فصل من رواية " ميلانين"

فصل من رواية " ميلانين"

*فتحية دبش

( خاص بأنيسة عزّوز)؛
اسمحي لي أن أسقط الألقاب بيننا، فنحن على كل حال نتعايش منذ زمن و صار بيننا ماء و دمع و بعض الحكاية…
أنا رقيّة، عمري عقود من الخيبات و سنوات من الألم. كما رأيتني، متوسّطة القامة، لست بالبدينة و لا النّحيفة رغم أنك ترينني إلى النّحافة أقرب، سمراء في باريس و بيضاء في القيروان، و ملامحي متوسّطيّة بلا شكّ… متزوّجة دون أن أجزم بذلك، لم أختر أبدا أن أكون هنا على هذه الضّفّة الباردة من المتوسط، لكن التاريخ طوّحني و أبى إلاّ أن يلقيني هنا و الآن. باع الوطن الكبير أبي و أمي و باعني طفلة، و كما في كلّ الصّفقات لا يعرف الثّمن إلاّ البائع و الشّاري، و أمّا المباع فمهما كانت قيمته يظلّ مجرّد سلعة يقع تداولها… و لكنّك بلا شكّ تعرفين حيثيّات البيعة.
أوطان تبالغ في التّنكيل بأبنائها، تضيّق عليهم الخناق، حتى يستسيغوا هم أنفسهم البيعة.

ستقرئين هذا الملفّ كاملا، أدرك جيّدا أن الفضول دافع جيّد على القراءة خاصّة و حتّى الكتابة. أنت الآن مسلوبة الإرادة. أختار لك عوض أن تختاري لي، فالرّوائي ليس إلاّ نرجسيّا معوجّا، ليس له من هاجس الا التّلاعب بشخوصه و تطويعها خدمة للذّة غامضة في جعلها مجرّد مكعّبات رياضيّة أو دمى يتحكّم بأقدارها كما لو كان الرّبّ. هو من فرط نرجسيّته لا يتصوّر أبدا أنّهم قد يتمرّدون عليه، و يختارون طريقا غير التي قرّرها هو.

لا يستطيع الغبيّ أن يتصوّر لوهلة أنّ الشّخوص قد تفتك فعلا بالأضواء كلّها، و يستأثر البطل حقّا بالبطولة الفعليّة كما يراها لا كما يراها الرّوائي… سترين كم هو مزعج أن يعلّبك شخص ما في هويّة ما فيسمّيك كما يحلو له و قد لا يحلو لك، و أن يتحكّم شخص ما بقدرك فيحرّكه وفق أهوائه و يقنعك أنها من صنع يديك، يجعلك في الصّدارة حينا و في الحضيض أحيانا… و كم هو مقلق أن تتلقّي التّعليمات للفعل و اللاّ فعل ثم يحاسبك فيلقيك في جحيم الشّكّ حينا و في موت اليقين أحيانا…

كذا فعلت بك!

ستدركين أنّك لم تكوني تعرفين شيئا عنّي و أنّ رقيّة التي تخلقين ليست رقيّة التي تقرئين. كتب التاّريخ و جغرافيّتنا و تتلوّن حكاياتنا بتلوّن الفصول و الشّمس و نكتب رواياتنا بشكل أو بآخر. الفرق الوحيد هو أن الأبطال الحقّ يختارون الكينونة فعلا و يرفضون أن يكونوا أبطالا من ورق و أن يكونوا كالدّمى في مسرح العرائس، فيختارون الرّقص حرّيّة و الموت حياة و لا يقفون إجلالا لسيّد ما حتى و ان كان روائيّا مرهف الحسّ…

لم يكن مهمّا أن تقتفي إثري لتصوير حياة امرأة مهاجرة او كما تسمّونها في لغتكم المحليّة ( زميقري) أو من جماعة (السّافيريان). امرأة تنام متأخّرة و تصحو باكرا وفق ما تعتقدين لتعبث بها لقمة العيش العصية في بلاد الكفر… النّساء جميعهنّ يفعلن ذلك حتّى أنت! يفعلن ذلك بقطع النّظر عن أوضاعهنّ أو انتماءاتهن لأنّ ذلك جزء من الساڨا البشريّة في المطلق، يفعلن ذلك هنا في باريس الأنوار و في آخر بقعة من الأرض المسكونة بالظّلم الجندري. و لكنّك تبحثين عن رواية ترضيك و ترضي أمثالك من الذين لم يفقهوا بعد أنّنا مختلفون جدّا عن الصّورة التي تريدون. تبحثين عن قدر تصنعينه لك لتجعلي من اختلافك سبيلا لائتلافك في مجتمع مازال يعرّفك بلونك و كأنّك بلا اسم! قدر تصنعينه لك قبل أن تصنعينه لي دون أن تفقهي أنك لا ترين غير ما أمنحه لك، و رغم ذلك فإنّه هناك خيط يربط بينك و بيني، هو ذلك الهاجس الخفي الذي يرسم رحلة الانسان بين الرّضوخ و والوعي بالذّات…

أجلس الآن أمام التلفاز. مستلقية على أريكتي الخشبيّة من الطّراز المغربي الواقعة على يمين باب قاعة الجلوس من شقّتي الضّيّقة الكائنة ب عــــــ150ـــدد من شارع ڨامبيتا بمدينة بوبينيي كما تعرفين. لا تفهم أمّي لماذا أصر على البقاء في هذه الشقّة الآن و قد مات سهيل. تحسب أن السّرّ لا يعدو أن يكون ارتباطي الرّوحي به. السّرّ يا أنيسة هو أنّني هنا أصنع عزلتي، ألِجُها راضية و أغادرها مطمئنّة بعيدا عن نواح أمّي و حزن أبي و اتّهامات الآخرين. أتابع تسجيلا قديما لسلسلة مبعوث خاص على القناة الثّانية الفرنسيّة التي تعرض ملفّا عن الهجرة السّريّة، أظنّك تتابعينها دأبك في ذلك دأب كلّ المثقفّين المغاربة و الفرنكفونيين. لا تنكري ذلك! فالغالبيّة هناك تفعل ذلك سرّا مخافة أن يقع نعتهم بالتبعيّة لفرنسا، قلّة يجاهرون بإدمانهم لتلفزة الغرب و صوره و مختلف تجليّاته. هناك رابط بينكم و بين مبعوث خاصّ و فرنسا، رابط يشوبه الغموض و العنف و اللّذة، تماما كما قصص العشق المحرّمة بين طفل و أمّه، تماما كما هو الحال بيننا و بينكم فنحن تونسيّون بنظركم عندما نكون بالخارج و حين نعود للوطن نصبح زميقري، و في أفضل الحالات عرب فرنسا.

أتسلى ببعض قلوب عباّد الشّمس، أنزع سوادها لأتلذّذ بالبياض، أحيانا أمضغها مكتملة فيختلط ملح و سكّر و تكبر على لساني نشوة أخرى. أفعل ذلك ككلّ الغرباء حين يجنّ اللّيل على وحدتهم و يفيض على النّوافذ الظّلام، أعبث بأزرار التّكنولوجيا، أبحث مثلهم في الفراغات عن أصوات حبيبة هناك، نعرف جيّدا ندرتها و لكنّنا نلح في البحث عنها…

نحن الغرباء في كلّ مكان غرباء حتّى في سجننا الضيّق، لا نملك غير الحبّ و الحنين و الذّاكرة لتبديل الموت حياة و لمخاتلة الجنون. نحن أيضا مثلكم تماما مدمنون على كلّ شيء يأتي من هناك. [ …]

سأحدثك عن سهيل الذي كان يسوقني إلى قدري و كنت أمشي إليه راضية، و كانت كلّ الأسئلة لا تحمل معنى، و أنا مدركة تماما أن الموت ببدلته الأنيقة جدّا و فزّاعاته العديدة جدّا و باكياته المأجورات جدّا واقف هناك، عند أعالي الحبّ يفرك يديه و يرشّ الثّرى فيلين ليتقبّل رفاتي في غفلة منّي…

أنيسة:

تعلمين أنّ الحبّ أفيون و أننا جميعا، نحن المعربدين يحوّلنا الحبّ إلى غلمان و جوار!
هكذا حوّلني حبّه إلى جارية! [ … ]

لست فخورة بما آل إليه الحال و لست نادمة على قتله! لست نادمة! أنا فقط لا أحبّ أن أمارس الغباء ثانية، و لا أن أتحول الى مجرّد دمية تحرّكها أنيسة عزّوز كما كان يحرّكها سهيل.

لا أرغب في أن تكتبيني، فأنت لست أنا مهما تتبّعتني و دسست أنفك في أسراري، تظلّين مجرّد راوية لروايتك و لا أرضى أن تحمّليني رسالتك، و لا أن تحملي قدري عنّي.
فالكتابة قدر وكلّ يحمل قدره.

*كاتبة وروائية تونسية صدرت لها مؤخرا رواية ميلانين