قراءة في رواية (قلوبٌ أمطرتْ حماماً)

قراءة في رواية (قلوبٌ أمطرتْ حماماً)

زياد الأحمد

   روايةُ “قلوبٌ أمطرَتْ حماماً” للروائية القطريّة مريم السليطي والتي ستصدرُ قريباً عن دارِ الأصولِ العلميّة في إسطنبول؛ روايةٌ تتّخذُ من التاريخيّ، والاجتماعيّ، والسياسيّ موضوعاً لها، فضاؤها الزمانيُّ مَطلع القرن العشرين، والمكانيُّ يمتدّ من شواطئ قطرَ حتى إسطنبولَ والبُلقان، وعبرَ هذه المساحة تتناولُ الروائية مريم السليطي العلاقاتِ الاجتماعيّةَ بعاداتها، وأعرافها، وتقاليدها وحتى أغانيها الشعبيّة التي ربطت بين العرب والعثمانيين آنذاك، وخلالَ مرحلةٍ عصفتْ فيها التيّاراتُ السياسيّة الساعيةُ لتفتيتِ الدولة العثمانيّة وتوازع تَرِكَتِها.

عنوان الرواية:

عنوانُ الرواية يختصر في كلماته الثلاث قصيدةً شاسعةَ المعاني، ثلاثُ كلماتٍ تعتمدُ الانزياحَ اللغوي عن معناها المعجمي من خلال تجاورها؛ لتحلّق بالقارئ نحو دلالاتٍ جديدةٍ.

فالمتعارفُ عليه أنّ الغيومَ التي تبخّرها حرارةُ الشمس هي التي تُمطرُ، وأنّها تمطرُ مطراً؛ ولكنْ نحن هنا أمام قلوبٍ تمطر، قلوبٍ لفحتها نيرانُ الهوى والعشق، فتبخّرتْ لتغدوَ غيماً ماطراً، ولكنها لم تمطرْ مطراً، لا ماءً ولا ثلجاً ولا بَرَداً؛ أمطرت حماماً بكل ما تعنيه كلمةُ الحمام من معاني السلام، والمحبّة، والوداد، والوفاء للصاحب وللمهد وللموطن.

فعنوانُ هذه الرواية هو الفضاء البصريّ الأوّل الذي يدلُفُ بالقارئ إلى موضوعها دون مواربةٍ، أو خداع؛ لنجدَ أنفسَنا أمامَ حكايةِ قلوبٍ غدتْ لرقّتها وصدقها كالغيم المعطاء الخيّر النقيّ، تتلاعب بها رياحٌ وعواصفُ، تشرّدها عبرَ الأمصار، ولكنّها لم تستطع أن تمنعَها من الهطول خيراً ومحبةً وتفانياً.

الظاهر والباطن:

يمكن القول أنّنا أمام نصٍّ له ظاهرٌ، وباطنٌ؛ ظاهرٌ يتلقفُه القارئُ من خلال حكاية حبّ يرويها راوٍ عالمٌ بضمير الغائب، وفقَ حبكةٍ بسيطة ينظمُ سردَها خيطُ حكايةٍ تمضي على مسارٍ زمنيّ أفقيّ، يتخلّله شيءٌ من استرجاع الماضي للشخصيات، لكنّها تمضي من بدايتها نحو نهايتها مُمسكةً بقارئها بأسلوبٍ مترابطٍ شائقٍ، وأما باطنها فينصب على رؤيا سرديةٍ بؤرتُها دعوةٌ لإعادةِ النظر في حقبة تاريخية إشكالية.

الحكاية:

ظاهرُ الروايةِ حكايةُ حبٍّ بين أحمدَ الملازمِ القطريّ العربيّ المتطوع في الجيش العثمانيّ، وبين غولجي الفتاةِ العثمانيّة الاسطنبوليّة. كان ذلك في بدايات القرن العشرين، وقُبيل الحرب العالمية الأولى وتحديداً في سنة 1912

كانت غولجي في زيارة بيت خالها السيّد ضياء المفوّض باسم الحكومة العثمانية لتسيير الأعمال الجمركية التابعة لحكومته، في قطر وفي مدينة البدع تحديداً، وكان السيّد ضياءُ رجلاً مُهاباً محبوباً من الأهالي، وله كلمتُه ونفوذُه في العاصمة اسطنبول.

وفي تلك الفترة كانت الأطماعُ الاستعماريّة تكشّر عن أنيابها، وتُحيك المؤامراتِ في الخفاء؛ للانقضاض على سلطنة الخلافة الإسلامية العثمانية وتمزيقها، ومن تلك المؤامرات محاولةُ اغتيال السيّد ضياء مسؤولِ الجمارك، ولكنْ بفضل الملازم العربيّ أحمد الذي سمع بالمؤامرة بواسطة استخباراته الخاصة نبّه السيد ضياء، وقاتل مدافعاً عنه ليلة تنفيذ المؤامرة، وشاركه في ذلك الدفاع الرائد العثمانيّ “ديلي هاجي” الذي كان يمرّ مصادفة تلك الليلة قربَ منزل ضياء.

استبسل الملازمُ العربيّ في الدفاع عن زميله ضياء، وديلي هاجي، إلى درجة أنه رمى نفسه في طريق الطلقة المسدَّدة إلى الرائد؛ فاستقرت في عموده الفقري؛ ولتحول بذلك دون موت صاحبه.

يُنقل البطل العربي ليعالج في منزل السيد ضياء وكانت ممرضته غولجي التي درست التمريض في إسطنبول، وحين فتح الملازم عينية بعد أسابيع رأى نفسه يسبح في خضم عيون خضراء، ومن هناك جرفه تيار صوتها الشبيه بتغريد البلابل إلى عالم من العشق الصامت، وكأن ما بين القلوب ساقية فقد نفذت نظرات أحمد إلى أعماق غولجي هي الأخرى وداعبت خمائل أنوثتها البكر….. ولتكونَ حكاية حبّ أنجبت هذه الرواية، ولا أريد الخوضَ في تفاصيلها كي لا أفسد على القارئ متعة متابعتها.

الرؤيا السرديّة:

 باطنُ الرواية يتجلّى من خلال الغور إلى الأبعاد الرؤيويّة التي أرادت الروائية توجيهَ أنظار القارئ إليها، ونرى أنّها تمركزت حول النقاط التالية:

أولاً: نقلت لنا موجزاً عن الحياة العربية في الخليج العربي وخاصة قطر بداية تأسيسها على الشيخ قاسم آل ثاني، قبل عصر النفط ومعاناة الناس هناك، وهم يعيشون تحت لهيب الصحراء، يغامرون بأرواحهم من أجل لقمة العيش التي يقنصونها من أعماق البحر، فهم ما كانوا يعيشون من عرق جبينهم بقدر ما كانوا يعيشون من حبس أنفاسهم، تحت الماء، أي انهم يعيشون على حساب هواء حياتهم، وكانت آنذاك الحياة في قطر تعتمد على مصدرين للرزق لا غير وهما صيد اللؤلؤ والنخيل.

ثانياً: الروايةِ تتناولُ حقبةً مِفصليّةً من التاريخ العربيّ العثمانيّ قُبيل الحرب العالميّة الأولى، أيامَ كانَ التاريخُ يكتبُه المُنتصرُ، وقد كُتبت تلك الحقبةُ بأقلام أصحاب الهوى، وفق الأيديولوجيّات الفكريّة والسياسيّة التي عصفتْ بالمنطقة آنذاك، وساهمَ الكثيرون من كتّابها في تشويهها عمداً، أو جهلاً متأثّرين بالفكر القوميّ الذي طغى على المنطقة.

ومن هنا تأتي أهميّة هذه الروايةِ في أنها تكتب ذاك المسكوت عنه عمداً أو جهلاً في كتب التاريخ القومي، أو ما سقط منه سهواً إذا أحسنّا الظنّ، تكتبُ المخفيَّ، أو ما أُخْفِيَ من علاقات اجتماعيّة، وأواصرَ وروابطَ حميميّةٍ، عمادُها الدين الإسلامي وما رسّخهُ في النفوسِ من الحبِّ والوداد والإخلاص والتفاني واحترامِ الآخر، تلك الأواصرُ التي جمعتْ بين الشعبين العربيّ والتركيّ أربعةَ قرونٍ من الزمن، رفرفت خلالها الرايةُ الإسلامية، وعاشَ في ظلَها العربُ والعثمانيّون سادَةً للعالم بأسرِه، تلك الراية التي كان أوّل من سَقَطَ بسقوطها العالم العربيَّ، حيثُ قُسِّمَ بعدَها بالمسطرة والسكّين في “سايكس بيكو” إلى دويلات صغيرة.

ثالثاً: الشريان الأساسي الذي يجمع بين شخصيات الرواية ويسري في أجسادهم هو الحبُّ، ولكن إذا تعمقنا قليلاً في منابعِ هذا الحبَّ سنجدُ أنَّ الدينَ الإسلاميَّ هو النسغُ الحقيقيُّ الذي شكّلَ دماً مشتركاً بين جميعِ شخصيات الرواية، وأزال الفروق العرقيّة والجغرافيّة فيما بينهم

 ومنه فالرواية في حقيقتها دعوةٌ إلى الحبّ، الحبّ الإنسانيّ النقيّ والبعيد عن مصالح الدنيا الدنيئة؛ دعوةٌ لحبّ الله، حبّ الطبيعة، الشجرِ والغابات والطيورِ، البرّ والبحر، حبّ الأماكن والارتباط بها، وبهذه الدعوة تدعو الكاتبة إلى تأسيس لعالم تسوده المحبة والإخاء الإنساني بعيداً عن العرق واللون، والجغرافيا، وليكونَ حباً سامياً خالداً يسافر فوق الزمان وفوق المكان

 ختاماً: رغم إشكاليّةِ تلك الموضوعاتِ والرؤى التي تناولتها الروايةُ فإنّ كاتبتها مريم السليطي تقدمها لقارئها بأسلوب قصصيّ بعيدٍ عن الخطابيّة والتقريرية، تقدمها مغلّفَةً بحكاية حبّ طاهرٍ بريء أقرب الى الحبِّ العذريِّ في زمنٍ تلوّث فيه كلُّ شيءٍ بدءاً من السماء والهواء وانتهاءً بالقلوبِ والضمائرِ الإنسانيّة على سطح هذا الكوكب.