مقطع من رواية رحيل العوسج

مقطع من رواية رحيل العوسج

*أحلام برجس أبو عساف

كانت الساعة الثالثة في انتظارها في اليوم التالي, قرابة ساعة تقريبا التقت فيها برجل تشاهده لأول مرة هنا، خلف المكتب المعدني المائل للرمادي، رجل خماسيني قمحي اللون, وجهه فيه من الصرامة بقدر ما فيه من الهدوء, تعلو جبينه من الجهة اليمنى ندبة واضحة للعيان . فسّرتها بأنها أثر حرق قديم, حاجباه المبعثران وعيناه اللتان كحبتي زيتون, بملامح بدت لها أبوية…كل ذلك فرض صمتا, احتاجت لدقائق حتى استطاعت كسره والولوج عبر فتحاته.
غالبا ما كانت تشعر بهالة من الطمأنينة، تغلف هذا المكان، حال دخولها، انتصب أمامها كعقربي ساعة يشيران إلى الاثنتي عشرة، استقبلها بابتسامة بعثت الطمأنينة في نفسها، لم يمهلها كثيراً حتى انتقل إلى مسجل بقربه كان في نصف عمره، فقد الكثير من لمعانه, وضع فيه شريط تسجيل ثم ضغط زرا من الأزرار فانطلقت في الحال موسيقا شجية نظر إليها نظرة احترام ، قائلاً: موزارت. إحدى سمفونيات موزارت، أردف موضحا ..عندئذ شعرت بأن كل شيء في هذه الغرفة ينطق بالحياة، حتى صورة الزعيم بدت جديدة، كانت تبتسم لها فقد لمعت عيناه فرحا لوجودها، الملصقات في الغرفة والتي خطّ عليها بخط جميل, أفكار الحزب في توحيد الأمة السورية أشد وضوحا من قبل. على الخارطة التي تقابلها كانت لبنان وفلسطين أكثر زهاء.
– ماذا حدث؟ همست…
تحوّل كل شيء إلى بياض كزهر العوسج، حتى أنها اشتمت تلك الرائحة العنيدة. .
توقف الصوت الصادر من المسجل، ما زالت نغماته عالقة في ذرات الهواء، ساد صمتٌ وسمعت تراتيل قادمة من مكان ما، قريبة من المبنى، اخترقته تراتيل أو صلاة لا فرق، لقد حان موعد اللقاء بالروح والتحليق بها إلى البعيد.
– يا رفيقتي، نفتخر بك، وجب الاستعداد، حانت الساعة، يومان ويسجل عدّاد التاريخ نهاية انتظارك . استهل حديثه.
موجة من هدوء مباغت سرت في بدنها وأهمدته تماما .
فصوت هذا الرجل صافيا, نقيا كنقاء ثلج الجبال، جديته غريبة لم تلاحظها من قبل على أيٍ كان .- أشكركم على تحقيق أمنيتي.
اختصرت كل شيء في حياتها وأودعتها في أيقونة خاصة، فهمت سر زيارتها, تهدج صوتها رغما عنها.
كابر كي يبتسم ثم قال:
– هي أمنيتنا جميعا.
امتعضت، أصبح صوته مثل صلاة، أمسك بذقنه بحركة وكأنه اعتادها, وكأنه في صراع داخلي يقاوم قوة خفية تمنعه من النطق، حينها وعندها فقط تحولت لبذرة حقيقية قد تنبت وتتبرعم في أرض بعيدة.
(كانت الساعة الرابعة في يوم من أيام أيلول من عام 1986). أرشدها بالتفصيل على الطرق التي عليها أن تسلكها, مستعينا بخارطة صغيرة فردَها على طاولة المكتب أمامه، طلب منها الإصغاء والاقتراب لترى أدق التفاصيل، وقد امتثلت.
– سيرافقك عبد الرحمن ليكون كظلك، صمتَ قليلاً وتابع، من الأفضل ألا تتمادي معه في الكلام. بدا جاداً في ذلك ـ سببت لها هذه الجدية ازعاجاً حاولت ألا تظهره- في لحظة كتابته رسالة إلى الشخص الذي سيقوم بمساعدتها عند نقطة الحدود المتفق عليها، كانت توصية من الحزب, بدا له وكأن شيئا مقدسا يفيض في داخله, أو كأنه يحيي العلم في احتفال مهيب, وعند الانتهاء وضع القلم جانبا و تساءل إن كان قد نسي شيئاً؟ أكد لها أنها بمأمن معه، أطرق رأسه في حركة بدت وكأنها انحناءة, يجهد فيها على بث روح الإقدام، خفف من حدة اللحظة بأنه عاد لانتصابه الذي يشبه عقارب الساعة، أشعل سيجارة عرضها عليها أولاً رفضتها بلطفٍ, أخذ منها سحبة وحين ارتفع دخانها أطفأها. توجه إليها صافحها, وألقى عليها نظرة وداع, وفي غمرة انفعالها, حررت ما كان قابعا بخنوع داخل الجسد الفائر، أطلقته في سماء شديدة الزرقة تركته ليحلّق بحريّة, كانت على يقين بأنه سيعود لها يوما.
شعرت لأول مرة بأنها نحلة, تحوم فوق بساتين من الخزامى. تمتص رحيقا ليس بغريب عن مذاق الانتعاش, لحياة تزهر في قلبها كل ثانية. لحظتها أدركت كم هي محظوظة, بأنها اختارت النحلة لتكون هي حلمها وليس شيئا آخر. ومن يومها تسارعت دقات وتيرتها, وما زالت تبحث عن نبتة الخزامى لتكون موطنها الأبدي, تستظل عوسجة في بلاد الأرز, ريثما يخف بها المسير وتركن هناك خاشعة, تحاذي أودية البطم التي تنشقت عبير رائحتها كل صباح.
تجرأت لأول مرة أن تدوس فوق عتبة طريق, بدايته رؤية عابر سبيل معدم, ثم تلقين تلك الرؤية وتأكيدها, من رجل أجاد قراءة المستقبل والتنبؤ به, كما تكهن بالموطن الأخير للوجوه. وأوسطه حلم تحلم به كل ليلة, عندما تأوي النجوم إلى بيوتها. يوقظها من غفلتها صوته معدني, تهيأ لها بأنه لم يخرج من حبال صوتية مغروسة في حنجرة, ترتعد قليلا وترتجف أوداجها, بعدها تولج المستقبل ويكون ما يكون ولم يزل.
وآخره رحلة سرمدية كما تشتهي وتريد, ولن تنتهي ما دامت لم تنتهِ الأحلام ..
هتف بها صوت داخلي بأن لا جدوى من اللحاق, بمن كانت ترافق تنهداتها وتشد من أزرها, من غير أن تعي أي مصير ينتظر ابنتها, فقد يكون تنشق عبيرها, لا ينتج عنه إلا ألمٌ يعيق خطواتها. ولكنها ظلت محتفظة في شغاف قلبها, بأجمل جملة قرأتها عن الأمهات, ( أجمل ثلاث نساء في العالم : أمي, وظلها, وانعكاس مرآتها) لقد صدق جبران خليل جبران حين كتب ذلك . رددت هامسة وهي تقترب من الحافلة, التي ستبدأ معها مشوار العمر. أيضا من الصعب الاتصال بوالدها وتوديعه, وهو في مؤتمره يتحدى قناعاته عن الحياة، فليبق كما يرغب ربما يأتي اليوم الذي لن تهزه فاجعة اختفائي . قالت ذلك وهي تصعد الحافلة, تلفحها رائحة الجلد الذي يكسو مقاعدها. مجيد ونقاشاته اللاهبة يوم أمس, وهو يردد قول الكاتب “نيكوس – كازانتزاكي”😞 قدرة الإنسان غير محدودة. إنه يستطيع أن يجعل قطعة قماش صغيرة , راية مقدسة , إنه يفرز القداسة على الأشياء) ماذا يقصد هذا الصبي ؟ أيقصد إقناعها في اللحظة الأخيرة, بعدم جدوى أحلامها وأنها مزروعة في تربة قاحلة ؟ يستحيل ذلك . ردت بجملة علقت في ذهنها, ولطالما سمعت بعض أصدقائها القلائل يرددونها, عندما يعجزون عن إيصال ما يريدون.. (إن الكلمات لا يمكنها أن تخفف عما في قلب الإنسان وتريحه .الصمت وحده قادر على فعل ذلك .) ولم يثمر نقاشها مع والدها ومجيد, إلا عن تجذر خلاف الرؤى بينهم. قالت هذا في أعماقها وهي تجلس على المقعد الخلفي, وخيوط شمس ذهبية لامست بشرة وجهها مخترقة الزجاج, حدقت في الخارج في محاولة لإخفاء ضيقها, بينما راحت السيارة تشق طريقها مخترقة المدينة. ولكن ما يحز في نفسها أنها لن ترى عثمان, الذي ربما يأتي بين ليلة وضحاها, مؤكد كان سيصفق لفعلتها.
لفحت نسمة من حنين شرايين قلبها, حين تذكرت ذلك وهي تنطلق في السيارة المسرعة, دون أن يصدر لها صرير مميز لعجلاتها قد يثير الانتباه .انطلقت خلف تلال الأمل والحلم, صوب الأرض التي تنتظرها.

*كاتبة وروائية سورية صدرت لها رواية “ظمأ .. امرأة” و “رحيل العوسج” التي لاقت إستحسان القراء والمُتابعين.