محمد جعفر: كنت في الثامنة عشرة من العمر حين كتبت روايتي الأولى

محمد جعفر: كنت في الثامنة عشرة من العمر حين كتبت روايتي الأولى

إعداد الحوار: فريق الرواية نت

يصحبُ عملية الكتابة القلق والهواجس الداهمة، وقد يكون التوتر مع كتابة الرواية أكثر حدةً بما أنّه عالم لا يمكن اقتحامه من دون وعي مسبق بأدواته وتفهّم عميق لخصوصياته، كما تتطلّبُ الدراية بصنعة هذا الفن ومقتضياته التشكيلية تراكماً معرفيّاً بمراحل تطوّره. لذا، يحتاج الروائي إلى امتلاك الحسّ النقدي بحيثيات الحرفة وتنظيم المادة القصصية بصيغة تظهر بَصمته.وكان لنا حوار مع الروائي الجزائري “محمد جعفر” الذي صدرت له رواية هذيان

– كيف كانت علاقتك بفن الرواية قبل أن تبدأ بكتابة نصك الروائي الأول؟

لطالما كنت قارئا نهما، وتوثقت علاقتي بالقراءة من الصبا، مطالعا كل ما يقع تحت يدي. وأذكر أنه وقبل السن العاشرة تكونت لي مكتبتي الخاصة والتي كنت أحرص على تنميتها باستمرار. اكتشفت الرواية لما وقعت بين يدي رواية البؤساء لفكتور هيجو، ولقد أصبت بالدهشة الكبيرة وأنا أكتشف فيها عوالم بدت لي قريبة جدا مني رغم بعد الأحداث زمانيا ومكانيا. هكذا أغرمت بهذا الفن، وأدمنت القراءة فيه، فتعرفت على رشيد بوجدرة وهدوقة ووطار ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم قبل أن أبدأ بتنويع قراءاتي. ولا تزال هذه العلاقة مستمرة بكثير من الحب والشغف حتى أنه أمامي الآن عشرات الأعمال التي تنتظر دورها، وأخشى أنه وكالعادة قبل أن يحين وقت قراءتها ستكون قد أضيفت إلى القائمة أعمال أخرى جديدة.

– هل تأثرت في تجربتك الأولى بأعمال معينة أو صادفت حدثاً شعرت بأنه لا يمكن التعبير عنه إلا في الشكل الروائي؟

بدأت الكتابة تدريجيا. هكذا مارست وأنا في بدايات الشباب كتابة الخاطرة والنص القصير وعمدت إلى نقل الكثير من الاختلاجات التي كانت تعبرني، ممرنا نفسي، منتظرا أن يحين الحين وأتمكن من ذلك النفس الذي يخول لي كتابة نصوص طويلة، وقد نشرت الكثير من هذه النصوص في الجرائد الوطنية كالجمهورية والشروق، بالإضافة إلى مقالات كنت أكتبها وأنا في العشرين من العمر.

كنت في الثامنة عشرة من العمر حين كتبت روايتي الأولى. عمل كلفني الكثير، إذ رسبت، وبسبب اهتمامي الزائد وبل المفرط به، في امتحان البكالوريا. وكما لا أزال أذكر فقد كنت متأثرا خلال تلك الفترة بالطاهر وطار ورشيد بوجدرة تحديدا، هذا قبل أن أكتشف نجيب محفوظ لاحقا. وبالمناسبة لا أزال أحتفظ بهذه المسودة حتى اليوم، وأستطيع أن أصرح جازما أنها عمل يستحق النشر لو أعملت فيه يدي قليلا. لقد كان تجربة ناضجة إلى حد ما.

 – يرى بعض النقاد أن ما تدور حوله الرواية الأولى عبارة عن سرد لتجربة ذاتية وسمي هذا النوع برواية التكوين هل يتمثل عملك الأول لهذا التوصيف؟

لم يكن من الممكن أن تحيد تجربتي الأولى بعيدا عما أوردته. لقد كان لها علاقة مباشرة بتجاربي الذاتية؛ لكن الحديث هنا يتعلق بالمسودة التي سبق الحديث عنها، وأما تجربتي الأولى المنشورة فلها علاقة مباشرة بالدربة والنضج. لقد تخليت قبلها عن نصوص عديدة، وأما ما نشرته فأعتقد أن فيه الكثير من الاحتراف والبحث، وإن اعترته بعض الشوائب وهي ترجع بالأساس لقلة الخبرة والاحتكاك.

كنت حينها وحيدا ودون معين، وفي مدينتي لم يتسن لي التواصل مع أي مبدع، كما لم أحظ بأي قارئ، وأما الأساتذة الذين حاولت الاستعانة بهم فقد خيبوا ظني. أحدهم ضيع نصا لي، والآخر رفض إعادته وبقي يماطل ويتحجج، وأذكر أن نصي الأخير هذا كان عبارة عن معارضة لأحد أعمال توفيق الحكيم.

لقد كان عملي الأول الصادر بعيدا كل البعد عن روايات التكوين لأنه لم يكن أول نص أكتبه، وقد تناولت فيه شخصية مثقفة اغتيلت في فترة الإرهاب، وحاولت من خلالها تجسيد وتمثيل النخبة، أمالها وخيباتها، في أحلك فترة مرت بها البلاد، أي سنوات الإرهاب والخراب.

 – هل تعتقد بأنَّ سر وراء تصاعد الإصدارات الروائية يكمنُ فيما يوفره هذا الفن من الحرية في إطار أوسع لتناول المفاهيم الاجتماعية والفكرية والسياسية وتراخي سلطة الرقيب في عالم الرواية؟

ما أعتقده أن للرواية تلك المساحة من الحرية للقول، قول معتبر لا ينتبه كثيرون للفخاخ التي ينصبها لهم حين تتداخل لديهم الأنا المبدعة مع أنوات الأبطال، خصوصا وأن أغلب الروايات الحديثة باتت تميل إلى الراوي البطل ويغلب عليها أسلوب البوح، هذا الحد الفاصل الجامع في نفس الوقت يجعل الكثيرين يقعون في حالة الالتباس ومن تم السقوط. ولعلي ومن خوفي من أقع في المحظور راهنت في أكثر من عمل لي على الراوي العليم، هكذا تكون الحدود أوضح والفواصل ثابتة لا غم فيها؛ كما أنه وفي حديثنا عن تصاعد الإصدارات الروائية (عربيا) أحب أن أشير أن الكتابة ظلت في فترات كثيرة من تاريخها أشبه بالموضة الدارجة، يلبسها كثيرون ثم لا يلبث أن يقلعونها، وهي اليوم أكثر من ذلك. لقد تحولت إلى نوع من البرستيج الاجتماعي، كما أن الزخم الإعلامي الذي تحظى به يجعلها مطلب الجميع. الجميع يريد أن يكون تحت الضوء، وهذا ما يتصور الكثيرون أن الرواية توفره دون الفنون الإبداعية الأخرى. لكن في النهاية لا تمنح الرواية نفسها إلا لأولئك الذين يخسرون في سبيلها الكثير. إنها كالمرأة المتطلبة قلة من يصبر عليها.

– هل تعتقد بأن الورشات الخاصة بكتابة فن الرواية تزودُ المشاركين فيها بأدوات صنعة هذا الفن و ماذا عن تجربتك في هذا المجال؟

تقوم اليوم ورشات الكتابة بفعل التسريع، وهي وليدة عصر يتسم بالسرعة وإن كان أكثر ما يولده هو التسرع. كما أن هذه المهارات التي تدعي هذه الورشات تمكين المنخرطين فيها منها، كان يمكنهم اكتسابها عن طريق القراءة المكثفة وبكثير من التمرين. القفز على الحواجز يولد أعطابا لا يمكن التستر عليها دائما، ولا أظن أن هناك من سينجح في مهنة الكتابة ما لم يكن قارئا ولاقطا جيدا، والذي يعتقد أنه بعد ورشة أو اثنتين قد صار جاهزا للكتابة، ويفعل ذلك دون شطب ومحو ودون أعمال أولى يعالجها بكثير من الصبر والمشقة ثم ينتهي إلى التخلص منها لأجل أعمال أخرى يتصورها ستكون أنضج وأثمن، لا يمكن التعويل عليه.

ربما أكون من جيل آخر، جيل سابق آمن بأن صناعة اسم في أي وسط أو مجال يلزمه الكثير من الصبر والمعاناة، وأما الاستعجال فلن يوفر في النهاية إلا طعاما كثير الدسم والبهار قليل الفوائد ولا صحة فيه، كما أنه وأيضا لا يمكن لأحد تعلم الحساب دون أصابع عشرة في يديه.

الرواية نت