قراءة في رواية " قبل ان نَزُور الإلهة"

قراءة في رواية " قبل ان نَزُور الإلهة"

هدى الهرمي 

ضمن سلسلة  ابداعات عالمية، صدرت عن المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الأداب في الكويت، للشاعرة والروائية الهندية _ الأمريكية  “شيترا بانرجي ديقاكاروني”  رواية  “قبل ان نزور الالهة” وقد ترجمها من الانجليزية الى العربية الروائي و المترجم العراقي  علي عبد الأمير صالح، و تُعتبر من أدب الشتات الذي ظهر نتيجة الهجرة و الاغتراب.  و يتناول هذا الادب اشكالية الهويّة من خلال الذاكرة و التذكر، و ايضا اللغة المُتسربة في صورتها الاولى إضافة إلى التمظهرات الذهنية لخطاب يرتحل في المكان و الزمان. تمكنت شيترا من الكشف بحرفية عن طبيعة العلاقة القائمة بين تلك المجاميع البشرية بالوطن، بصورة حيوية لكنها متضادة احيانا، و هي تتأبط ذلك الحنين تارة مع صعوبة الانتماء الى مكان آخر، و تارة اخرى تحيك عناصر التشتت و الانزواء بعيدا عن الجذور و تسلل العطب الى الذات، في ظلّ انفتاح على الآخر. و قد عُرفت الكاتبة بهذا المنهج الخاص في مُقاربة حياة المهاجرين الهنديين بأمريكا.

الاسترجاع صيغة استراتيجية 

تمتدُ البنية المكانية لهذا النص بدءاً من الهند مروراً بريف البنغال وصولاً الى الولايات المتحدة  ومن ثُمَّ  تتحول ولاية التكساس إلى بؤرة الحدث . انها تمزج بين حضارتين و ثلاثة أجيال مُتعاقبة من نساء الهند : الجدة، الام، و الابنة على مدى ستين سنة. و بذلك تُلقي الكاتبة الضوء على تلك العلاقات المُعقدة و الصراعات الخفيّة بين الأمهات و البنات ( سابتري، بيللا و تارا) الشخصيات الرئيسية في القصة.ثمة خطّ رفيع بين عوالم الواقع و الخيال، و الكاتبة تحيك كل ذلك في ثنايا السرد دون تسلسل لكن بنثر جميل و اسلوب بارع و تغدق من بهارات المطبخ الهندي كمسرح يؤتي سرّ هذا العمل، باستخدام الاطعمة و التقاليد كمجاز مهم يحفر في باطن تلك المشاهد المعتمدة لتدوين الحكمة، و استظهار للثقافة مع اعتماد الاسطورة التقليدية للامومة. زيادة على  مناقشة عدة افكار جوهرية و ما يتمخض عنها من ارباكات عاطفية و اجتماعية.و في هذا العمل الروائي يتم توظيف تقنيات الاسترجاع فضلاً عن الرسائل، لتغدو استراتيجية في السرد، فتتفاعل  مع بنية  الحلم و الهذيان و ذلك الصوت الآخر المتداعي، و ما يطرحه من المواقف و المكابدة بين سائر الشخصيات المختلطة.

جوانب الشخصيات و طبيعتها  

إنّ رسائل “سابتري” مُخضبة بقصة حياة و مُحّملة بتلك الدروس الراسخة في ذهنها مع ذاكرة مثقلة بالتفاصيل والنبش في أعماقها. الشيء الوحيد الذي ربما يكون له تأثير في مستقبل حفيدتها “تارا” حين تقاسمها ذكرياتها المُشتتة لتغير من تفكيرها بالانقطاع عن الكلية بعد ان اسنتجدت بها ابنتها “بيللا” المنشغلة كدأبها بالدراما و الماساة خاصتها، لذلك يتعين عليهما ان يمنعاها من القيام بذلك. لكن الابنة بدورها انقطعت عن التعليم، و فرّت مع حبيبها و هي في ربيعها التاسع عشر الى امريكا بوثائق غير قانونية، و بعدها لن ترى امها ثانية، خصوصا بعد زواجها من “سانجاي” الذي يكنّ لها الكره و استمر في ايجاد طرائق كثيرة كي يبقيها بعيدة عن والدتها رغم انجابها لتارا. فماذا بوسع “سابتري” التي تُعد امراة قوية الارادة ان تفعل حتى تعود اليها ابنتها “بيللا” التي انسلخت من اسرتها و  وطنها لكنها ورثت عنها حبها للطبخ و اصبح لديها كتب طهي ناجحة عديدة و مدونة رائجة فيما بعد. لقد اعتمدت الكاتبة على تعدد المواقف الفكرية و اختلاف الرؤى من جيل لآخر و استندت على الشخصيات في تحميل تلك الفضاءات التي تُلّقحها بسائر المواقف و المنظورات السردية. و لعل شخصية ” تارا” كانت محور الرواية من جهة توظيفها بقلم شيترا حين تقول : ” كنت متيقنة ان هذا الفرد – كائنا من يكون- لا يشبهني البتة. لم يسبق لي ان كنت في الهند. انا لا اضيع وقتي مع الهنود ، و انا حتى لا أعدّ نفسي هندية، و حتى اذا أعددت نفسي هندية، فان أي هنديين لا يشبه أحدهما الآخر “.ان الشابة الهندية اختزلت ذلك التنافر في انكار لأصولها وقلقها الدائم الا انها ذاهلة و متمردة بحكم نشأتها في امريكا. و قد زاولت مهنا غريبة بعد انقطاعها عن التعليم  الى ان قابلت “غاري” و كان بمنزلة أب بالنسبة لها و له تأثير مباشر في عودتها لاحقا الى مقاعد الدراسة الجامعية. اما الجدة “سابتري” ابنة صانعة الحلوى “دورغا” و الكاهن الفقير .فقد عاشت في شقتها بكولكاتا تلك المنطقة الريفية البنغالية، و بعد صعوبات شتى ،حققت حلمها في العودة الى الجامعة و بالتوازي كانت لها مهارات في المطبخ البنغالي مما جعلها تؤسس مشروعها الخاص بعد سنوات عدة بفتح متجر ” حلويات دورغا” ليتحول الى مؤسسة تجارية مربحة بعد وفاة زوجها في حادث و حصولها على التعويض. كانت متمسكة باسرتها رغم البعد الا انها أمضت ساعتها الاخيرة وحيدة و هي تفكر فيهم بضراوة الالم، منذ ان تلقت مذكرة الوداع التي ارسلتها بيللا وغادرت، لكنها فارقت الحياة بسقم و حسرة دون ان يحسوا بالذنب.لكن بعد طلاق بيللا و معاناتها، و على اثر وفاة سنجاي الذي تصفه ابنته تارا  “الشيطان الحكيم” تعود الى احضان والدتها و هي أم بعد ولادة ابنها “نيل” .

لقد تغيرت الأشياء نوعا ما، خصوصا و انها بصدد العلاج عند الدكتورة “بيرغر” لتتخلص من ميلها في تدمير ذاتها و هوسها الغريب المتمثل في السرقة. و رغم هواجسها و تخوفها من والدتها حين تقول ” أخشى ان تجلب لي أشياء حزينة، حزينة من الماضي، و سوف ينتهي بنا الحال أن نتشاجر”  لكن مُحفزات التغيير كانت مسيطرة، و نداء الواجب تجاه والدتها كان أقوى، بعد ان كُسرت ساقها مرتين و لن تستطيع العيش بمفردها في التكساس. في احدى كابينات مكتب الاسرة، تجد ” تارا” كدسا من البومات الصور الفوتوغرافية، ايصالات قديمة و مجلدات سميكة و بالية.

كانت بيللا قد احتفظت بها رغم انها نادرا ما تٌلمح الى ماضيها خصوصا بالهند. لكن قلبت الابنة في صفحات حقبات زمنية طويلة لتغدو مأسورة بكل ذلك.لكن وحده ألبوم رفيع مدفوع في قاع الكابينة، يبدو غريبا و غير امريكي. كان مملوءا صورا بالابيض و الاسود من الهند. انه مقتطفات من الحياة التي حجبتها بيللا عنها طوال اعوام عديدة. فجأة تسقط صورة الى الارض و تلتقطها تارا ، كانت اقدم صورة، فيها شابة بثوب الأرملة الأبيض، و هي تمسك بكتفي فتاة يافعة. انها الصورة الوحيدة للجدة “سابتري” مع “بيللا” التي تتمسك بالاحتفاظ بالصورة لديها لترثها تارا لاحقا. لكن الاخيرة اصابها التوق و الغضب المباغت لمعرفة هذا المرأة الغامضة، فتسرق الصورة و لم تقرر بعد ماذا ستفعل بها و هي في ركن المراب حين كانت ترتب أشياء والدتها. لكنها تجد صندوقا باليا و مختوما في الركن، مكتوب عليه اسمها و عنواهم القديم مع دمغة البريد من الزمن الذي انقطعت فيه عن الكلية.تحمل الصندوق و تفتحه لتلقي نظرة على ذاتها القديمة، ثم تلمح مظروفا مختوما كبير الحجم لا يشبه سقط المتاع الموجود بالصندوق. و من بين رزمة الاوراق تجد رسالة لتميط اللثام عن السرّ الذي يحمل اسم ” سابتري داس”

البعد الفكري و الفني للنص الروائي

حقيقة بدت الرابطة بين السرد و ما وراء النص الروائي من رصيد مترع بالانساق القصصية و الأفكار الجوهرية متينة الوثاق و ملفتة للنظر. فالاسلوب ممتع و قادر بحرفية على فسح المجال للقارىء للنبش في ذاته و مدى تطورها في الزمن و قلقها من الاخر و السعي الى اثبات الهوية و معرفة الانا الكامنة داخله. لذلك تعددت المواقف الفكرية و اختلاف الرؤى بين الشخصيات فاعتمدت ديقاركوني على الرواية البوليفونية القائمة على تعدد الاصوات و الرواة و المنظورات.

و قد اعتمد هذا الشكل البعض من الروائيين العرب. و نذكر على سبيل المثال رواية ” أسد القفقاس” لمنير عتيبة… لقد جاءت الرؤى المتعددة في الرواية معبرة عن واقع كل جيل لخلق اشكال وعي متباينة فكل راو في النص السردي مستقل و له وجهة نظر خاصة به  مع توظيف وحدة الزمان و المكان و استعمال فضاءات متنوعة. و هذا الاسلوب يعطي بعدا انسانيا للرواية لما تتسم به من حوارات متسعة و ما يزخر به العالم من تناقضات ايديولوجية. و هو ما يضيف قيمة فنية و جمالية نابعة من وعي و تقنية الكاتبة في ابراز جوانب حضارية و انسانية يرتقي بها الخطاب الأدبي ككل.


* هدى الهرمي كاتبة و قاصة تونس