مقطع من رواية ذاكرة النرجس

مقطع من رواية ذاكرة النرجس

رشيد الهاشمي

ما أجمل أن يظل ثمة شيء صادق في حياة المرء! وما أكثر الأشياء التي تخلو من الصدق في هذه الأيام! ما أجمل أن نظفر بحب صادق لا ينطفئ! وما أصعب أن ينطفئ الأحباب الواحد تلو الآخر دون أن نحظى بفرصة لمعانقتهم للمرة الأخيرة قبل اجتياح عواصف النسيان! الأيام قاسية ولا ترحم. ما إن تتقدم نحوها بكل ما أبقت لك الحياة من عزيمة وأنت تعتقد في أعماقك الدفينة أنك أصبحت قريبا منها وصار بوسعك أن تمسك بها بملء قبضتك، حتى تجد أن هوة مثل الجبال لازالت تفصلك عنها. هي دائما هكذا تنزلق من بين كفيك بسرعة البرق ولا تستطيع أي قوة أن تمنعها. تحرق دائما كل شيء في دنياك ولا تترك لك في كل مرة إلا حفنة من الرماد الساخن.

الأيام تركض كالريح ولا شيء يتشابه فيها. كعادتها، تنسحب من عمرك كالبراق وتتركك غارقا في بحر السراب تعوم فيه لوحدك. هي دائما هكذا تسحبك في كل مرة نحو القادم من الأوهام التي كنت تراها إلى وقت قريب بعيدة وتحولك إلى جزء منها، لكن في الحقيقة هي تحيك لك مؤامرة كبيرة دون أن تترك لك أية فرصة لتقاوم على طريقتك.

هكذا هي الأيام مثل الحلم الذي تعيشه وتمضي صوب حلم آخر دون أن تدرك ذلك السر الكبير الذي يجعلك مشدوداً إليها بهذا الشكل العجيب. لعل الصدف والأقدار الجميلة هي التي تقوي إرادتنا وتجعلها صلبة أمام كل الانكسارات التي تتناوب علينا.

في هذا المساء الحزين، أعددت كأس قهوة وانزلقت نحو غرفتي. أمام المكتب الصغير، جلست على الكرسي الخشبي وشتى أفكار تركض في رأسي. حملت قلمي وعزمت على مواصلة شيء من حكاية كنت قد بدأتها منذ أيام. هذه المرة، كنت أرغب في أن أصل إلى تفاصيل لا تحدث في العادة. كما أني أحب الأشياء التي لا تحدث في الواقع.

لم أعد أتذكر أين سمعت أو قرأت أن كل الأشياء التي نشتهيها أو نطمح من أجلها في الحياة ثم تحدث فعلا تفقد جمالية ما كانت تمتاز بها قبل حدوثها. الأشياء تكون جميلة فقط حينما نعلق كل تفكيرنا بها ثم نقضي من أجل ذلك أوقاتا طويلة ونحن نبذل ما بوسعنا من أجل تحقيقها، لكن عندما تحدث يكون الأمر قد تغير تماما.

كل هذه الأفكار كانت تراودني وأنا متسمر أمام دفتر الخواطر الخاص بي. لحظات وانطلقت مشيا نحو القرية التي بنيت بيوتاتها الطينية وأزقتها الضيقة في خاطري. في طريقي نحو الجامع الكبير الذي نحت قبته الأندلسية ونسجت خيوط سجاده الحريري في عمق مخيلتي، استوقفني جمع من الناس كان يقف أمام دار الوزاني الكحل.

وقفت حذو نخلة كانت تنبت بالجوار وبدأت أتقصى الخبر من بعيد. لأول مرة، بدت لي القرية في حالة من الفوضى التي لم يعهدها السكان من قبل.

فاليوم، استفاق الوزاني ولم يجد ابنه العبدي في فراشه. حتى أغراضه الصغيرة وبعض الدفاتر التي كان يرتبها كما جرت العادة في الكوة لا يوجد لها أثر. ما إن علمت عمته طاطا بالأمر حتى ذهبت مسرعة إلى مؤذن المسجد لينادي في الناس خبر اختفائه لعل أحدا من أهل القرية يكون قد رآه.

زوجة أبيه فطومة وأخواته الثلاث بدون مستغربات من تصرف الولد الطائش، ولم تجدن في مخاصمته الأخيرة مع ابن الحاج المعمري وانقطاعه عن الدراسة سببا يقنعن به أنفسهن. كانت العائلة الموّسعة والجيران والأقرباء يتجمعون قرب الدار من أجل النظر فيما يمكن فعله، والوقوف مع العائلة في هذه المحنة.

رأيت ضمن ما رأيت الحاج المعمري بعباءته البنية ومسبحته التي لا تفارق يده اليمنى. لم يكن يبدو عليه أي توتر، لكنه بادر إلى اتهام عمة الولد التي يعرفها تمام المعرفة بإطلاق العنان له، وعدم القدرة على تهذيب سلوكه كما ينبغي. والدليل على ذلك هو توالي فضائحه في الآونة الأخيرة. شيئا فشيئا اختلطت الأصوات وتعالى الصخب وكل الحاضرين يتساءلون في أعماقهم عن السبب الذي قد يدفع بولد لم يتجاوز العاشرة من عمره بعد إلى ارتكاب حماقة على هذا القدر من الوقاحة.

  • ولد الكاتب المغربي رشيد الهاشمي بقصر الدويرة الواقع في الجنوب الشرقي للمغرب بتاريخ 01-06-1993. بعد حصوله على شهادة البكالوريا عام 2011 بميزة جيدة، التحق بمركز الأقسام التحضيرة الأدبية بمكناس حيث تابع دراسته الأكاديمية في شعبة اللغة الفرنسية، ثم انتقل إلى الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية وحصل على إجازته في الأدب الفرنسي عام 2014. وهو يشتغل كأستاذ للغة الفرنسية.
  • تعد رواية ذاكرة النرجس هي أول عمل روائي له، وشارك في إصدارين جماعيين في القصة القصيرة: – محابر بلا ضفاف، ملتقى أبركان لأدب الشباب في دورته الرابعة، المغرب. 2017. – الفائزون، في مسابقة واحدة الأدب في الكويت في القصة القصيرة برعاية رابطة الأدباء الكويتيين، دار آفاق للنشر، الكويت. 2017