كاهن دورا (ملحمة قلق الوجود) لعبد العزيز الموسى

كاهن دورا (ملحمة قلق الوجود)               لعبد العزيز الموسى

زياد الأحمد

رواية “كاهن دورا” لعبد العزيز الموسى الصادرة عن دار نون4/ 2017/ رواية إنسانيّة، متدفقةٌ هادرةٌ كسيلٍ، وسَلسةٌ ناعمةٌ طريةٌ كزبدة الغنم.

 تُباغتنا من سطورها الأولى، ملتفةً بشُفُوفٍ من سحرِ الأحلام والأساطيرِ المعتقةِ في جرار الذاكرة، تشف عن جسدٍ من ضوءٍ صارخٍ في عتمة العيون المُطفأةِ، وسراديبِ العقولِ المُطَحْلَبَة.

روايةٌ مُغويةٌ مُشاكسةُ لَعُوب، تجرجرُ قارئها بعطر غامض مفعمِ بلذّة المعصية؛ معصيةِ الزمان والمكان والجسد، تخاطبه بلغةٍ منسيةٍ في أعماقه منذُ آلافِ السنين.

الرؤيا السردية:

 تنصب بؤرة رؤيا الرواية على نقطتين؛ الأولى: القلق الوجوديّ الذي يعيشه الإنسان والمتمحور في الثنائية الضدية؛ الحياةِ والموتِ، وعنها يقول الراوي “غبشةٌ من قلق غير مفهوم تغشاني كلّ مرّة أقف فيها على هذه التبّة العالية أمسح بعيني المنطقة الواقعة تحت مرمى بصري يتداخل البعيد بالقريب” ص 6. ويعني الماضيَ السحيقَ والحاضر.  والثانية: الدعوةُ إلى الحلم كمخرج من نفق هذه الثنائية المظلم “الحلم لقاحٌ ورديٌّ يمنحنا الأملَ والمتابعة” ص66.

الحكاية:

ولإيصال هذه الرؤيا يعتمد الراوي مجموعة حكايات مركبّة متداخلة، فضاؤها الزماني يعتمد على عدة حَيَوات تفصلُ بينها آلافُ السنين، لكِنْ يجمعُ بينها أنها عاشت على جغرافيا واحدة؛ هي قريةٌ على تخوم البادية “خربة عواد“، وحاول أن يسحبَ شخصياتِه عبر الأزمنة من أيام “كاهن دورا” قبل أكثر من ألفي سنة، لنجد لها معادلاتِها وامتداداتِها في بداية القرن الحادي والعشرين – سنة كتابة الرواية2004- . ولم يكن أمام الروائي من حيلة فنية إلا الحلم الذي ينسجه ببراعة مقنعة ليحول أمامنا العالم الروائي التخييلي إلى واقعي مقنع.

تعتمد الرواية على راوٍ عالم كلّي المعرفة، يرصد شخصياتِه من الداخل والخارج، ويمتلك قدرةَ التنقل عبر الزمن؛ تارة يواكب زمن الحدث، وتارةً يسبقه وتارةً ثالثة يعود به إلى الوراء.

هذا الراوي هو معلمُ مدرسةٍ شارفَ الستينَ من عمره، وأُحيلَ إلى التقاعد، وكي يرفع السقف عن مرتّبه يعود لمدّة شهرين إلى التعليم، وبواسطة أحد المتنفذين الأمنيين “أبي أكرم” يُعيّن في “خربة عواد” تلك القرية البدويّة التي تقوم على أطلال منطقة أثريّة تعود إلى العهد الآشوري، كما أنها كانت تضج بالحياة المسيحية قبل ألفي سنة، ولم يبق منها سوى قناطرها وأعمدتها المهدمة ومغاورها وسراديبها، أندثر بشرها، ولكن جنّها بقُوا أحياءً في ذهنيّة أهل الخربة، وحكاياتهم، وفي عيون بعضهم كالجنية “أم عبيدين” التي رآها الكثيرون تمشّط شعرها بين أطلال الخربة.

 وينفخ الأستاذ من مخيلته وأحلامه الروح في تلك الحياة البائدة، بيوماتها البسيطة ومعتقداتها وتناقضاتها، وتركيبتها الاجتماعية والدينية، ورويدا رويدا تنبعث من موتها لتتداخل بالحياة المعاصرة عبرَ سردٍ تتداخلُ فيه حوادثُ أكثرَ من حياة. ولا يُخفي الراوي/ الأستاذ عن القارئ أنه يتخيّل ويحلُم، يقولُ عن هوسه بالتردد على تلك الاطلال الخربة: أنا ودون أن أقرّرَ أنشدُّ لهذه الأمكنة، تستهويني بغرائبَ أتوهّمُها، دارتْ هنا، وعاشتْ وماتت. ص 105. كما أنه يعترفُ باختلاقه الأحداث فبعد أن روى لنا لقاء غرامياً بين “دورا وباسو” في ذلك الزمن الغابر؛ يشعرُ بشيءٍ من الخطأ فيقول ” أميل إلى أن أجد ذريعة، مناسبة، لأخلصها من باسو، بصعوبة جرأناهُ عليها، ولكنّهُ لن يعفّ عنها، هل باتَ عليّ أن أشعرَ بالذنب لأنني قسّيت قلبَ باسو الخوّار حتى وثبَ على دورا. ص 107. ويستغرق، في أوهامه، وأحلامه حتى يكاد يرى أنّ الشخصيات البائدة لم تمتْ بل تقمصت الشخصياتِ الحاضرةَ، وتتابع حياتَها فيها، وبمعنى آخر شخصيات وأحداث الخربة الحاضرة أشبه ما تكون بأغصان شجرة تمور بالخضرة والحياة ولكن جذورها الدفينة هي تلك الحياة الغابرة، فما زالت حيةً وتمدّ تلك الخضرة بنسغ حياتها.

ففي الزمن المدفونِ تحتَ “خربة عوّاد” نجد شخصيةَ “دورتي” التي اتّهمت بشرفها مع سائس الخيل، وصبرت على زوجها الذي لا تحبّه، ونجد الكاهنَ الذي يحكم بعصا الآلهة ويملك بطاقات دخول الجنة والنار، وهو الذي يغتصبُ “دورتي” في مرضها لينقذَها من الشياطين، وهي التي قتلته أو فقأت عينه؛ كما أشيعَ حين خشيت على ابنتها منه. وابنتها دورا الزوجة الصابرةُ على مرض زوجها المقعد سنين طويلة، والتي يضجّ جسدُها بأنوثةٍ جامحةٍ نحو الأجير “باسو” الذي يعشقها بصمت هو الآخر لكنّ خوفَه من عواقب مواعظ الكاهن، وإحساسَهُ بغَيْرة زوجِها المُقعدِ جعلاه يواري ناره، ويتفانى في خدمة عشيقته الفاتنة، ولكن ما إن مات الزوج حتى جمح بهما العشق الدفين، ورماهما في ليلة ماطرة إلى اصطبل الدوابّ، حيث تضوّر التبن تحت لهيب جسديهما العاريين، وهنا يفور بركان الكاهن الغاضب لشهوة جسده وليس للآلهة، فيجدون “باسو” غريقا في مسيل السيل، وتموت أم دورا ولكنها تعود لتقتل الكاهن قبل يفتك بابنتها كما فتكَ بها من قبل.

وفي الزمن الجاري فوق الخربة نجد “أمَّ تامر” التي سكنَ الأستاذُ حجرةً في بيتها؛ امرأةً قويةً لا تشبه نساء الخربة، لكنها تشبه “دورتي”، تشرب نارجيلتها على المصطبة أمامَ الدار غيرَ عابئةٍ بأحد، تذكر من حياتها أنها حُمِلت هديةً “لفواز” المالك الأساسي للخربة؛ لتقوم على خدمته، وتكون من المقربات إليه.

ونجدُ “السيّد” والملقب بـ “مردود” والذي ضيّعه أهله طفلاً وردّه الله إليه، ليصبح ولياً، فهو الذي يستطيع التواصلَ مع الله والجنّ عن طريق أجداده، ورغم أنه يعيش معتكفاً في إحدى المغاور، ورغم قذارته ورائحته النتنة يتردد على قبو “فوّاز” وحين تمرض أم تامر كان لابد من الاستعانة بالسيد ومزهره، -كما استُعِين بالكاهن لشفاء دورتي-لإخراج الجن منها، فأخرجه، ولكنّه حلّ محلَّه، فوجدت نفسَها مُنقادة لمغارته. وضاع بين الشائعات نسبُ ابنها تامر، فمنهم من يقول هو ابنُ السيّد، ومنهم من يقول هو ابن فوّاز ولهذا أورثَ أمه قطعة أرض، ومنهم من يقول هو ابن هليّل الذي زوجها له سيدها فواز بعد ما خبره عنها مع السيد، وحين مرضت ابنتها “صوغة” واقترحوا حملها إلى السيد كانت أم تامر قد سبقتهم إلى مغارته ومن يومها اختفى، قيل إنه اختفى في السرداب، وقيل قُتل، وقيل فُقئت عينُه، وهو الحدثُ ذاتُه الذي كان بين دورتي والكاهن، وبهذا تكون “صوغة” تجسيداً عصرياً لشخصية “دورا” وهو ما يصرح به الراوي: للإنصاف بحّةُ صوغة ترنُّ مرحةً وفي دورا تتأوه حزينةً ساحرة، صوغة تنقذُ ما تبقى من دورا وتعيده فاتناً عصياً على الفهم، حالة مفهومة ومبهمة لا أستطيع شرحها“. ص133.

وحين يصف عيني دورا يقول: استمتع بوجود دورا قبالتي كلّ مساءٍ، وأقاربُ بهلعٍ حذرٍ اعتمالاتِ صدرِها الراجفِ وعينيها السوداوين البارقتين بلهفة الخضرة، وعطونة الغابات، ورعشة الرقصات البكر، ونظراتها المُطارَدة التي وكأنها ستهم بالبكاء ص14.

وفي موضع آخرَ يحدّثنا عن صوغة: ما بلبل خاطري ليس وجهُ صوغة …لكنهما العينان، خلسة صافحتهما بدفع خفي في نفسي، أتخوف من مزاجيات حدوسي اللعينة، كيف صدف وصار لصوغةَ وجهَ دورا؟ وما يمكن الاعتراف به وهو أكثر خطورةً إذا كان لها عيونُها، عيناها تماماً أو هذا ما لمحته وصدقَتْ عليه أخيلتي الناشطةُ المشبعةُ بعيني دورا اللتين رأيتهما اليوم في السرداب. ص 126

وبخلاف دورا / صوغة تأتي شخصيةُ المعلمةِ الوكيلة “فطينة” البنت المتديّنة المُجلبَبة والتي لا يرى لها جذوراً في ذلك الماضي السحيق، فيصفها بقوله: أنا أعرفُ ومتأكّدٌ أن فطينة تعيش عمراً بيولوجياً مُسطّحاً وأحاديّ الرأسِ، لم تعش عمراً آخر، نباتٌ موسميٌّ بانتهاء الموسم ينتهي. ص156.

ومن خلال إسقاط تلك الشخصيات الحيّة على جذورها الدفينة تحت ركام الخربة تتبين طبيعةُ الحلمِ الذي يريده الراوي، ويعترف بأنه حلم، وخلاصته أنه في أعماقنا نحمل جذورنا التي لا نعيها أحياناً، ويتضح هذا في تعريف الراوي لدورا التي يعشقها ويستحييها من تحت الأطلال الدارسة بقوله: دورا حلمٌ مقلوبٌ وغرائزُ حيّة، تصهل على كل المفارق، أحياناً تشدّنا للخلف وأحياناً للأمام …. تعمل هذه الغرائز كأحسن ما تكون على نحو غير محسوس. ص 14.

لغة السرد ولغة الأحلام:

 الروائي عبد العزيز الموسى دارسٌ للفلسفة، وعلمِ النفس، وقد استند إلى رصيده المعرفي وقلقه الوجودي المستند إلى واقعة المعيش في كتابة روايته، إضافة إلى موهبة نادرة في قدرته على الحكي والقص بأسلوب متدفق أخّاذ يتجلى من خلال الرواية.

ففي النص اختبأ الروائي الموسى وتماهى تماماً وراء شخصية الراوي/ الأستاذ، بعد أن حمّله قناعاته المعرفية مما وصل إليه علم النفس التحليلي من فرويد ويونغ وأدلر، لكنه اعتمد أريك فروم تحديداً في تحليله للحلم، فكانت لغةُ السرد هي لغة الأحلام، والأساطير التي يسميها فروم اللغة المنسية ويصفها: إنها اللغة التي يُعبَّر بها عن الخبرات والمشاعر والأفكار الداخلية، وكأنها تجارب حسيّة، أو حوادث في العالم الخارجي، إنها اللغة التي لها منطقٌ مختلف عن منطق اللغة المعهودة التي نتحدث بها في النهار، منطقٌ لا تسود فيه مقولتا الزمان والمكان بل الشدّة والتداعي. (ص20 أريش فروم اللغة المنسية/ طبعة دار الحوار2011) ونجد أن الروايةَ كلَّها هي حُلُمٌ طويلٌ مكتوبٌ بهذه اللغة الخارجة على اللغة الاصطلاحية، ففي السطر الواحد قد يتداخل زمنان، وعبر فقرة واحدة تتجاور شخصيات من أماكنَ وأزمنةٍ متباعدةٍ آلافَ السنين، وهذا ما يجعل قارئ الرواية وفق مقاييس اللغة الاصطلاحية يَحارُ أحياناً في فهمها، ويصرّحُ الراوي باعتماده الحلم ولغته للوصول إلى غايته:”في الحلم من تلقاء ذاتِها تتبدلُ الأحوالُ دونَ مشورتنا وحساباتنا الأرضية”.

ويقول: “لقد بنيت لنفسي عوالم لا تتطابق مع ما حولي” ص7.

في الحُلم بمتناولنا أن نُفصّل الوقائعَ بمقاس رغائبنا” ص 89

وقد زاوج الكاتب في لغته بين تلك “اللغة المنسية” لغةِ الحلُم وانعتاقاتها من منطق الحياة الواقعية، وبين لغة الشعر، فجاءت بعضُ المقاطع أقربَ إلى قصائد النثر. ففي وصف حالة دورا بعد نهوضها من مطارحة باسو الغرام يقول: ” نهضت …. بحيويةٍ شاهقةٍ، بارتياعاتٍ نديّة حلوة، في صدرها تتخبط مواءاتٌ حانيةٌ، وخضاب ووعود الاشواق والآمال. ص98.

وليس غريباً أن تقترب لغة رواية كهذه من لغة الشعر بحكم أنها تسردُ حلماً من أحلام اليقظة قبل أحلام النوم، فللشعر والحلمِ والأساطير لغةٌ واحدةٌ كما يقول علم النفس.

ولابدّ من الإشارة إلى أن اللغة التي كُتبت بها الروايةُ لغةٌ فصيحةٌ غنيةٌ متدفقة، لكّنها كانت في كثير من مواضعها تلامسُ العاميّةَ المحكيّةَ، وحرارتها التَداوليّة لدرجة أنّ القارئ يظنُّها عاميةً، وهي من صلب الفصيح. كقوله في الإشارة إلى المعلمة الوكيلة ” المخلوقة المتجلببة الهبلاء” ص 65. وفي وصف تامر بـ “قاشوش البطن” كناية عن أنه الولدُ الأخيرُ لأمه.

انهيار الحلم الواقعيّ يرمينا إلى الواقع الحلمي:

تطغى على الرواية روحٌ ناقدةٌ ساخرةٌ من الواقع المعيش؛ بتركيباته السياسية والدينية والاجتماعية، والذي أدى إلى القلق الوجودي لدى الإنسان بشكل عام عبر العصور  ودفع به نحو الحلم كحالة للخلاص، ومن أهم ما انتقدته الرواية وشرّحته:

  1. لغز الحياة “المحكومة بمراسيم أرضية وسماوية وبيولوجية” ص 149. والمنتهية بفوهة سوداء هي الموتُ، ذلك الكبشُ الأملحُ الذي سيذبحُ في النهاية كما يقول الشيخ في بداية الرواية، ويصرح الراوي بجهله في معرفة الحد الفاصل بين الجنة والنار، وكأنه يقول ما كان يدخل الجنة في زمن ما قد يدخل النار في زمن آخر “لا تسألني على كل حال عن الكبش الذي اسمه الموت والذي سيسحب من قرنيه إلى المكان الذي يتوسط المسافة المظلمة بين الجنة والنار، ويتم نحره أنا لا أعرف المكان بالضبط ” ص 5  
  2. فساد الأنظمة الإنسانية السياسية والدينية تاريخياً، فهي خدّاعةٌ كذّابةٌ، تستغل سلطاتها لتخضع البشر لعبوديتها، ولنزواتها ورغباتها، فـ “الكاهن” وسليله “السيد” بقيا متحكمَين بالناس عبرَ آلافِ السنين، ومن موقع سلطوي واحد ومكان واحد هو “المغارة” بما تعنيه من رمزية البعد عن صخب الحياة وروحها وحقيقتها، مغارة مشبعة بالدم ورائحة القاذورات، ويبرئ الراوي الآلهة من آثام أولئك: ” الآلهة ليست في النهاية بحاجة لكهنة صخابين، عادة يضعون أنفسهم مكان أربابهم المرهقين غالباً، ويحتملون خطايا الناس” ص41. ولا يختلف رجال الدين عن السياسيين الذين يكذبون على شعوبهم ويوهمونهم بعظمتهم وانتصاراتهم المزيفة، وقد مر الراوي على حرب تشرين بشكل رمزي ساخراً من انتصاراتها، وعلى كثرة الأعياد المنتصرة الوهمية “عيد الجلاء عيد الشجرة عيد الشعنونة كلها أعياد منتصرة” ص 65.
  3. الأفكار الرجعية والخرافات التي تتحكم بالمجتمعات الإنسانية “أفكار لتوها عائدة من المرعى” ص 69. أو كما وصف المعلمة الوكيلة فطينة المخلوقة المتجلببة الهبلاء بأنها لا ترى من الحياة إلا مساحة إصبعين يسمح بهما خمارها.

ونتيجةً لما سبق كان لابدّ من الحلم كطريقٍ وحيدٍ للخلاص من كل تلك المعيقات التي تقف في طريق حياة الانسان، والتي تجعل منها حياةً غيرَ مأسوفٍ عليها، ولا يمكن لعاقل أن يحلم بالعودة إليها، بل عليه بحلُم الخلاصِ منها، ويبقى الحلم حقاً مشروعاً غير قابل للاعتقال أو المصادرة ” “لنا الحق أن نحلم، ولا ينافسنا أحدٌ، هكذا على السجية نحلُم ونؤهّب قوانا للعيش، وننتصر، الحلم لقاحٌ ورديٌّ يمنحنا الأملَ والمتابعةَ… ما سنحلم به سيكون أكثرَ حياةً من الحياة” ص 166.

  • الحروب التي يختلقها البشر فيما بينهم والجرائم الوحشية التي يرتكبونها بحق إنسانيتهم؛ ليكونوا بذلك رافداً للموت الذي يؤرق الإنسانية منذ الأزل، فالرواية تبدأ بأصوات انفجارات، تتعاظم رويداً رويداً، وليحدثنا بعد ذلك عن الجثث والاشلاء التي تتطاير والرؤوس التي تُقطع. وإذا إذا علمنا أنّ الرواية قد كتبت عام 2004 فلا شكّ أنها تحمل في تلك المشاهد الدموية نبوءة لما حدث في سورية بعد عام 2011.

يقول: “في ربعة درويش العرب يدوسون ويلعقون ويستجدون ويقطعون الرؤوس” ص135

“أحشاء متفسخة بعد القصف، وقبلَ القصفِ نلتقي بالأحشاء على كلّ الدروب، عدد القتلى بعد القصف بعدد المساجين تماماً” ص106.

كما تتضمن الرواية نقداً لاذعا للتاريخ وحروبه حتى الإسلامية منها “يخطب فينا مذكراً بفضائل الخليفة أبي بكر الصديق: لا تقطعوا شجرة، ولا تقتلوا طفلاً..امراة ..ناسكاً لم يقل رجلاً” ص117

  • شقاء الناس وكثرة متاعبهم وتزوير الإعلام الرسمي لهذا الواقع المظلم وإظهاره بحلةٍ بهيّةٍ مشرقة، وذلك من خلال نقد “أم تامر” المسلسلاتِ البدويّة التي تصور حياة البدو في أحسن حال، وهم في حضيض الشقاء.

تقول أم تامر “هؤلاء ليسوا البدو… هل هذه الوجوه البيضاء المتعافية وجوه بدوية، لاحظ النساء مثل الزبدة الطازجة، إذن من يرعى الغنم، ويشبقها، ويحلبها؟ من يطبخ ويخبز ويلم البعر، ويطرد الكلاب، ويتابع الخرفان وينقل الحليب؟ سبحان الله ما هذه النعائم؟ غزل وحكايات، وقهوة مرة وأعراس” …ص 110   

الرؤيا التأملية للوجود:

حالةُ القلق والمعاناة التي طغت على الراوي أكسبته وأكسبت الرواية رؤيا تأمليةً عميقةً للحياة، وموجوداتها من بشر وحجر، فإضافة إلى ربطها حيوات العصور ببعضها بعض؛ والغوصِ في الأعماق المظلمة لشخصياتها؛ غاصت إلى أعماق العصور الجيولوجية التي مرت على الأرض لتشكل تضاريسَها وكائناتِها، فنراه يتغلغل في أعماق الصخور التي شُكِّلَتْ منها أطلالُ “خربة عواد” ليرى فيها لوحاتٍ تشكيليةً تفوقُ في عظمتها كلّ اللوحات التشكيلية التي تعرض في أعظم المتاحف العالمية:

يصف تلك الصخور قائلاً: هي ليست صخوراً بقدر ماهي طبقاتٌ مضغوطةٌ لعصورٍ وأجيالٍ راحلةٍ ….لو تمليت طينتِها فستكتشفُ أنها ليست متماسكةً، أو من نسيجٍ واحدٍ كما يتراءى لنا تخبئ داخلها أسرارَها وذاكرتَها، وتحتضنها بعناد….في داخلها متاحفُ ولوحاتٌ بيولوجيةٌ لا حصرَ لها، ليست كتلك اللوحاتِ التشكيليةِ المُطلسَمةِ المعروضةِ على جدران صالاتٍ محترمة… ص37.

ختاماً: لا يسعني أن اقولَ إلا أن رواية “كاهن دورا” ليست رواية سورية أو عربية فحسب؛ بل هي روايةٌ إنسانيةٌ تتناولُ الهمّ والقلق الذي عاناه الإنسان عبر العصور، هي حلمٌ طويلٌ على شكل رواية، حلمٌ نابع من قلق الإنسان الوجودي ومتاعبه الحياتية المعيشة وتسلط الحكامِ والكُهّانِ على عُنقِ عينيه الحالمتين بالتحليق نحو عالم عَدَني الظلال.

روايةُ حلمٍ مشاغب يمسكُ بناصية العيون لتلهثَ خلفَه حيناً، وحيناً يرواغُها ويداوِرها؛ فيختفي بين أدغال السطور، ويتماهى مع ظلال الكلمات وإيماءات المعاني، فيجبر العيونَ على العودة صفحاتٍ إلى الوراء، باحثةً عن بداية درب اللحاق به. ورغم أنها رواية متعبةٌ لكنّها في النهاية كما أرى تتصدر أعلى رفوف الرواية العربية المعاصرة، وتحلق منها إلى قمم الأدب الإنساني الذي يلامس عذاباتِ الإنسان وجراحاتِه وقلقه الوجودي في كل زمان ومكان.