعوالمها الخفية وما تضمره من مشاعرَ، أفكارٍ، انفعالاتٍ، نوايا، تداعياتٍ كان الساردُ، من مرصَده هناك، في مكانٍ ما، يــتــتــبَّعها وهو يتجول في الأحياز المختلفة وينقل ما يراه ويَعلَمه، بل يُفصح عن أمورٍ عديدةٍ أكثرَ مــمّا كانت تفصح عنه الشخصياتُ نفسُها بالحوار أو المناجاة.

وترسيخاً للجانب الفني والجمالي، اعتمدت عملية السرد على النمط المتقطع الذي لم يلتزم ترتيباً زمنياً متتالياً من بداية الأحداث حتى نهايتها، بل تخللها تنقّلٌ من أحداث ماضية إلى أحداث لاحقة وبالعكس، دون أن يكون ذلك مُــخلّاً بالبنية العامة للنصّ الروائي وعناصره ودون أن يَــحدُثَ خلطٌ بين الأحداث. أما النمطُ المتناوبُ في عملية السرد، فقد ظهر في ما بين الفصول، بحيث كانت قصة (همرين) في فصول مستقلة عن الفصول المخصصة لقصة (باران) إلى أن بدأت خيوط القصتين تجتمع في ثلاثة الفصول الأخيرة، وخاصةً في الفصل الأخير. حيث التقت (باران) و(سارة) و(فرهاد) في (تل الأموات) قريباً من قبر (همرين) التي قتلها (الشيخ حاتم) انتقاماً منها لرفضها إياه أن يتزوج بها بعد أن اغتصبها متأملاً بذلك إكراهَها على قَبول طلبه لأن تكون زوجة له.

الروائية شيرين خليل خطيب

مؤشرات هُويّة السرد

إضافة إلى السّماتٍ الأسلوبية، التقنية والفنية التي تُـــميِّز خصوصيةَ السّردِ، كما هي الحال بالنسبة إلى الروايات التي نجحت في تجسيد هُويّة السَّرد، فإن ثَـــمَّــةَ مؤشراتٍ تُضفي على تلك الهوية خصوصية زائدة، وأهمها مؤشرات العتبات، الزمان، المكان، الشخصيات، اللغة والحدَث. كما أنَّ مقاربة تلك المؤشرات خطوةٌ تطبيقيةٌ في مسيرةِ التعرُّف إلى تلك الهوية، من حيث تبيانُ العلاقاتِ بين مستوياتِ النصّ التركيبيةِ، الدَّلاليةِ، اللغويةِ، الفنيّةِ، الجماليةِ والأدبية، وتوضيحُ علاقةِ السارد بذلك كله، مع الأخذِ في الحسبانِ خصوصيةَ الأبعادِ الثقافيةِ، المعرفيةِ والموضوعيةِ للمعادلةِ التوفيقيةِ بين الخطاب المستخدم في السَّرد وبين السياق الاجتماعي الذي يُــحيل إليه، صوناً لِـــسِــمَــتَـي الأدبية والفنية، من حيث كونُه خطاباً سردياً روائياً له عوالــمُه ومَــعالــمُه وعناصرُه من زمان، مكان، بيئة وشخصيات خاصةٍ به، ومن حيث إحالاتُه إلى الواقع الموضوعي الذي يعكِس صوراً منه دون أن يَنزِلقَ إلى أَدراكِ استنساخِه.

في إطار تشخيص تلك الهوية، يبدو أنّ إحدى السِّماتِ المميِّزةِ للسردِ اشتمالُ أحاديثِ الشخصياتِ وحواراتِــها، وكذلك اشتمالُ أقوالِ الساردِ على حِكَمٍ تُعبِّر عن خلاصةِ تجاربَ إنسانيةٍ غنيةٍ، صَقلتها الحياةُ بِـــحُــلوِها ومُرِّها، وأذاقتْ أصحابها خبرةً جاءت بعد فوات الأوان غالباً، ومن تلك الحِكمِ ما انتهتْ به الرواية بعبارة: “كل ما يبدو مؤكَّداً قد يتغيَّر فجأة”([13])، وما قالته (مها) لــ(باران) عن خلاصة تجربتها مع أخيها (جان) الذي تخلى عن (مها) وتزوج بدانماركيةٍ طمعاً في الحصول على الجنسية: “كنت متأكدة من سعادتنا المستقبلية، وإذا بي أفاجأ أنه من الخطأ أن يظن المرء أن هذا الشيء أو ذاك ملكه أو أن يخطط للأيام المقبلة، لا شيء ملك أحد في النهاية، فما يبدو أكيداً قد يتغير في أية لحظة!”([14]). وبعد موت (بلند) قالت (باران) لــ(سارة): “- لقد فات الوقت على التراجع… كان يجب أن يكون هناك من يقول لي إنه ليس من الضروري أن تكوني سعيدة ولكن من الضروري أن تكافحي بحيث يكون شقاؤكِ أقلّ، وكلما بحثتِ عن السعادة زاد شقاؤك”([15])، إضافة إلى ما أشار إليه السارد من طفولةٍ بائسة لــ (الشيخ حاتم) الذي ظهر أنه كان أيضاً ضحيةَ ذلك الواقع بما فيه من أمراض اجتماعية وحكاياتٍ إنسانية مؤلمة كان الخطابُ حامِلَ بعضٍ من صورها.

مؤشر السارد

ضمن إطار (هُوِيَّة السَّرد) بذلك المعنى، ظلَّ السارد يواكبُ الأحداثَ والشخصياتِ، يَرصدها ويتعقّبها، ويحكيها/ يسردها دون أن يستأثر بعملية السرد بصورةٍ مُطْلَقة، بل ينسحبُ أحياناً مفسِحاً المجالَ لبعض الشخصيات كي تؤدي تلك المهمّة من منظورها، وبكيفيّةٍ لا تُــحْدثُ خللاً في الخطّ العام الذي تسير عليه الرواية، وأحياناً يظهر أن السارد عليمٌ بما يجول من هواجسَ وأفكارٍ في أذهانِ الشخصياتِ وأعماقِها، ويرفع الحجبَ عن طبائع تلك الشخصياتِ، سِماتِها، علاقاتِها وأدوارِها، كما يسبر عوالمها الداخلية ويستكشف خصوصياتِها، معتمداً بطريقة موضوعيِّةٍ، بل يُــعرِّف القارئَ بأحداثٍ، شخصياتٍ وعلاقاتٍ عديدةٍ ومختلفةٍ تربط عناصرَ الروايةِ بعضَها ببعضٍ، دون أن تكون شخصية السارد معلومةً، دائباً على مواصلة تأديةِ مهمته، مُــثْـــبِــتاً حضورَه من البداية حتى النهاية، بمعنى أنه يفتتح الأحداثَ ثم يوصدُ الأبوابَ على نهاياتها، تاركاً للقارئ مجالاً مفتوحاً لتأويلاتٍ متعدِّدة ومختلفةٍ تَشْغَل خيالَه بالتفكّر في مصائرِ الشخصيات والعلاقات التي تربط بعضها ببعض، والدوافع التي تحركها، ومآلاتِ الأحداثِ وعواقبِها، مع الحفاظ على إرجاء حسم النهايات حفاظاً على ديمومة فعل السرد واستمرارية فاعليته وجَدواه في الإحالة المزدوجة إلى نوعين من الوقائع: وقائع مُــتــخـــيَّلة في الأذهان وأُخرى واقعية أو تاريخية أو اجتماعية، بل يمكن تصوُّرُ إدراكها في الواقع أو في التاريخ، دون الإقرار بوجوبِ أو ضرورة التطابقِ بين المجالين المتخيَّل والواقعيّ، وهي تدخل في إطار اللعبة الأسلوبية التي امتازت بها عملية السرد.

تتمثل اللعبة الأسلوبية في الدور الذي يؤديه السارد مستخدماً تقنياتٍ مختلفةً، تتمثل في استحضار أحداث وإرجاءِ أحداثٍ أخرى، أو في تقديم زمنٍ وتأخير غيرِه، أو في تحريك شخصية والانتقالِ بها من الحاضر إلى الماضي ثم العودة بها في عملية عكسية دون إحداث خللٍ في المهمة التي يقوم بها بدراية وإحكام، إضافة إلى تقرير مصائر الشخصيات وفق آليات التقنية التي قامت عليها الرواية. ومن أمثلة هذا الدور للسارد في (نساء المدن البعيدة) أن (الشيخ حاتم) تسلل إلى ميدان الأحداث منذ الفصل الأول (كان هذا في بلدة الحجر الأسود): “كانت ظلمة الليل الخريفي تنسدل شيئاً فشيئاً عندما نهض الشيخ حاتم ليفتح بابه الخشبي الذي يصدر صريراً وهو يأمل في أن يُسكت الهواء الرطب العفاريت التي تعذر عليه طردها من عقله وروحه. استعاد إلى مخيلته زيارته إلى بيت فرهاد البارحة يوم الخميس بعد عودته من تل الأموات. كيف وضع خلسة في يد همرين أخت فرهاد أثناء انصرافه قصاصة صغيرة مدعوكة من الورق، طالباً منها رؤيتها غداً عند حافة النهر وراء تل الأموات لأمر ضروري، وكيف أنه للمرة الأولى يلاحظ ضعفه أمام فتاة”([16]). ثم انتهى حضور (الشيخ حاتم) في فصل (اختفاء ملطّخ بالدم) بعد انقضاء ثمانية فصول من أحداثٍ كثيرةٍ وخيوط متضافرة بعد اختفائه إثرَ قتله (همرين) التي رفضت زواجه بها، ثم تستمرُّ الأحداث متوهِّجة في فصلين أخيرين حاسمين: “وقد سأل عنه بعد ذلك كثيرون من أهل البلدة لكن الشيخ حاتم كان قد اختفى”([17]). كذلك يُــعَــدُّ حدَثُ مقتل (همرين) على يد (الشيخ حاتم) نقطة تحول قصوى في الحبكة وفي الانتقال إلى مسارات جديدة من عملية السرد، ويُعَدُّ موتُ (بلند) أيضاً نقطة تحولٍ مماثلة في القصة الموازية لقصة (همرين).

وُظّف السارد في هذه الرواية بصورةٍ تجعله قادراً على التنبؤ بما يمكن أن يحدث، ويتجنب إطلاقَ أحكام القيمة على الشخصيات والأحداث، إلا نادراً، فهو لا يــمدحها ولا يهجوها، بل يلتزم الحيادَ، ويكاد يكتفي بنقل المشهد كما هو، أو كما يتراءى له، لكن ذلك لا ينفي أن يعبّر الساردُ عن تعاطفه مع شخصية في موقفٍ ما أو إعجابه بشخصيةٍ في موقفٍ مُعَيَّنٍ أو أن يُــبْديَ استغرابه ودهشته من مواقف أُخرى، فعلى سبيل المثال، لحظات التداعي التي مرّ بها (الشيخ حاتم) بعد اعتدائه على (همرين)، وكذلك لحظات تداعيات (باران) بعد موت زوجها (بلند)، وانفعالات (فرهاد) في نهاية الرواية، عندما كان قريباً من قبر (همرين)، كلها تعكِسُ تعاطفَ السارد مع الموقف تعاطفاً تتجلى صوره في اللغة والأسلوب الـمُــتَّــــبَع في صوغ السَّردِ بما يتلاءم مع طبيعة كلٍّ من تلك المواقف، حزناً، ندماً، خوفاً أو قلقاً. من أمثلة ذلك أيضاً، موقف (الشيخ حاتم) “عندها أشاح الشيخ بوجهه إلى جهة غير معلومة، إلى لا شيء، شاعراً بثقل أوساخه التي ستكسر ظهره. يكاد يكون طبيعياً إلا عند رؤيته لهمرين فإن شياطينه تناديه نحو الهاوية. إنه وحيد مع آلامه وسقطاته وإلا لما أحس أن بينه وبين الله عالماً كاملاً من السدود والعقبات. لقد لعنه عبودي وهو من الأشخاص الطاهرين الذين لا يحملون أي وزر أو ذرة من الإثم. إذاً، الله بذاته يلعنه وينبذه أيضاً”([18]).

في (نساء المدن البعيدة) اتُّــبِعت طريقةُ السَّرد الموضوعيِّ الــمــتَّسمِ بالسلاسة واليُسر، بوساطة ساردٍ عليمٍ غالباً بما كان وما يكون، وما يَظهَر وما يَــخفى، دون أن يتدخل في شؤون الشخصيات، لكنه يَرصد حركاتِها وتفاصيلَ ما يجول في أذهانِـها من تداعياتٍ وأفكارٍ أو ما يختلج في نفوسِها من مشاعرَ وانفعالات، من حيث كونُ هذا السارد منفصلاً عن التدخّل في سيرورةِ الأحداثِ من جهةٍ، ومتصلاً بها من جهةِ مواكبةِ تطوراتِــها، تَصاعدِها، تَواتُــرِها وتَــفاعُلِها ضِمنَ سيرورة الأحداث ومسيرتها على خط السرد الذي التزم الواقعيةَ بلغةٍ قريبةٍ من الأذهان وأسلوبٍ بعيد عن التكلّفِ، التعقيداتِ والالتواءات، دون أن تَــحُطَّ تلك السِّمةُ من القيمةِ الفنية للرواية ودون أن تنزِل بها إلى مستوى يُفقِدُها مقوّماتِ (هُويَّة السَّردِ) وعناصرَ تلك الــهُوِيَّـــة، وليس دور السارد مهيمناً بصورة مطلقة، لكنه أحياناً يتنحى جانباً ليفسح المجال للشخصيات لتؤدي عملية السَّرد في أثناءِ تَــنَــحّي السارد مؤقَّتاً، وأمثلة حضور السارد وكونه عليماً بكثير مما يخفى، موقف (همرين) مع (الشيخ حاتم) حيث “بدأت همرين تئن بينما وجهها وصدرها يلتصقان أكثر فأكثر بالحائط الذي تحتمي به غير قادرة على فتح عينيها لتدخل دنيا مليئة بالنشوة، وفجأةً صرخت عالياً عندما شعرت بشيءٍ يـخترق داخلها. تحسست مكان الألم فتلطخت يداها بالدماء التي لوثت ما بين فخذيها، ثم جفلا عندما سمعا صوت انفجار البيضة وقد تبعثرت بقاياها مع الجمر على أرضية الحمام، دفعته عنها بقوة لتغرق في بكاءٍ مرير وهي تبحث عن ملابسها القطعة تلو الأخرى. وعندما انتهت من ارتداء فستانها الأخضر الطويل وحذائها خرجت راكضة تاركةً الباب مفتوحاً على مصراعيه ليبدأ البيت بالتنفس بعد أن وجد الدخان لنفسه مخرجاً، تمدد الشيخ على فراشه، هشّاً وفارغاً من الداخل”([19]).

مؤشر العتبات

منذ عَـــتَــبةِ العنوانِ الرئيسِ، تُعلنُ عمليةُ السَّردِ حضورَها الفاعلَ من خلالِ العناصرِ اللغويةِ الداخلةِ في بنية هذا العنوان الذي كشف عن تلك الــهُويَّــة في ما يــخصّ (نساء المدن البعيدة)، وعلاقة هذا العنوان بما يليه في الجزء الباقي من رحلة ذلك السَّرد، وتليها عتبةُ (الإهداء) التي كانت الإعلانَ التاليَ عن تلك الهويةِ من خلالِ التصريحِ برسالة النصّ “إلى كلّ من استطاعوا التصالح مع ماضيهم وعرفوا أن الماضيَ ليس سوى قصّة يروونها على أنفسهم.. وإلى من اقتنعوا بأنه لا يمكن للإنسان اختيار ماضيه، لكن يمكنه السير قُدماً واختيار وجهته التالية”، وعلاقةِ مضمون هذه الرسالةِ بما انتهت إليه رحلةُ السَّرد، إضافة إلى ربط هذه الرسالة بما تحمله هذه الرحلة من رسالةٍ وخصوصية يعدُّ عنوان الفصل الأول (كان هذا في بلدة الحجر الأسود) فاتحتَها الزمانيةَ والمكانيةَ، من خلال اشتماله على مؤشِّري الزمان والمكان.

يكاد توظيفُ الأفعالِ بمختلفِ صيغِها الصرفـية، بكثرة ملحوظةٍ على امتداد شريط السردِ، من أوّله إلى آخره، يكون مَظْهراً من مظاهر الخصوصية الأسلوبية التي أريدَ بها منح النصِّ سِمةَ الحركة والتفاعل والحيوية، كما كان البدءُ بفعلٍ مضارعٍ (يختبئ) منذ بداية تلك الرحلة السردية، بعد العتباتِ الثلاثِ، يوحي برغبةٍ في جعل الحال الراهنِ نقطةَ ربْــطٍ بين ماضٍ مليءٍ بأحداثٍ ووقائعَ وشخصياتٍ يُكشَف عنها لاحقاً في الحال والاستقبال، وبين مستقبلٍ يتسلل إليه الساردُ ليمتحَ منه ما يــزيد تلك الخصوصيةَ ثراءً دَلالياً وغِنىً أسلوبياً وخصوبةً سرديةً: “يختبئ تعب الصيف وحرقته ودبقه وطول أيامه بين طيات كسل الخريف وحزنه، كالمرأة الراقدة طلباً للراحة بعد الولادة”([20]).

وحين يصل السردُ الذي بدأ بـــجملة فعلية إلى نهاية رحلته، فإنه يختتم تلك الرحلة أيضاً بــجملة فعلية تدلّ على التغيُّر والتبدل من حال إلى حال، في تأكيد على علاقة عتبة الإهداء بهذه النهاية التي ربطت أيضاً بين الماضي والحاضر والمستقبل: “غريبة هي الحياة! كيف تُغيّر لحظةٌ ملايينَ اللحظات التي تأتي بعدها!) استدارت سارة أيضاً كي لا ترى باران دموعَها ليفتح الزمنُ ذراعيه على سَعتهما في استقبال أحزان جديدة.. الزمنُ الذي يعرف تماماً أنه حتى في الأماكن التي يكون فيها الناس فاشلين وسطحيين، تُواصلُ الحياةُ رحلتَها، والحكيمُ هو الذي لا يخطط للسنوات المقبلة، فكل ما يبدو مؤكَّداً قد يتغير فجأة”([21]).

يتوسط ما بين فعلي (يختبئ) و(يتغيّر) فِعلُ السَّرد مُــحـمَّلاً برسالة الخطاب الذي اشتمل على أحداثٍ يخضع ترتيبُها للعالم الخاص بالرواية، عالَـمِ الخصوصية التي وثقت العلاقة ما بين عناصر الرواية وأسلوبها، ما بين النص والخطاب، ما بين لغتها وآليات السرد في سلسلة متواصلة تتوازى فيها قصتان رئيستان، إحداهما قصة (همرين) والثانية قصة (باران)، على امتداد بناء روائي من أحدَ عشَرَ فصلاً، تربطهما خيوطٌ واصلةٌ من خلال بعض الشخصياتِ أو بعض الأحداث التي تغيب في فصول ثم تحضر في فصول أُخرى، ضمن متوالية تتنوع وفقها الأحداث وتتدرج في تصاعد هرمي، لا ينتهي أيٌّ من تلك الفصول بخاتمة حاسمة تعطي القول الفصل، بل تُبقي الأحداثَ معلَّقةً لتجتمع الخيوطُ كلّها في الفصول الثلاثة الأخيرة، وتتداخلَ القصتانِ معاً، حيث مَـــصَبُّ الحبكةِ ومُنفَرَجُها، إذ بقيت نهاياتُ الفصولِ مُشَــــرَّعةً على احتمالاتٍ عديدةٍ يترقَّبها المسرودُ له في ما يليها من فصول، يُـــعِـــيــنُه على الكشف التدريجيِّ عنها ساردٌ يأخذ بيده صَوْبَ تلك النهاياتِ.

يتزامنُ الولوج في عالم (نساء المدن البعيدة) منذ بداية عملية السرد المواكبة لحركة الأحداث ومسارها الزمني، تتخللها عملية الوصفِ التي لا تلبثُ أن تنتقلَ إلى موضوعِ قدومِ (الشيخ حاتم) إلى بيتِ (فرهاد) أخي (همرين) التي كان ينوي (الشيخ حاتم) الزواجَ بها، ثم تنتقل إلى خروجِ (همرين) للقائه، وزيارتِـها إيّـاه في بــيــتِــه واعتدائِه عليها، مستغلاً احتياجها إلى مساعدته التي كانت تأملها منه، وتعرُّضُ كلٍّ منهما لأحداثٍ ووقائع أخذت بالتصاعد تدريجياً حتى أفضت إلى مقتل (همرين) على يد (الشيخ حاتم) وهروبه من البلدة، إلى أن تَبلُغ تلك المؤشراتُ النهايةَ المأساويةَ لــ(فرهاد)، وبموازاة ذلك كله، محورٌ آخر يشتمل على ما جرى مع (باران) و(بلند) و(سارة) و(فرهاد) في قصةٍ موازيةٍ لقصة (همرين) ومندمجةٍ معها في المحطاتِ الأخيرةِ من رحلة السردِ. وفي الإطار ذاته يوحي عنوان الرواية (نساء المدن البعيدة) بأن الاهتمام في عملية السرد لا بد أن يتركز أكثر على عنصر (النساء) اللواتي تــمثلهن (همرين، سارة، باران) بالدرجة الأولى، و(المدن البعيدة) بصفته عنصراً مكانياً، وتمثله (بلدة الحجر الأسود وتل الأموات)، حيث إن الاهتمام بهذين العنصرين هو أحدُ مصادرِ التشويق في عملية السرد بمختلف أشكالها ومستوياتها.

مؤشر المكان

تتمثل بيئة (نساء المدن البعيدة) في بعديها الزماني والمكاني، وهي بيئة (بلدة الحجر الأسود) وما فيها من أمكنة صارت ميادين لكثير من الأحداث، يتخلل سردَها إحالات إلى العوالم الداخلية الخاصة بالرواية أولاً، وإحالات إلى بيئة ريف الشمال السوري عامة، والمجتمع الكردي هناك خاصة، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وما فيها من عادات، تقاليد، أعراف وقواعد قد تكون ضريبتها قاسية وشديدة، ويكون ضحاياها أناسٌ يعيشون حياةً بسيطة، إلا أن هندسة المكان لم تشتمل على تفاصيل لا أهمية لها على صعيد السرد: “لم يلاحظ بلند في جلوس زوجته مع زياد على حدة ما هو خارج عن الأدب أو الحشمة، لكنه كان يعرف أن ذلك سيبدو مستهجناً في نظر الآخرين، وأولهم أمه وأخته، لا سيما أنهم يسكنون في بلدة تحكمها قوانين خاصة وعادات وأعراف لا يمكن الاستهانة بها، وقبولهم لكل ما هو جديد حضارياً سيكون مستهجناً ومنفراً”([22]).

أحياناً يتخلل السردَ وصفٌ مقتضبٌ للمكان والمقيمين فيه ببساطتهم وهدوئهم ورِضاهم بما قُدِّر لهم، من ذلك حين “زار الشيخ حاتم تل الأموات في ليلة اليوم الذي ضربته همرين بالحجر وهو متورم الوجه والعينين. ثم سار في الدروب الترابية الضيقة للحجر الأسود، سار لساعات دون التفكير في الاستراحة لعله ينسى الثقل الجاثم على قلبه. الجميع نيام، ببساطتهم. هادئون، مطمئنون، راضون بما يهبهم الله، إلى أن تنطلق صرخة طفل رضيع من وراء نافذة أحدهم أو صيحة ديك تمزق سكون الليل الذي لا يريد الرحيل”([23]). إلا أن السرد لم ينشغل بوصف تفاصيل المكان إلا في حدود الممكن والمفيد حرصاً على إفساح المجال لخيال القارئ كي يشارك الساردَ في إضفاء ما يتخيله على المكان من صفات إضافية تضفي على عملية إعادة إنتاج النص نوعاً من الإبداع.

مؤشر الزمان

جاء ترتيب الزمان متدرجاً من أقدم الأحداث إلى أحدثها مع انزياحات في ترتيب زمن السَّرد وتراتبيته وتسلسله، حيث كان بطيئاً حيناً وسريعاً حيناً آخر بحسب ما اقتضاه كلُّ سياق من تكثيفِ اللحظة الزمنية أو إطالتِها، بحسب مقتضى الحال والمقام، حيث زمنُ السردِ هو الزمن الحاضر، أما زمن الأحداث فهو الماضي، وينتقل الساردُ في إطار تلك العملية من الحاضر إلى الماضي، وأحياناً يستوقف اللحظة الراهنة ليسترجع ذلك الماضي ويستحضره: “في الليلة الماضية اقترفت باران شيئاً رهيباً لا يُحتمل وقد انسحق كل شيء حي ودافئ في داخلها. ارتعشت فزعاً وغرزت وجهها في الوسادة وهي تتذكر بلند يقول لها “خائنة أنا الأحمق، كان يجب أن أتوقع هذا منذ البداية.” لكنها لم تحاول مجرد المحاولة ردَّ التهمة عنها”([24]). تخلل السَّردَ أيضاً قفزاتٌ زمنيةٌ تجاوزَ فيها الساردُ أحداثاً لم يهتم بها كثيراً، لعدم جدواها ضمن البناء الدرامي للأحداث، ومنها ما كان ذا صِلةٍ بعلاقة (زياد) بــ(باران) زوجة (بلند) بعد عام من موقف رؤيتهما جالسين معاً في الحوش: “مرت قرابة العام منذ أن أمر بلند باران بعدم الجلوس مع زياد بمفردهما. من وقتها والعلاقات الظاهرية بين باران وبلند تزداد بروداً. الفرق الوحيد الذي حدث خلال هذا العام أن بلند وجد لنفسه عملاً إضافياً”([25]).

تمثّلَ البناء الدائري للزمان في انتهاء الأحداث في المكان نفسه الذي بدأت منه، دَلالةً على حركية الزمن الذي بدأت أحداثه مع بدايات فصل الخريف عام 2008 وانتهت في نهايات فصل الخريف عام 2011، في المكان ذاته (بلدة الحجر الأسود) ومع الشخصيات ذاتها بغياب بعضهم لاحقاً، خاصة (همرين) التي دُفنت في قبر منعزل عن قبور الآخرين، في (تل الأموات)، و(الشيخ حاتم) الذي قَتلَ (همرين) ثم اختفى، حيث كان لهما حضور في الخريف الأول من الرواية التي تزخر بتفاصيلَ تشكّل كَمّاً تراكمياً من أحداث لا ينفصل بعضها عن بعض على امتداد خطِّ الزمان الذي تشوبُه تنقلات ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، رغم أن تلك الأحداث، وهي تجري في حيّزٍ زماني ومكانيٍّ واحد، تبدو عبارة عن مجموعة قصص متفرقة، إلا أن عناصر الربط والتشارك بينها أكثر من عناصر الفُرقة والتمايز، يدل على ذلك أكثر من موقف تشترك فيه شخصيات قصة (باران) مع شخصيات قصة (همرين)، إضافة إلى النهاية المشتركة التي تجتمع فيها شخصيتان رئيستان من كلتا القصتين/المحورين المتوازيين في البداية، وذلك في (تل الأموات) بالقرب من قبر (همرين)، وهما (سارة) و(باران)، حيث يبدو أن كلاً منهما على دراية بما جرى من أحداث مع الأخرى في القصة الموازية، ثم ينضم إليهما (فرهاد) أخو (همرين) في مَشْهَدٍ تراجيديٍّ غَلبَ عليه الطابعُ العاطفيُّ المأساويُّ من خلال ما جرى في موقف اجتماع الثلاثة هناك عند المقبرة في (تل الأموات).

في مواطن كثيرة لم يلتزم السردُ الترتيبَ المنطقيَّ للأحداث ومسارها الزمني، بل خضع عنصر الزمان لزحزحات وانزياحات أخرجته من رتابة التسلسل والانتقال من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، إنما تخلله تبادل “بين المواقع الزمنية؛ فإذا الحاضر قد يَرِدُ في مكان الماضي، وإذا المستقبل قد يجيء قبل الحاضر؛ وإذا الماضي قد يحل محل المستقبل… وإذا المستقبل قد يحيد عن موقعه ليتركه للحاضر على سبيل الانزياح الحدثي أو التضليل الحكائي؛ إلى ما لا نهاية من إمكان أطوار التبادل في هذه المواقع الزمنية”([26]). يظهر ذلك جلياً في الفصل الأول منذ بداية الرواية، كذلك في الانتقال من محور قصة همرين إلى محور قصة باران بعيداً عن التعقيد في توزيع الأحداث خلال “لعبة الزمن” تلك التي أضفى التنويع فيها جمالية على عملية السرد.

مؤشر الشخصيات

تبدأ عملية السرد بتوصيف الحالة تمهيداً للتعريف ببعض الشخصيات الرئيسة في الرواية (همرين، الشيخ حاتم، فرهاد، سارة)، ومعظمها شخصيات نامية متطورة لم تثبت على حال واحدة مع سيرورة الأحداث والزمن على امتداد شريط السرد، خاصة (همرين، باران، سارة، فرهاد والشيخ حاتم)، حيث طالها جميعاً تطورات وتغيُّرات توافقت مع السياق العام للأحداث ومسارها ومآلاتها. حيث ظلت تلك الشخصيات تدعم السرد بالحوار والمناجاة فتضفي غنى زائداً، ويتخلل ذلك تعريفٌ بالزمان والمكان والشرارة الأولى من الأحداث المتعلقة بتلك الشخصيات وهي تسلك تصاعداً دراميّاً.

تتوسَّل عمليةُ السرد في ما يخصّ الشخصيات بلغة مشحونة بطابع شعري توصيفي جَماليّ غالباً، في سلسلة متواترة من أحداث تتصاعد تدريجياً إلى أن تبلغ ذروة التأزم في موقف مقتل الطفل (ميران) على يد أبيه الذي “ظل على هذا المنوال حتى تهشمت الجمجمة. ارتاحت همرين وتنفست الصعداء إلا أن فرهاد لم يتوقف عن إنزال ضرباته الغاضبة فوق الرأس المهشم حتى طار الرأس الحديدي الثقيل للبلطة وارتطم بقفا ميران، ففقد الصغير وعيه على الفور”([27]). وفي موقف مقتل (همرين) عمة الطفل (ميران) على يد (الشيخ حاتم): “بعد أن تحررت ذراع الشيخ من بين يدي سارة، نحرَ حنجرة همرين بضربة واحدة من سكينه، صارخاً بشكل جنوني كإنسان فقد وعيه وفقد معه آخر ما يحمل في داخله من بذور الإنسانية وكأنه يقطّع قلبه إلى قطع صغيرة: – الله أكبر. ولأكن من يحمل وزر هذه الفضيحة عنكم أيها السفلة. ورمى همرين بعيداً عنه ثم خرج من الحوش بسرعة آخذاً السكين معه. بدأ الدم يشخب ويقرقر من حنجرة همرين التي تخبطت بدمائها كالدجاجة المذبوحة، إلى أن سكنت جثة هامدة لتبدأ زغردة بعض النسوة بشق الطريق لنفسها إلى كافة أنحاء الحجر الأسود، بينما هرعت الأخريات نحو غالية النائحة لمواساتها ومساعدتها على مصابها”([28]).

بعدها تبدأ خيوط تلك الأحداث بالانفراج، في سيرورة خطٍّ زمني قلّما يخرج عن مساره الطبيعي، دون أن يؤثر ذلك سلباً في ترتيب الأحداث وتقنية السرد الذي تــخــلَّـــــلَه تلخيصُ أحداثٍ ماضيةٍ في جمل وعبارات قصيرة أو فقرة معينة ذات علاقة بالسياق، من مثل تداعيات (الشيخ حاتم) في الفصل الأول، حيث مرّ على تلك المرحلة الطويلة مروراً سريعاً، وربطها باللحظة الراهنة التي يعيشها قَلِقاً كئيباً وخائفاً.

بلغ عدد الشخصيات الفاعلة ضمن سيرورة الأحداث، حوالي خمسَ عشْرةَ شخصيةً، بعضها شخصيات ثانوية لم يتم توصيفها بصورة مفصلة، وبعضها شخصياتٌ رئيسةٌ، توزَّعَ توصيفها على امتداد السّرد، وبحسب السياق والحالة والمقام. وأهم تلك الشخصيات: الشيخ حاتم، همرين، فرهاد أخو همرين المتعلقة بـسارة زوجة جارها عيسى، إضافة إلى غالية زوجة فرهاد، وباران زوجة بلند وابنة عمه، وهي أم لطفلين، ومها أخت بلند وابنة عم باران، كذلك جان الأخ الأكبر لـباران، وزياد صديق جان. هذه الشخصيات تعكس بيئةً تسودها عادات وأعراف، وتنتشر فيها أمراض نفسية واجتماعية، حتى استوجب ذلك رسمَ أبعادٍ جسدية، نفسية، اجتماعيةٍ، اقتصاديةٍ وخُلُــقِــيَّة لبعض الشخصيات، حيث كان  ذلك متوافقاً مع سِماتها في تلك البيئة الاجتماعية والجغرافية، وانعكست في تفاعلاتها، حركاتها، لغتها، حواراتها ومناجاتها.

استقَتْ الروائية الشخصياتِ من البيئة التي تعيش فيها، وسلَّمت الساردَ رسمَها وتتبُّعَها بعد أن نَــمذَجَــتْـها وفق صياغة فنية تتوافق مع عوالم الرواية ومقوماتها وعناصرها، ما منحَها أبعاداً فنية وجمالية وأدبية أظهرتها آليات السرد وكشفت عنها الحوارات بمختلف أنواعها. وقد رصد السارد حركة تلك الشخصيات وتفاعلاتها وانفعالاتها، فـ(همرين) التي كانت تريد أن تتخلص من تعلقها بــ(سارة) وقعت في شِراك (الشيخ حاتم)، و(باران) كانت تريد التخلص من الحياة الزوجية مع (بلند) انتهت بالتخلص منه وتسببت في موته، ثم رفضت الزواج بمن كان على علاقةٍ معها، و(فرهاد) أراد إنقاذ سمعته من كلام الناس المحيطين به فحاول قتل أخته (همرين)، وأخفق في ذلك إلى أن أقدمَ (الشيخ حاتم) على تنفيذ جريمة القتل وتخلص من (همرين) لرفضها أن يتزوج بها قبل اعتدائه عليها وبعد ذلك الاعتداء.

في السياق نفسِه تمثل هذا التميز في عدم الإسهاب في الرسم التفصيلي للشخصيات وملامحها وجزئيات صِفاتِها وطبائعها وتاريخها، وقِدَمِها، مجرَّدةً من معظم خصائصها التي لا لزوم لها، على النحو الذي تحدث فيه بعضهم عما اتسمت به  كتابات فرانز كافكا (1883-1924) الذي “حاول أن يجرد الشخصية من خصائصها المدنية: من اسم، ولقب، وطول، وقصر، وعرض، ولون…”([29])، وأخرجها من كونها المحور الوحيد لحركة الأحداث، حيث لم يجعلها محراباً تُفضي إليه كلُّ الخيوط الأخرى من النص بعناصره ومكوناته. بل اقتصر ذلك على ما يلزمها بمنأى عن إتعاب القارئ بما لا نفع فيه من تفاصيل وجزئيات زائدة، في محاولة للإبقاء على عنصر الخيال أشد حضوراً من عالم الواقع المفترض على عكس الرواية التقليدية التي تُعامَل فيها الشخصية “على أساس أنها كائن حي له وجود فيزيقي، فتوصف ملامحها، وقامتها، وصوتها، وملابسها، وسحنتها، وسنها، وأهواؤها، وهواجسها، وآمالها، وسعادتها، وشقاوتها…؛ ذلك بأن الشخصية كانت تلعب الدور الأكبر في أي عمل روائي يكتبه كاتبُ روايةٍ تقليديٌّ..”([30]).

مؤشر اللغة

كلُّ نصٍّ سرديٍّ روائيٍّ أو غيرِ روائيٍّ بحدِّ ذاته هُـــويَّةٌ ثقافية معرفية لها استقلاليتها وخصوصيتها ولها علائقها وارتباطاتها المرجعية في ما يتعلق بنصوص أُخرى أو بالواقع أو بالتاريخ أو بالمؤلف أو بالمتلقي، وهذه الهوية تتجسَّد بالدرجة الأولى في بنية لغوية تقوم على عناصر ذات وظائف فنية، جمالية، أسلوبية وأدبية تتجلى في صور مختلفة متنوعة. وقد أكَّد كثيرون أن اللغة “هي العمود الفقري لبنية الرواية حيث لا يمكن لأي مشكّل أن يكون إلا يوجود اللغة ونشاطها”([31]).

تنتمي الشخصيات إلى بيئة اجتماعية واحدة، وليس بينها تفاوت طبقي كبير، لذلك كاد مستوى اللغة التي تستخدمها تلك الشخصيات أن يكون متقارباً متساوياً، وانعكس ذانِكَ  التقاربُ والتساوي في حواراتها ومناجاتها كما كشفت جوانبَ من عوالمها الداخلية وكثيراً من الحلقات التي لم تَرِدْ على شريط السرد، حيث يتسلَّلُ فعل السرد إلى أعماقِ النفس الإنسانية لتلك الشخصياتِ، ويسعى إلى الكشف عمّا تكتنزه عوالــمُ الوعي واللاوعي لها، بــلُغةٍ بعيدة عن التكلُّف في افتعال ما لا احتياجَ إليه من أحداثٍ، لُــغــةٍ بعيدةٍ عن إقحامِ ما لا لزومَ له من عناصر الغرائبية التي احترزت منها الرواية وابتعدت عنها.

وبما أن الخطاب يرتبط “بالطريقة التي بوساطتها يتم إيصال القصة أو التعبير عنها”([32]) فإن تلك الطريقة تمثَّلت في اللغة التي هي حامل هذا الخطاب، وهي تنقل ما لها أهمية من عناصر أدبيةٍ لإنجاح عملية السرد، ومن أمثلة ذلك ما جاء على لسان (الشيخ حاتم) لــ (همرين) التي استفرد بها في بيته المنعزل عن بيوت (بلدة الحجر الأسود): “لا تهدمي كل ما بنيناه حتى الآن يا همرين، النجاسة التي تمارسينها مع هذه المرأة لن تزول إلا بنجاسة مثلها، أبعدي يديكِ ودعيني أكمل ما بدأتُــه”([33])، في محاولة منه لإرضاخ (همرين) استجابةً لرغبته الجامحة في اغتصابها وإجبارها على القبول بزواجه بها، وقد “بدأت تتأوه وهي مغمضة العينين فتأوه هو الآخر مستسلماً لفحولته المتدفقة التي لا تعرف حداً تتوقف عنده. ووصل إلى أسماعهما أزيز البيضة التي بدأت بالنضوج ليختصر الكونُ كلَّ تاريخه الذي يبدأ بـخفقة قلب وينتهي بخفقة قلب. وهمرين تنتظر بألم ووحدة قاتلة المعجزة التي ستنقذها مع صديقتها من أفواه الناس. همرين وحيدة مع ما يفعله الشيخ في صعوده ونزوله تاركاً كل خطايا البشرية تنزل فوق رأسها”([34]).

في (نساء المدن البعيدة) لم تُلتزَم الصَّرامة النحوية بصورة جافة، لكنها لم تكن بسيطة لدرجة الانجراف نحو العامية أو الفصيحة الفِجّة سواء على مستوى السرد، الوصف، الحوار أم المناجاة، بل إن لغة الحوار والمناجاة جاءت متوافقةً مع الشخصيات التي تؤديها، وتتناغم وتتلاءم في الوقت نفسه مع لغة السرد التي كانت حاملةً للخطاب ومَـجلى جمالية ذلك الخطاب وأدبيته وعنصر الجاذبية فيه. كما لم يستأثر السرد بمساحة اللغة المستخدمة بل حاز كلٌّ من الوصف والحوار والمناجاة على جانب من تلك المساحة في إطار الحاجة إلى وظيفتها في دعم عملية السرد المتواصلة والتناغم معها وتطويرها، مع مراعاة اقتضاب الحوارات والمناجاة حتى لا تكون على حساب دور السارد وعملية السرد فلا تكون لغة الحوار طاغية على لغة السرد([35]).

***

المراجع

  • بارت، رولان. نقد وحقيقة. ترجمة: منذر عياشي. الأعمال الكاملة (3). مركز الإنماء الحضاري. ط1، 1994.
  • بارط، رولان. درس السيميولوجيا. ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي.دار توبقال للنشر. الدار البيضاء- المغرب. ضمن سلسلة المعرفة الأدبية. ط3، 1993.
  • جوادي، هنية. السرد وتشكل الهوية-قراءة في رواية “البحث عن العظام” للطاهر جاووت. مجلة الــمَــخْبَــر-مَـخبر أبحاث في اللغة والأدب الجزائري. العدد (13)، 2017.
  • خطيب، شيرين خليل. نساء المدن البعيدة. رواية. دار سوتيميديا، تونس. ط1- 2018.
  • الرويلي، ميجان. البازعي، سعد. دليل الناقد الأدبي-إضاءة لأكثر من خمسين تياراً ومصطلحاً نقدياً معاصراً. المركز الثقافي العربي- بيروت، الدار البيضاء. ط2، 2000.
  • زيتوني، لطيف. معجم مصطلحات نقد الرواية، عربي- إنكليزي- فرنسي. بيروت، مكتببة لبنان ناشرون. دار النهار للنشر. ط1، 2002.
  • الغانمي، سعيد. الوجود والزمان والسرد (فلسفة پــول ريكور). ترجمة: سعيد الغانمي. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت. ط1، 1999.
  • مرتاض، عبد الملك. في نظرية الرواية – بحث في تقنيات السَّرد. الكويت. سلسلة عالم المعرفة. العدد 240. ديسمبر 1998. (نسخة إلكترونية).
  • ميكشيللي، اليكس. الهوية. ترجمة: علي وطفة. دار الوسيم للخدمات الطباعية، دمشق، ط1، 1993.
  • يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي (الزمن-السرد-التبئير). المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء-بيروت. ط3، 1997.
  • يقطين، سعيد. الكلام والخبر – مقدمة للسرد العربي. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت. ط1، 1997.

([1])- الغانمي. ص (251).

([2])-  الغانمي. ص (28).

([3])- الرويلي. ص (103).

([4])-  ميكشيللي. ص (15).

([5])- يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. ص (41).

([6])- يقطين، سعيد. الكلام والخبر. ص (19).

([7])- جوادي. ص (86).

([8])- زيتوني. ص (105).

([9])- خطيب، شيرين خليل: نساء المدن البعيدة. رواية. دار سوتيميديا، تونس. ط1- 2018.

([10])- شيرين خليل خطيب. روائية كردية سورية، من مواليد مدينة عامودا، بمحافظة الحسكة. تكتب باللغتين العربية والكردية. صَدَرَ لها: رواية “مێرگە سۆر”، عام 2007، عن مؤسسة سما للثقافة والفنون. ورواية “دروب قاحلة” عن دار أمية بدمشق، عام 2008. وروايتها الثالثة “نساء المدن البعيدة” صدرتْ عن دار سوتيميديا بتونس، عام 2018.

([11])- انظر: بارت، رولان: نقد وحقيقة. ص (15) وما بعدها. وبارط، رولان: درس السيميولوجيا. ص (81) وما بعدها.

([12])- خطيب. ص (15).

([13]) –  خطيب. ص (267).

([14])- خطيب. ص (47).

([15])- خطيب. ص (262).

([16])- خطيب. ص (8).

([17])- خطيب. ص (211).

([18])- خطيب. ص (170).

([19])- خطيب. ص (22).

([20])- خطيب. ص (7).

([21])- خطيب. ص (267).

([22])- خطيب. ص (93).

([23])- خطيب. ص (163).

([24])- خطيب. ص (27).

([25])- خطيب. ص (101).

([26])- مرتاض. ص (189).

([27])- خطيب. ص ص (192-193).

([28])-خطيب. ص ص (199-200).

([29])- مرتاض. ص (61).

([30])- مرتاض. ص (76).

([31])- مرتاض. ص (114).

([32] )- يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. ص (169).

([33])- خطيب. ص (20).

([34])- خطيب. ص (21).

([35])- انظر: مرتاض. ص ص (116-117)

الرواية نت – خاصّ