معجزة الحكي في «رغوة سوداء» للإريتري حجي جابر

معجزة الحكي في «رغوة سوداء» للإريتري حجي جابر

فاطمة بن محمود – تونس

رواية ” رغوة سوداء ” للروائي حجي جابر متوسطة الحجم تمتد على 256 صفحة صدرت عن دار التنوير في طبعة أولى 2018 وتحصلت على جائزة كتارا لسنة 2019.

عتبة العنوان: “رغبة سوداء”

     الرغوة في الحالة الكيمياوية تتشكل بحبس جيوب من الغاز في صلب أو سائل، نتحدث عن رغوة أمواج البحر عند تحطمها على الساحل وعن رغوة الصابون التي تتحول إلى فقاعات تتبخر ورغوة القهوة التي سرعان ما تمتص وتذوب.. في كل ما تقدم الرغوة عادة ما تتلاشى ولا يبقى منها أثر.

العنوان يمكن أن يأتي من خارج المادة السردية يضيء على الرواية، كما يمكن أن يأتي متضمنا في المادة السردية يشير إليها كما هو الحال مع “رغوة سوداء”، الكاتب حجي جابر يأتي على ذكر الرغوة في مواقع عديدة من السرد من ذلك ص 244 ” كان داود غارقا في المفارقة التي يعيشها الأفارقة الفلسطينيون، لا يعرف لماذا رأى نفسه فيهم، انها الرغوة السوداء مجددا، تطفو على السطح رغم كل محاولاتها أن تصبح في قلب المكان.”.

  نفهم أنه يتحدث عن داود الشاب الإريتري الذي لم ينجح في الانتماء إلى مكان يحوله إلى كائن صلب إلى مواطن له حقوق وواجبات فيتحول في كل مرة إلى مجرد رغوة، إلى فقاعة بلا ثقل تتلاشى ببطء وتتبخر تدرجيا فلا يبقى لها أثر، وهي سوداء (نسبة إلى لونه).

عتبة الغلاف:

     تم تقسيم غلاف الرواية إلى مسارات أفقية تجعل من مساحة الغلاف أقل حجما كأنها إشارة إلى ضيق المساحة التي يتحرك فيها السارد. في المساحة الصغيرة المتبقية وسط الغلاف تبدو ثلاث لوحات اثنتان مكررتان لرسم زيتي تحملان بورتريه لشخص بلا ملامح، يتوسطهما إطار فارغ. الملامح المغيّبة لا تقدم صورة واضحة تشير إلى شخص بعينه كما يراه السارد ولعلها طريقة يراد بها الإشارة إلى الإنسان في المطلق. الإطار الخالي من أي صورة كأنها دعوة للقارئ ليرسم ما يريد. الخلفية لهذه اللوحات الثلاث تبدو في شكل خطوط متساوية بالطول والعرض تشكل مربعات صغيرة توحي بالسجن فكأن اللوحات التشكيلية بتموضعها على هذه المربعات تشير أن الفن هو الذي يحقق مساحة من الحرية ويعبر عن الوجود الإنساني ويتحدى الأسلاك التي لا تظهر إلا جزئيا. أسفل هذه اللوحات سطر باللغة العربية ورد مقلوبا على هامش الغلاف وكأنها إشارة إلى أن لغة الضاد التي تشير إلى الحضارة العربية تبدو على هامش اللحظة الحضارية التي نعيشها مادام الإنسان فيها بلا ملامح وبلا هوية.

     الغلاف يقول الكثير فهو يطرح إشكالية الثنائيات التي تجمع بين الحرية والسجن، بين الوضوح بالغموض، بين الانطلاق والاختناق، بين المحدود والمطلق ولعل الألوان التي عليها الغلاف والتي تجمع بين ألوان باهتة للبني والبنفسجي توحي بالكآبة والخمول تنقل نوعا ما أجواء الرواية التي تروي معاناة شديدة يعيشها بطل الرواية في البحث عن الخلاص من خلال أنظمة دكتاتورية تهيمن عليها ثقافة الإقصاء والرفض مما يجعل من الحياة تجربة كئيبة ومؤلمة.

تلخيص الرواية:

عندما يتحول الإنسان إلى رغوة..

     عندما قال ديكارت “مأساة الإنسان أنه يولد طفلا ” كان يقصد أن مرحلة الطفولة تتميز بالهشاشة التي تجعله يتقبل تدريجيا التشريط الثقافي لمجتمعه بحيث ينمو وقد تشكلت بنيته النفسية والذهنية وفق ثقافة المكان فتمنح صلابة تزداد متانة بمرور الوقت، حجي جابر في روايته يذهب عكس ذلك يولد الإنسان هشا ولكنه يزداد هشاشة في مكان خال من كل المقومات الإنسانية، في أرض تنبذ أبنائها وتشقيهم وتدفعهم إلى طلب الخروج بكل الطرق.. في بلاد لا تصلح فيها الحياة.

 الإنسان الإريتري ينشأ هشا ولا يجد في مجتمعه ما يقويه لذلك ينمو كيان متصدع ويقين متهالك وروح ذاوية فتراه يركض في كل اتجاه يبحث عن حفرة يطل منها على الحياة خارج هذا السجن الكبير الذي اسمه الوطن. في هذا الوضع ينشأ داود وينتحل صفة يهودي من الفلاشا يبحث عن إمكانية للنجاة واللجوء للجنة الموعودة في دولة إسرائيل، رحلة طويلة ومضنية يقطعها داود الذي يغير اسمه إلى ديفيد حتى يلاطف الطائفة المسيحية التي يمر بها و يغير اسمه إلى داويت ليستطيع اختراق الطائفة اليهودية ويصل إلى بر الأمان.. رحلة نكتشف فيها هشاشة الإنسان وضآلة أحلامه التي تتلخص فقط في النجاة غير انه ينتهي إلى رغوة إلى فقاعة تتلاشى ولا تخلف أثرا.

 لم يغفل الروائي جابر عناصر أخرى في شخصية داويت يحضر فيها الجسد من خلال تجارب عاطفية خجولة اختلفت مبرراتها وأهدافها بين داويت والمرأة (عائشة/ سارة). الحب في هذه الرواية ليس هو المشكل ولن يكون هو الحل بل مجرد جرح آخر في روح البطل، لعل قيمة هذه التجارب العاطفية أن مكنت داويت من كسب مهارة الحكي وقدرته على صنع الأكاذيب حتى ينقذ نفسه في كل مرة من الفشل في الحياة.

قلب الصورة:

    عندما هتف ألكسيس كاريل “الإنسان، تلك الكلمة التي تصدح بفخر ” لم يكن يدري إن مقولته ستكون بلا معنى في ظل ثقافة إقصائية تحول الإنسان إلى رغوة تمنعه من التشكل ولا تجعله يفخر بالانتماء للبشرية.  حجي جابر الكاتب الإريتري اختار في رواياته ان يقترب من معاناة الإنسان وانطلق تحديدا من الإنسان الاريتري الذي يعيش في بلاده كأنه في جزيرة معزولة قد تكون المعاناة داخل الوطن مثلما بدا في رواية «مرسى فاطمة» وقد تكون أيضا أثناء الهروب منه مثلما يبدو في رواية “رغوة سوداء”.

    فازت رواية “رغوة سوداء” بجائزة كتارا فئة الروايات في الدورة الأخيرة (2019) وأعتقد أن ما يميز هذه الرواية هو القدرة على الحكي المراوغ. إنها تراوغ قارئها:

– يعتقد القارئ انها رواية تتحدث عن الرغبة الحياة في حين انها تتحدث عن فكرة النجاة في الحياة،

– توهم القارئ أنها تتحدث عن أزمة الإنسان الذي يبحث عن مكان يسعه في حين أنها تتحدث عن أزمة المكان الذي لا يسع أفكار الإنسان الصغيرة.

– يذهب في ظن القارئ أن تيمة الرواية هي معاناة الإنسان في المطلق بحثا عن ذاته، في حين ان الرواية تهتم تحديدا بالإنسان الاريتري الذي يتحول إلى رغوة سوداء.

 – يعتقد القارئ أنها رواية شخص واحد يختبئ خلف ثلاثة أسماء وثلاث ديانات في حين إني أجدها رواية ثلاث شخصيات لكل شخصية اسم ومعتقد تختبئ خلف شخصية واحدة هو بطل الرواية داود.

معجزة الحكي:

    مثلما كانت شهرزاد تحكي لشهريار حتى تبقى على علاقة بالحياة، كان داويت أيضا مضطر لخلق الحكايات حتى يقنع الرجل الأوروبي فيسمح له باللجوء ويقنع عائشة لتبقى حبيبته ويقنع سارة ليصبح حبيبها. نلاحظ ان داويت أمام ضآلة ما يملك كشخص يحتاج أن يطوّر مهارته في الحكي ويبتكر حيل وأكاذيب تجعل خلاصه ممكنا.

  الحكي هو وسيلته للبقاء، يقول حجي جابر “الحكاية لعبة خطرة قد تفلت من أيدينا في ذروة ما نعتقد أننا نملكها ومع هذا فقد شعر انه أمام اختبار جيد لملكته في الحكي في الاختلاق ” (ص 212).

 من خصائص الحكي التي أدركها داويت أنه لا يجب تقليد الآخرين لذلك خسر رهانه عندما أخذ حكاية من صديقه يوهانس ليقنع الرجل الأبيض في المخيم فيسمح له باللجوء، لذلك قرر أن يعوّل على نفسه وكان يجب أن يكذب وهنا نتساءل هل فعلا كان داويت يكذب من اجل النجاة أم أن فظاعة ما عاشه تجعل من الصعب تصديقه؟

في هذه الرواية يبدو أن الحكي هو الوجه الأخر للكذب. عندما لا تنطلي حكاية تتحول إلى كذبة تهين ذكاء الأوروبي الذي لن يسمح له بالمرور كلاجئ وعندما لا يكون حكيه متخيلا بطريقة متقنة تتحول أيضا إلى كذبة تجرح الحبيبة عائشة فتبكي منه وعندما لا يكون حكيه مقنعا سيفتضح أمره عند الحبيبة سارة فتغلق بابها دونه.

يقول حجي جابر “وما الحكي إلا اختلاق عدا ذلك هو محض تقليد رديء لساعي البريد بدا يتحدى نفسه ويستجيب لكل انعطافة تأخذه الأسئلة لها، غادر تململه وانغمس تماما في اللعبة المفروضة حتى بدت لعبته الأثيرة ” (ص 212).

فيما حكاه داويت هناك خلط بين الصدق والكذب مما يجعل الوضع ملتبسا، قدرته الفائقة على اختلاق الحكايات تصبح أكاذيبه صادقة إلى درجة انه هو نفسه يختلط عليه الأمر فيتساءل ” لا يعرف إن كان كل ذلك حقيقيا أم محض استيهام” (ص 207).

 لعل معجزة الحكي التي ينتصر لها حجي جابر هي التي جعلت داويت الذي كان على امتداد الرواية عبد منبوذ لكنه يتحول بمهارة الحكي إلى إنسان له ذات ويحمل رؤى ويملك قلب ينبض بالحب، مهارة الحكي هو الذي يحرر داويت من غبنه ويلهيه عن معاناته فيصبح ” مالك الحكاية وسيدها” (ص 212).

   المؤلف نفسه حجي جابر بالتوازي مع بطل الرواية اختار طريقة الحكي ليقنعنا بصدق روايته لذلك كان عليه ان يمتلك مهارة الكذب الصادق الذي ينطلق فيه من الواقع على اعتبار ان القادح لهذه الرواية قتل لشاب اريتري في القدس وجد في المكان الخطأ وفي الزمان الخطأ وأثار ذلك في حينه موجة من الاحتجاجات في إسرائيل استعان جابر قدرته على التخيل المتماهي مع الحقيقة حتى نصدقه ويبدو أنه نجح كثيرا في لفت الانتباه القارئ إلى معاناة الاريتريون في سجن كبير اسمه الوطن يحول مواطنيه إلى رغوة سوداء.

الإنسان وجرح الأمكنة:

     في رواية ” رغوة سوداء ” يبدو هاجس داويت هو التخلص من مكان جهنمي (اريتريا) واللجوء إلى مكان آخر يُفترض انه الجنة الموعودة (إسرائيل)، تمر الشخصية بأمكنة كثيرة سعى المؤلف أن يجعل علاقة البطل بالأمكنة واقعية، لذلك تنقل خصيصا إلى فلسطين ليقتفي خطى داويت. ألاحظ ان المؤلف لا ينشغل كثيرا بتقديم وصف طوبوغرافي لهذه الأمكنة بل عادة يتم ذكرها على عجل وفق ما يحتاجه السرد وحسب حركة الشخصية التي تتسم بالقلق والخوف وهاجس الترحيل في كل حين، ما يجعل من ذاكرة القارئ تزدحم بأسماء الشوارع والميادين والحارات والمدن، ولأن جابر اعتمد كثيرا تقنية الفلاش باك فالأمكنة تتداخل أحيانا في ذهن القارئ فيشعر انه في متاهة. تبدو الأمكنة متشعبة ومتداخلة داخل الفضاء الروائي لكنها لا تؤدي إلى النجاة يقول السارد ص 246 “لم يجرب أن يكون في صلب المكان (…) كان ينتهي في كل مرة رغوة سوداء لم يعد يريد تجنبها ” (ص 246)

     هذا ما يجعل من المكان مكوّن رئيسي في الرواية بل أحد الشخصيات الأساسية غير أن علاقة المكان بداويت ليست علاقة تأثير وتأثر مثلما هو متعارف بل المكان فقط هو المؤثر الفعلي في شخصية داويت، هذا الأخير لا يؤثر في المكان بل يتحول إلى ضحية له، نلاحظ ان داويت كان في كل مكان يوجد فيه شخص منبوذ ومطارد، الصورة الصادمة لعلاقة داويت بالمكان يتحدث عنها داويت نفسه عندما كان في الوادي الأزرق ” وضع أصفادا في يدي وقدمي وسحبني من سلسلة صدئة أحاط بها رقبتي وهو يتوعدني بأيام كالحة ” (ص 187). المكان في هذه الرواية شخصية في حد ذاتها لها ملامح القسوة والقدرة على التسلط التي جعلت من شخصية داويت هشة ومنكسرة.  يقول المؤلف جابر متحدثا عن داويت انه ” اراد ان يخبره كيف كسّره الواد الأزرق وهشّم يقينه في كل شيء من حوله ويتمنى الخلاص من الموت ص ” (ص 188). لعلني لا أجانب الصواب إن قلت إن هذه الرواية هي رواية المكان الذي يتحول إلى سلطة قاهرة ويمارس العنف على ساكنه بل يحوله إلى كائن بلا هوية لذلك يخلّف المكان ندوب في الجسد وجروح في الذاكرة.

  يبدو غريبا أن يحدث هذا في زمن ما بعد الحداثة حقق فيها الإنسان انتصارات علمية وتكنولوجية مذهلة ويتوق إلى احتلال كواكب أخرى نجد المكان في الدول المتخلفة يحوّل الإنسان إلى عبد ويصبح أمل النجاة مستحيلا.

الدكتاتورية، ابتلاء الشعوب:

     تعيش اريتريا واحدة من أقسى الدكتاتوريات في إفريقيا وهو ما جعل من البلاد (حسب التصنيف الدولي لمنظمة هيومن رايتس ووتش) الأسوأ في العالم،  تخضع للحزب الواحد ولم تجر فيها أية انتخابات منذ استقلالها وليست بها حرية إعلام لأن كل وسائل الإعلام مملوكة للدولة و تأتي في الترتيب قبل الأخيرة أي مباشرة بعد كوريا الشمالية، كما تعرف اريتريا نسبة فقر شديدة ولعل من أفظع ما يحدث فيها أن  يخضع الشعب إلى فترة تجنيد إلزامية بمدة غير محددة قد يكون سُخرة مدى الحياة، لذلك يشعر الاريتريين أنهم في وضع بائس ومهين ويفكرون باستمرار في الفرار لذلك عدت اريتريا من أكثر البلدان المصدّرة للمهاجرين غير الشرعيين في العالم.

 هذا الوضع العام هو الخلفية التي لا تقولها الرواية مباشرة ولكنها تمثل القادح الذي دفع ببطل الرواية داود إلى الهرب وتقمص شخصية أحد يهود الفلاشا بحثا عن النجاة.

     هذا المناخ السياسي القاتم هو المبرر لولادة هذه الرواية التي تأتي رد فعل إبداعي على واقع الاستبداد وعلى ثقافة القمع، تأتي لتكسر حاجز الخوف وترفع صرخة الإنسان الإريتري المنسي في خضم واقع عربي مرتبك وفوضوي وينوء بأحماله. من هنا نفهم لماذا ولدت شخصية داود هشة ورخوة، لأنها ببساطة بلا أرض تقف عليها. القهر السياسي سحب الأرض من تحت أقدام أبناءها وحوّلهم إلى مجرد رغوة لذلك لا يملكون إلا الفرار و التطواح بين البلدان فينتهون كائنات مهزومة يقول المؤلف حجي جابر متحدثا عن بطل الرواية ” يشعر الان أن الوقت قد فات ليكون منتميا ” (ص 178).

      هذا لا يعني أن الرواية سياسية فهي لا تنتصر لأطروحة ايديولجية بعينها ولا ترفع مقولات سياسية، كما أن لا أحد من شخصياتها يقوم بدور المناضل السياسي ولكنها رواية إنسانية تفتح على المشهد السياسي في اريتريا لتكشف انه الجحيم وتدينه دون أن تشير إليه. لعل هذه أحد أسباب الجدة في هذا العمل الأدبي.

الأديان، شقاء الإنسان:

     عندما يفر داود الشخصية الرئيسية في هذه الرواية ويبحث عن الخلاص نجده يحتمي بالأديان ويجعلها جسرا للعبور، يحتاج أن يُسقط عن نفسه انتمائه للدين الإسلامي و يتظاهر بالمسيحية فيصبح اسمه دافيد كما يحتاج مرة أخرى أن يسقط عن نفسه انتماءه للدين المسيحي ويتظاهر باليهودية ويصبح اسمه داويت في آخر الرواية وهو في القدس يرتاح لكونه مسلما غير أنّه يعجز عن التصريح بذلك.

اعتقد أن حجي جابر في هذه الرواية يذهب أن الدين لم يحقق الخلاص للإنسان، لم يوفر له النجاة وظل في كل لحظة خوف يلتجئ إليه الإنسان ودائما يصطدم بفشل ذريع.

لعل حجي جابر في هذه الرواية يعود بنا إلى المقاربة التاريخية للدين بما هي ظاهرة يختلقها الإنسان في كل مرة يحس فيها بالخطر وان من بين ادوار الدين توفير الراحة النفسية (التي وجدها داويت وهو في المسجد الاقصى) و” صلة الرحم ” من خلال التواصل الاجتماعي بين الناس ( بين داويت و بين عائلة ماريل في القدس).

في هذه الرواية حجي جابر يختبر الأديان من خلال ثلاث شخصيات لبطل الرواية فهو مرة داود المسلم وأخرى دافيد المسيحي وثالثة داويت اليهودي لكنه انتهى جثة مثقوبة بالرصاص بما يعني أن التجاءه للأديان لم يساهم في تحرره و لم يحقق له الخلاص.

يقول الروائي ” لو لم يختر دينا بعينه لما وجد كل هذا ” ( ص 236 ).

     ما لفت انتباهي أن الشخصيات الأخرى في الرواية التي نبتت في دين ما وترعرعت على قيمه هي أيضا لم تحقق الخلاص من خلال معتقداتها الدينية، جميعهم كانوا شخصيات مقهورة تستبطن ضعفها فتعبر عنه من خلال دور الجلاد أو دور الضحية، الوضع هو نفسه بالنسبة لها مادامت بعيدة عن الدين كقيمة إنسانية مطلقة أي لم تستطع تحقيق السلام الداخلي الذي من المفترض أن ينعكس في قواعد سلوكية تؤكد قيم أخلاقية وتنشر التسامح والرحمة والمودة بين الناس:

– الموظفون في مكتب التسجيل – الذي هو بمثابة بوابة للمخيم المترامي الأطراف – يستقبلون اللاجئين في ظروف مزرية ويعلمون أنهم جسر عبور للحياة بالنسبة لهم لكن كانوا في معاملاتهم مع اللاجئين في منتهى القسوة ولم يوفقوا في الالتزام بالتسامح والسلام والغفران وأن يكونوا جميعهم ثمار المحبة مثلما تدعو المسيحية. كان الموظفون يعاملون اللاجئين بغلظة وازدراء” قد قضى ليلته في العراء مع آخرين، لأن الموظف المنوط به توزيعهم على الخيام غادر مع الغروب ” (ص 57)

– التاجر صاحب المحل في مدينة القدس الذي لم يجعله انتمائه للإسلام قويا بما يكفي لتكون له هوية صلبة تجعله يتصالح مع ذاته لذلك يعيش هو أيضا بازدواجية في مجتمع لا يقبل الاختلاف يقول لداود ” اسمي محمد علي أو ناديني باسم ماريل باختصار” (ص 234 ).

– الجنود الإسرائيليون اعتناقهم لليهودية لم يخلصهم من أحقاد بلا مبرر لذلك يعجزون عن التواصل مع ذواتهم، مع الطبيعة الطبيعية للإنسان الذي يتحدث عنها جون جاك روسو فيقول إن الإنسان طيب ومسالم بطبعه لذلك نجدهم يحملون البنادق و يجرون خلف كل ما هو مختلف لاقتناصه و تحويله إلى جثة هامدة، بذلك كانوا ينتجون الرعب و ينشرون الموت العنيف بين الناس.

لذلك لم تنجح الأديان في تحقيق توازن الإنسان وهو ما جعل داويت مرتبك وحائر، يقول حجي جابر ” لا يعرف على وجه الدقة إن كان سيقصد الأقصى أم كنيسة القيامة أم الحائط إن كان سيصبح داود أم دافيد أم داويت كل الذي يعرفه انه فارغ من الداخل و يبحث عن شيء يستند إليه (ص 233).

     من خلال ما تقدم يبدو أن كل من المسلم و المسيحي واليهودي في هذه الرواية لم يحقق انسجامه مع نفسه ولم يبلغ العمق الإنساني بواسطة الدين بما هو قيمة جوهرية، من المفترض أن الدين جُعل ليكشف جوهر الإنسان و ينمي فيه الأبعاد القيمية  لكن بدل ذلك نجد أن كل دين لم يأت إلا ليحافظ على الخوف داخل الإنسان و لينمّي استعداداته لممارسة التسلط والعنف من جهة و ليحافظ على الشعور بالخوف والقهر من جهة أخرى وبذلك يولد الدين ازدواجية مرضية لدى الإنسان،  فكأن حجي جابر في هذه الرواية يحمّل كل دين مسؤوليته ويجعله يعيد النظر في مقولاته التي أصبحت تهدد الوجود الإنساني بدل المحافظة عليه.

 فهل يعني ذلك أن الخطأ في الدين نفسه بما هو سلطة ميتافيزيقة أم في الإنسان بما هو كائن هش بطبيعته؟

سؤال لا يبدو أن حجي مطالب بالإجابة عنه وربما طبيعة الرواية هي طرح الأسئلة وتوسيع مجال الرؤية للإنسان وليس تقديم الأجوبة وضمان برد اليقين.

 غير انه لا يفوتني أن أشير انه إذا كانت الأديان في هذه الرواية لم تحقق للإنسان النجاة فان حجي جابر ينتصر للحكي، القدرة على سرد حكاية متخيلة ومحبوكة هي وحدها التي مكنت داويت في كل مرة من التخلص من وضع تراجيدي. يبدو ان الحل لا يأتي من خارج الإنسان وان كانت في شكل قوة ميتافيزيقة بل الحل يكمن في الإنسان ذاته وعليه فقط أن ينتبه إلى قدراته الذاتية وينميها.

الخصائص الفنية للرواية:

     من أبرز التقنيات التي اعتمدها المؤلف حجي جابر في روايته هي تقنية الفلاش باك وهي التي جعلت من الرواية مراوحة بين لحظتين لحظة المواجهة للرجل الأوروبي الموظف في مخيم اللاجئين والذي يمثل بوابة النجاة ولحظة العودة بذاكرته إلى تجاربه القاسية في الحياة، في اللحظتين / الزمنين مطلوب من بطل الرواية أن يكون مُجيدا للحكي ومتقنا للكذب لان خلاصه في ذلك.  

 تقنية الفلاش باك تجعل من الأحداث متقطعة، بمعنى تفقد الرواية التسلسل الخطي للأحداث الذي قد يوقع القارئ في الملل لهذا استطاع حجي جابر من خلال تقنية الفلاش باك كسر الخطية السردية وخلق تشويقا للقارئ بل أجده قد ورّط القارئ نفسه  في أحداث الرواية بمعنى أن تنقّل الشخصية الرئيسية  في الأمكنة واللهاث خلف الأحداث المختلفة مع تقنية الفلاش باك بما هي عملية استرجاع متواصل للماضي قد جعلت القارئ يشعر بتداخل الأحداث بلخبطة في ذهنه وهو ما يعني تعمّق أزمة داويت وتشرده في الأمكنة وانسحاقه في كل الأحداث التي عاشها.

     ألاحظ أن الكاتب حجي جابر اختار أن يكتب روايته بشكل دائري، اختار لبطله أن يبدأ مسلما منكسرا ومقهورا (في وطنه) وانتهى به مسلما بلا قيمة (في الوطن البديل)، يقول حجي جابر ” لِمَ كُتب عليه ان ينتقل من بلد الى بلد و لا وطن في الطريق ” (ص 229 ).        انطلق في رحلة البحث عن هوية وانتهت الرواية دون أن يظفر بها، كان هدفه النجاة وانتهت حياته دون أن ينعم به وبذلك انتهى به في دائرة مغلقة تشير إلى عبث الحياة التي عاشها ولعل هذه الدائرة المغلقة هي نفسها التقنية التي اعتمدها حجي جابر في رواية ” مَرْسَى فاطمة ” عندما انطلق البطل أحمد في البحث عن حبيبته سلمى من الميناء وانتهت رحلة البحث في نفس المكان الذي انطلق منه دون أن يلتقيها يقول السارد على لسان البطل ” هنا في مَرْسَى فاطمة حيث تبدأ كل المسارات وإليه تنتهي “.

     لعل حجي جابر من خلال هذه الدائرة المغلقة الخفية التي يحتكم إليها في البناء السردي لرواياته يشير من جهة  إلى بلاده اريتريا التي تبدو له دائرة مغلقة على اعتبار أنها إحدى الأنظمة الدكتاتورية المنغلقة على نفسها، و من جهة أخرى هو نفسه يوقع بنفسه في الدائرة المنغلقة عندما يجعل من مشروعه الروائي الاشتغال فقط على قضايا وطنه، يقول حجي جابر في احد حواراته متحدثا عن ” رغوة سوداء ” هذه الرواية تأتي ضمن المشروع الذي أشتغل عليه منذ البداية وهو الإضاءة على إرتريا والقرن الإفريقي” (حوار لفائدة موقع البوكر / الهيئة العالمية للرواية العربية ).

اللغة التي كتب بها حجي جابر روايته لغة جميلة وسلسلة و لا تخلو من صور شعرية ممتعة من ذلك قوله ” كان يمضي في طريقه يتحسس وجهته كالأعمى وكانت روحه تلك العصا التي تتحسس الأرض بحذر وتجنبه الاصطدام بالناس وبالأشياء من حوله “ (ص 182). لغة اعتمدت على الأفعال كثيرا لتنقل توتر الشخصية وارتباكها وسعت أن تدخل في العالم الجواني لشخصية داويت لتعبر عن معاناته في تجربة حياتية قاسية، رغم ذلك نجح حجي جابر أن يكتب قبح العالم بلغة جميلة.