مستقبل الرواية

مستقبل الرواية

هيثم حسين

أثار الشاعر نوري الجرّاح في افتتاحيته لعدد ديسمبر 2019 من مجلة الجديد اللندنية، والتي عنونها بـ”الشعر حصان المستقبل.. لماذا يهرب الشعراء العرب إلى الرواية” جملة من التصوّرات عن مستقبل الأدب عموماً في عالم متغيّر، وكيف أنّ التغيّر يطال كلّ شيء، ويجد الأدب نفسه أمام تحدّيات جديدة معاصرة، وأسئلة مفصلية تواجه الأزمات والمآزق، ولا تتملّص من تسمية العلل بأسمائها من دون مواربة أو تورية.

ينتصر الشاعر الجرّاح للشعر، بنوع من “عصبيّة” الشاعر التي يمكن تفهّمها، لعالمه الشعريّ وقصيدته التي تشكّل فضاءه الأرحب، وهو الذي ظلّ وفيّاً للشعر لعقود من حياته الشعريّة، وإن بدا ذلك على حساب الأجناس الأدبية الأخرى، مع إطلاقه صفّارة الإنذار عن واقع الشعرية العربية التي “دخلت في طور من القلق الشديد في العقدين الأخيرين. ولعلها تشهد، اليوم، مع بعض أبرز تجاربها، نوعاً مقلقاً من النمطية المستجدة، بعد عقود من الشغف بالتجريب والتجديد”، بحسب تعبيره.

عبّر الجرّاح الذي يعدّ من أبرز الشعراء العرب المعاصرين، عن خشيته من أن يكون سرّ الشعر قد افتضح تماماً، بحيث تحول إلى شيء ممكن لأي أحد في أي وقت بعيدا عن معيار الموهبة والثقافة العميقة التي يتطلبها ظهور شاعر. ولفت أنّه “لا عجب بعد ذلك أن تكون الفوضى سيدة الموقف، فمدينة الشعر العربي هي اليوم بلا أسوار ولا أبواب”.

فوضى معمّمة

إن كان سرّ الشعر قد افتضح كما يصرّح الجرّاح، فكيف بأسرار الرواية التي بات حائطها واطئاً -بحسب التعبير الشعبيّ- بحيث يتطاول عليها كلّ مَن يحلم بالمبالغ الماديّة التي تخصّصها جوائز الرواية للفائزين بها، وذلك من دون أن يكونوا متسلّحين بالعلم والمعرفة والتراكم الأدبيّ، والقدرة على نسج الرواية وهندستها، والاكتفاء بالخواطر والأفكار المرسلة بطريقة غير منضبطة وغير موظّفة، أو الظنّ أنّ الرواية عبارة عن حكاية فقط، من دون القبض على أساليب صياغة الحكايات، أو معرفة مسالكها، والاطّلاع على التجارب التي شكّلت معالم فارقة في تاريخها.

لا جديد في التجرّؤ على الشعر، أو أيّ جنس أدبيّ آخر، فلطالما كان هناك واهمون، متسلّقون، حالمون، مجرّبون، يبحثون عن موطئ كلمة لهم في هذا الميدان أو ذاك، غير ملومين على مسعاهم، سوى أنّهم لم يسلّحوا أنفسهم للمعركة التي يقحمون أنفسهم بها، غير آبهين للحطيئة وقوله إنّ “الشِعرُ صَعبٌ وَطَويلٌ سُلَّمُه/إِذا اِرتَقى فيهِ الَّذي لا يَعلَمُه/زَلَّت بِهِ إِلى الحَضيضِ قَدَمُ/وَالشِعرُ لا يَسطِيعُهُ مَن يَظلِمُه/يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمُه”.

تبدو الفوضى سمة معمّمة في ظلّ غياب العمل النقديّ الجادّ، وفي ظلّ التهافت والاستسهال، ولاسيّما أنّ مزاعم التجريب تطغى على الجهل بالجنس الأدبيّ، وتبرّره بشكل ما، وكأنّه نقطة قوّة لصاحبه، وإلّا كيف يمكن تبرير نشر آلاف الروايات باللغة العربية في العام، ومعظمها يُنسى بعد صدوره وكأنّه لم يكن، أو كيف يتمّ إقناع بعض مَن قادتهم المصادفات والأسباب المتقاطعة المختلفة للفوز بجائزة ما، على أنّهم يحتاجون لكثير من التدريب والمراس، ولم يبلغوا أيّ أوج أدبيّ بعد..

لا أتحدّث عن استلاب الراغبين بكتابة الرواية تلك الجذوة التي تحرّكهم وتدفعهم لخوض غمارها -حتّى وإن كانت تلك الشعلة المتّقدة مستعرة انطلاقاً من حوافز مادّية- لكن أشير إلى أنّ التجرّؤ على أيّ جنس أدبيّ، يجب أن يكون منطلقاً من تسلّح علميّ ومعرفيّ وتراكم أدبيّ بتاريخ هذا الفنّ وعالمه، والإلمام بمفرداته ومفاهيمه، وعدم السير في طريق مظلمة بناء على رغبة بالشهرة المفترضة، أو المال المحلوم به..

هناك مَن يجازف بالتعدّي على جنس الرواية وهو لا يلمّ ببنائها، ولا حتّى ببناء الجملة السرديّة أو صياغتها، غير سامع بالمقولة التي تؤكّد على أنّ الدرس الأوّل في الفكر يبتدئ بدرس اللغة، وأنّ مَن فاته درس اللغة فاته الفكر والتفكير. وذلك من باب التشديد على التمكّن من الأدوات السرديّة، والتسلّح بالأساليب والمعرفة لصياغة الأسلوب الذي يعكس أنا الكاتب، هذه الأنا التي يفترض أن تكون جامعة للتجارب وهاضمة لها، لا مفتقرة إلى الحنكة وحائرة في دروب الرواية، منزاحة من حكاية ملفّقة لأخرى مختلقة بعيداً عن خيال خلّاق أو تخييل مبتكر.

تحدّث الشاعر الجرّاح عن رواج مقولة موت الشعر وانقضاء زمنه ومجيء زمن الرواية، وتساءل “هل يمكن حقاً للشعر المشتق اسمه من الشعور أن يموت؟. هل يمكن تصوّر شيء كهذا؟ أعني هل هناك قوة كبرى تستطيع طرد الشعور من خلايا الإنسان، بينما هو يتخلل كل ذرة من نسيج الكائن الإنساني؟ إذن لا يمكن طرد الشعر من مركز العالم؟”.

كما تحدّث عن تخلّل الشعر مختلف الأجناس الأدبية مزيّناً إيّاها بحضوره الطاغي المجمّل لها، وأشار إلى أنّ الشعر لم يعد ضرورة لبعض الشعراء في الآونة الأخيرة، و”أن دروب الشعر باتت أكثر وعورة مما توقعوا، وأن تجديد الشغف بالكتابة عبر فن الرواية من شأنه أن يفتح لهم في التعبير عن الذات ومشاغلها طرقا أسلس، وأكثر جدوى في ظل مجتمعات تشهد اضطرابا عظيماً”.

تحوّل ثوريّ

تخطيط: حسين جمعان
تخطيط: حسين جمعان

لفت الجرّاح في افتتاحيته إلى أن “الرواية في ظل التطورات التكنولوجية الهائلة لن تبقى أبداً على حالها، بل إنها تبدو لي مهددة بالزوال كجنس أدبي حكائي له مواصفات محددة، فالزمن الذي أعطاها المجد آخذ في الانقضاء والزمن الملتي- ميدي الزاحف سيسلبها إياه.. سيتفتت جسد الرواية ويتوزع على أشكال تعبير جديدة. في الزمن المعاصر المتسارع لن يكون بالإمكان الجلوس إلى مئات الصفحات بالطريقة المتواصلة ولا حتى المتقطعة نفسها التي عرفتها قراءة الرواية. سيميل هؤلاء القراء أكثر إلى من ينتخب لهم صفحات، بل وشذرات من الرواية عبر الآيباد والموبايل، وشاشة التلفزيون والحائط الإلكتروني. أيضاً ستفعل الأفلام فعلها بصورة أكبر، فيعيش القارئ الرواية في ساعة، وأحيانا أقلّ. ولمن له شغف بالكلمات وليس لديه وقت كاف للتمتع بالروايات في نص مسهب، سيتفرج على الفيلم مقرونا بشذرات وسطور من الرواية بصيغ مبتكرة، جذابة، ومشبعة بالجماليات. فلا وقت، ولا حاجة لما هو أكثر”.

أعتقد أنّ الحديث عن أنّ الرواية مهدّدة بالزوال يضمر نوعاً من المبالغة، أو إشارة تحذير من مغبّة الوقوع في دوّامة التكرار ومتاهة التقليد والارتباك، والاستمتاع بالتصدّر المرحلّي الذي لن يشكّل أيّ حماية مستقبليّة، بل قد يزيد من سرعة التهديد وخطورته.. التكرار هو آفة الفنون، والاستكانة للتقليد مستنقع آسن يفسد مستقبل مختلف الأجناس الأدبية.

وأعتقد أنّه ليس هناك زمن يعطي المجد وآخر يسلبه، بل إنّ الجنس الأدبيّ ينتزع المجد بقدرته على التصدّر، وقوّته على الحضور والبروز، وإلّا فإنّه سيكون في موضع المُشفَق عليه، المُعطى ما ليس من حقّه.. ولو كان الأمر كذلك، فإنّ الشعر أيضاً في طور الزوال، لأنّه أعطي حقّه في زمن ما وأخذ من المجد الكثير، ودارت دورة الأزمنة لتمنح الاعتبار لغيره، وتعيده إلى العتمة والهدوء، وتبقيه في “متحف الذاكرة” كنتاج بشريّ معتبر.

ويمكن التأكيد هنا على أنّ الشعر كالرواية، كلاهما في حرب الحياة نفسها، وفي صراع الوجود والاستمرار، وكلاهما في مواجهة تحدّ جديد مختلف، تحدّ زمنيّ عنيف؛ طوفان التكنولوجيا المبدّدة للقارّ والمتخيّل رسوخاً أو تجذّرأً في تربة الواقع التي تبدو هشّة، لا يفسح أيّ مجال للتملّص من تأثيراته وتداعياته، ويجب عليه تجديد أدواته ليبقى حاضراً، وكي لا يفقد بريقه، أو يستعيد بعضاً من بريقه المفقود.

ويمكن هنا السؤال، كيف يمكن حصر الرواية بجمل بعينها، أو صور مجتزأة، وكأنّ الاجتراح سيكون سمة العصر القادم، أو الذي نلهث في أتونه، أو إليه محمّلين بمآسينا وأحلامنا وآمالنا؟ وإذا كان المثال عن احتمال الاكتفاء بمقاطع أو جمل من الرواية، فما الذي قد يحمي القصيدة الشعريّة؟ هل قِصرها يغدو سلاحها في معركة البقاء والاستمرار أم أنّ لديها مقوّمات أخرى تفيض بها، ولا يمكن للرواية أن تمتلكها وتتسلّح بها؟

لعلّ التحوّل الثوريّ الذي تنبّأ به الجرّاح أو أشار إلى أنّه لا بدّ “سيطرأ على شكل الرواية لغة وعمارة وشخصيات ووظائف”، هو نفسه يتربّص بالشعر، أو يمكن القول إنّه اجتاح عالم الشعر، وبدّد عناصره، بحيث أغرقه بشكل فوضويّ، ودفعه إلى الخلف، لتتصدّر الرواية، وتخطف بريقه، وتقوم بتوظيفه في ثناياها، باثّة الروح فيه، ومفيدة من تاريخه وتأثيره الجماليّ الذي لا تمكن الاستهانة به.

لكل عصر أدواته، ولا يمكن الاستغناؤ عن أي جنس أدبي أو الاكتفاء به، وإلا سنكون أمام تصحّر قد يجتاح المستقبل ويحوله إلى أرقام

ولعلّ ما سيحمي الرواية من الزوال، هو نفسه الذي من شأنه أن يحمي الشعر، وأيّ جنس أدبيّ آخر، هو الشغف بهذا العالم والوفاء والانتصار له، وجعله قضيّة -علاوة على أنّه حمّال قضايا- لا تصويره أو تقديمه كلعب خارج الحياة، بل جعله مركز الحياة، أو حياة المشغوف بها المسكون بعوالمها المتفاني في تقديسه لها، والتعاطي بجدّية ومسؤولية معها، من دون الارتكان للاستسهال أو المسارعة للحاق بركب مَن يثيرون ضوضاء من حولهم من دون أن يكون لديهم نتاج مؤثّر قادر على إثبات الحضور والاستحقاق بالجدارة والبقاء والاستمرار.

من المثير أنّ الرواية ببنيتها الانفتاحية قادرة على صهر الفنون والأجناس الأدبيّة في بوتقتها غير المحدودة، وقدرتها الاستيعابية الهائلة التي قد تعجز القصيدة، وتميل للترميز والتكثيف أكثر، بحيث تقدّم وجبة أدبيّة سريعة، في حين أنّ الرواية تعمل على تقديم حياة متكاملة تضيق القصيدة ذرعاً بها، أو تنحو لتقديمها في صور موجزة وامضة سريعة خاطفة.

استشففتُ، كقارئ، من حديث الجرّاح نوعاً من المفاضلة بين الشعر والرواية، وأنا هنا لا أجد نفسي ميّالاً لأيّ مفاضلة من أيّ نوع كانت، ولا أحاول إثارة مفاضلة بين جنسين أدبيّين لهما حضورهما المجمّل في عالمنا، ولا الزعم بأفضلية أحدهما على الآخر، لأنّني موقن أنّ لكلّ منهما عدّته وعتاده وعالمه ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن يلغي الآخر، أو يحلّ محلّه، ولا يعني تصدّر أحد الفنون في حقبة زمنيّة ما تهميش الآخر، بل هو نوع من التوجّه المرحلّي، الذي قد يطول أو يقصر، والذي يعكس الذوق العام لأبناء العصر الذي يفضّلونه أو يصدّرونه ويحتفون به بطريقتهم، من دون أن يلغي الآخر أو يقزّمه، لأنّ التكامل سمة الآداب والعلوم الإنسانية لا التفاضل أو الإلغاء والتهميش.

يحقّ للشاعر أن تكون له مفضّلياته، أو “أصمعياته”، سواء في عالم الشعر أو الرواية، وهذه تكون منطلقة من زاويته الشعريّة التي تصطفي ما تراه أنسب للبقاء، بحيث يغربل القصائد والحكايات بغربال الذائقة النقدية، والاحتكام للأدوات التي يتقنها، والتي تختلف من مبدع إلى آخر، ما يثري عالم الأدب بـ”مفضّليات” قد تصل إلى درجة التضارب أحيانًا بين مبدع وآخر.

وكما ذهب إليه الأميركي جوناثان غريشام في كتابه “الحيوان الحكّاء.. كيف تجعل الحكايات منا بشراً؟” فإنّه قبل عشرات الآلاف من السنين، حين كان العقل البشري ما يزال شابّاً وحين كانت أعدادنا قليلة، كنّا نروي الحكايات لبعضنا بعضاً. والآن، بعد عشرات الآلاف من السنين، ما زال بعضنا يبتكر الأساطير بقوّة حول أصل الأشياء، وما زلنا نشعر بالإثارة أمام الغزارة المدهشة للقصص على الورق، وعلى خشبات المسارح، وعلى الشاشات؛ من قصص جرائم قتل، وقصص جنسية، وقصص مؤامرات، وقصص حقيقية وأخرى كاذبة. ويؤكّد أنّنا، بوصفنا جنساً، مولعون بالقصة. وأنّه حتّى حين يخلد الجسد للنوم، يظلّ العقل مستيقظاً طوال الليلة، يروي القصص لنفسه.

ما الضير لو نمضي إلى المستقبل بأحصنة مختلفة، ملوّنة، وبأجناس أدبيّة قادرة، كلّ بطريقتها المميّزة، على رسم ملامح المستقبل المفترض، أو تأثيثه بالجماليات الممكنة، بعيداً عن الانتصار للشعر على حساب الرواية أو القصّة أو المسرح، فلماذا يكون الشعر وحده الحصان الرابح الماضي للمستقبل، ولا تكون الرواية الحصان الرابح باعتبارها متصدّرة الآن، ويمكن أن تكمل هيمنتها وتبقي الشعر محجّماً في زاوية قصيّة!

كلّ مبدع يراهن على مجاله الإبداعيّ ليبقى ويطغى ويسود ويمضي إلى المستقبل، ويكرّس على أنّه الميدان الرابح، وهذا من جماليات الفنّ، أو أوهامه وجنونه، لكنّه بالنهاية يبقي جذوة الأمل متّقدة في نفوس أصحابه، ويواسيهم، ويعزّيهم، ويبقيهم متماسكين صابرين في مواجهة الأزمات التي تغرقهم في واقعهم، أو تلك التي تحاصرهم بحيث تحوّلهم إلى غرباء في محيطهم.

ولا يخفى أنّ لكلّ عصر أدواته، ولا يمكن الاستغناء عن أيّ جنس أدبيّ أو الاكتفاء به، وإلّا سنكون أمام تصحّر قد يجتاح المستقبل ويحوّله إلى أرقام، أو يفرض عليه لوناً واحداً، مهما بدا ساحراً، فإنّه لن يبرز جماليّاً إلّا ضمن قوس قزح الأجناس الأدبيّة الأخرى التي تكمل عالم الإبداع وتبقيه مفتوحاً على التجديد والتجريب والتنوّع الذي لا بديل عنه.

عن مجلة الجديد اللندنية عدد كانون الثاني 2020.