فصل من رواية لا شيء سوى الدخان

فصل من رواية لا شيء سوى الدخان

سيروان قجو

تطورت علاقتي مع داون كثيراً، وبدأت أراها أكثر خارج المتحف، فقد دعتني لمشاهدة مسرحية  في  مسحر “استوديو السينما” الذي كان يقع على الشارع 14 وسط المدينة.

بسعادة قبلت دعوتها دون أن أملك أدنى فكرة عن مضمون العرض المسرحي. كانت مسرحية كلاسيكية لشكسبير أشعرتني بملل مقيت. لم كن أحب أعمال شكسبير ولم تكن لديّ أية رغبة لمتابعة أي شيء يتعلق بأدبه. المسرحية الوحيدة التي قرأتها أثناء دراستي المدرسية كانت “تاجر البندقية”، وكنت مجبرا على قراءة نصها الكامل لأجل النجاح في مادة الأدب. بعد ذلك حاولت أن أقترب من أعماله لمرتين، ولكنني لم أستطع أن أتابع القراءة حتى النهاية. حافظت على قناعتي الشخصية بأن شكسبير لم يكن عظيم كل الأزمان، ساعدته الظروف على ذلك، واستغل هو أيضاً الفرصة على أكمل وجه. كان هناك عدد قليل من الكتّاب المنافسين له في ذلك الوقت، إضافة إلى قلة الإقبال على العمل الأدبي في تلك الحقبة دفع لاحقا القراء والنقاد للاقتناع بأن أعماله لا تقارن.

كانت داون واحدة من هؤلاء الناس الذين يؤمنون بأعمال شكسبير، لديها إعجاب عميق بكل كلمة كتبها شكسبير. لم أظهر موقفي من شكسبير أمامها لسببين، أولا ظننت بسذاجة أن قيامي بذلك سيكون رادعاً لقربي منها. السبب الآخر كان هو أنني لم أكن أملك معلومات كافية لإجراء نقاش حول هذا الموضوع.

بعد المسرحية قررنا السير معا في شارع الـ 14، كان ذلك مساء الخميس. كان الشارع مليئا بالكثير من سكان واشنطن القادمين من خلفيات مختلفة. أحببت ذلك، فذلك ذكرني بأنني شاب مثلهم أيضا، فيما كانت داون أيضا مستمتعة بذلك. ربما كانت متعودة على رؤية هذا المشهد، ولكنها لا تزال تستمتع بهذا الجزء الحيوي من المدينة أو هي كانت ببساطة سعيدة لرفقتنا.

بعد عبورنا لعدة مفارق وصلنا لشارع U الشهير. كانت المرة الثانية التي أسير فيها في هذا الشارع منذ وصولي لواشنطن، ولهذا كان له مذاق خاص بالنسبة لي. كانت الموسيقا تأتي من كل زاوية، الـ R –B  مع الجاز في الخلفية تضفي تأثيراً ساحراً على المكان؛ حيث تشعرك بنبض الحياة. شهدت واشنطن في السنوات العشر الماضية تحوّلاً أساسيا، فالمهنيون من الشباب العاملين في الحكومة أو الشركات الكبرى بدؤوا يقيمون في المنطقة. أنفق المستثمرون مبالغ مالية كبيرة في الحي، وبدأ المتعهدون بحملة لتحسين المباني في معظم المدينة.

– لقد تم افتتاح عشرات المطاعم الجديدة في هذا الشارع خلال هذه السنة فقط.

قالت داون باللحن بنبرة مفتونة. إنها تعشق واشنطن وحيويتها. 

تجولنا هناك لأكثر من نصف ساعة ومن ثم قررنا الانصراف. كنت أسكن على بعد بضع أميال من محطة مترو فورت توتين، وداون كانت تسكن بالقرب من مترو رود أيلاند. كانت هناك محطتان تفصلان بيننا. انطلقنا نحو مترو شارع الـ U مستخدمين الخط الأصفر لكي نتحول إلى الخط الأحمر، وقد جلسنا معا حيث كانت عربة القطار شبه فارغة. 

كان هناك شاب أسود السحنة يجلس بقربنا مع صديقته، وكانت فالفتاة منشغلة بهاتفها؛ فيما كان الفتى يستمع للموسيقا عبر سماعاته. خلفنا كان زوجان أبيضان يثيران ضجة، ولهجتهما الملتوية أوضحت خلفيتهما. افترضت أنهما من سكان كاليفورنيا أو من مكان ما في غرب الولايات المتحدة، فأنا لست ممن يتقنون تخمين أصول اللهجة وخاصة أنني كنت ما أزال أعمل جاهداً لتطوير لهجتي الخاصة. كل شيء كان فجائيا بالنسبة لي وأنا أستكشف محيطي. تحركت داون نحوي مقتربة بحيث اتكأت على كتفي، انتابتني موجة برد فورا! رائحة قوية انبعثت من شعرها واستقرت في أنفي، وللحظة أثارت رغبتي الجنسية. 

بعد لقائها عدة مرات في المتحف، بدأت أفكر بداون، لم أكن أدري لماذا، ولكنها امرأة جذابة جدا في كل شيء تملكه النساء، وملبسها الأنيق خاصة أثر فيّ، فزيّ النساء غالبا ما يجذبني، إضافة إلى أن تسريحة شعرها أظهرتها شخصية واثقة من نفسها، وهي كانت كذلك، ولهذا كانت داون نموذج المرأة المفضل لديّ. كان وجود رأس داون على كتفي شعورا جيدا؛ بحيث تمنيت أن تبقى هذه اللحظة للأبد. كانت ملكي ولهذا لم أرغب في فقدانها. قربت جسدها نحوي أكثر فشعرت بحرارتها، ولكنني لم أكن أود منها أن تأخذ فكرة خاطئة عني، إلا رغبت حقاً أن أطوّق بيدي خصرها، وفعلت ذلك، فوجدت إحساسا بالجرأة. لم تمانع، في الحقيقة بدت أنها راضية عن تلك الحركة. توقف المترو في محطة نيويورك آفينيو لينزل بعض الركاب ويصعد آخرون جدد، وها قد بدأ يغادر نحو محطة داون وسيكون هناك فقط دقائق معدودة بين المحطتين. رفعت داون رأسها سريعا عن كتفي ونظرت نحوي بعينيها قائلة:

– هل تود أن نقضي الليل معا؟

كان سؤالها مفاجئاً بالنسبة لي وأخذت أبحث عن إجابة:

– بالتأكيد. ولكن إلى تودين الذهاب؟ كل الأماكن مغلقة في هذا الوقت!

– لا يا ساذج، أقصد بيتي أو بيتك.

أجابت مع ابتسامة خجولة لتنتابني موجة من الابتهاج اجتاحت كامل جسدي.

– نعم.

أجبت.

– أين تود الذهاب، إلى بيتي أم إلى بيتك؟ علينا اتخاذ القرار سريعاً؛ لأن القطار يبعد عن محطة بيتي دقيقة واحدة.

بيتي سيكون مناسبا وما زالت أمامنا محطتان.

أجبتها وأنا أشير إلى خارطة المترو المعلقة داخل العربة. أومأت موافقة بحركة من عينيها وعادت لوضعيتها السابقة. زفرت بهدوء بحيث هي لم تلاحظ ذلك.

في الطريق نحو بيتي تشابكت أيدينا وكانت خطواتها سريعة، ما دفعني إلى السير بسرعة للحاق بها، أخيرا وصلنا إلى البيت. كنت أسكن في بيت على الطراز الفيكتوري مع نزلاء آخرين وكذلك مالكة البيت. كانت سيدة أرجنتينية ضخمة وكنت قد عثرت على هذا البيت من خلال موقع “كريغس ليست” على الأنترنت بعد أن انتهى عقدي مع البيت الذي استأجرته لي لجنة الإنقاذ الدولية. سألتني مالكة البيت الكثير من الأسئلة حول حياتي وعملي قبل أن أتمكن من إقناعها بأنني سوف أكون مستأجرا جيدا.

في الحقيقة قدمت لي خدمة حين قبلت أن تؤجرني الغرفة وأنا لا أملك عملا، ففي واشنطن أكثر من غيرها من المناطق من الصعوبة أن تحصل على بيت للأجرة، أو مكان، إن كنت لا تستطيع أن تقدم وثيقة أصولية تكشف عن دخلك. فإن كنت لا تجني الكثير من المال فليس من الضرورة أن يخاطر مالك البيت وأن يطرق بابك في بداية كل شهر طالبا الإيجار؟

على ما يبدو أن صاحبة البيت الأرجنتينية كانت واثقة من أنني لست من النوع الذي لديه فن الخداع، وبالفعل كانت محقة، ففي خلال الأشهر الثمانية التي قضيتها هناك في بيتها لم يحدث أي تأخير في دفع الأجرة. كنت دقيقا جدا في كل شيء يتعلق بالبيت. بعد نهاية لقائها معي طلبت مني بكل أدب عدم إحضار أية فتاة، أو صديقة، وأخبرتني أنها كاثوليكية ملتزمة. أخبرتها أنني سوف أحترم رغبتها ولن يحدث أي شيء غير طبيعي. أعرف أنني كنت أكذب، فمن يستطيع أن يعيش في هذه المدينة من دون أن تكون لديه صاحبة أو صاحب؟

دخلنا البيت وطلبت من داون أن تكون هادئة ولا تحدث صوتا حتى نصل لغرفتي، لأن الغرفة كانت مقابل غرفة صاحبة البيت. دخلنا الغرفة وأقفلت الباب من الداخل بالمفتاح. كانت داون تبدو متعبة وهي جالسة على كرسي، ولكنها رمت بنفسها على سريري، مغمضة عينيها. خلعت ملابسي، ووضعتها في الخزانة، ولبست بيجامتي التي اشتريتها من لبنان. التفتت نحو داون، كانت قد فتحت عينيها وسألتني:

– هل لديك شيء نشربه؟ أرغب أن أسكر هذه الليلة، وبقيت مستلقية.

– لديّ الجعة والنبيذ.  

– أجلب الكثير منهما إذاً.

– بالتأكيد.

كنت قد أصبحت خارج الغرفة.

عدت إلى الغرفة ومع أمتعتي الجيدة مع كأسي نبيذ مختلفين في الشكل والحجم. ناولتها الكأس الكبيرة، فيما وضعت كأسي على الطاولة قرب سريري. سكبت لها النبيذ وفتحت قنينة جعة “بود لايت”. 

– بصحتك.

قلناها معا، ونحن نرتشف المشروب.

– هممم.. هذا نبيذ رخيص ولكنه جيد.

قالتها داون مبتسمة.

– هذا ما تحصلين عليه حين لا يكون لديك عمل.

قلت ضاحكاً. 

– هل الكُرْد يشربون الكحول؟

سألتني وهي ترتشف آخر رشفة من كأس النبيذ. 

ناولتها قنينة النبيذ لتملأ كأسها:

– نعم نشرب وربما أكثر من الأمريكيين!

ضحكت ثانية.

– حقا، لم أكن لأتوقع ذلك.

أجابتني وهي تملأ كأسها بالنبيذ.

– المسيح كان من أهل منطقتنا، ونحن ورثنا هذه الثقافة في الشرب منه.

حاولت إضفاء جوّ من المرح قدر المستطاع.

– وكذلك الإسلام خرج من منطقتكم؟ لكنه يحرم الخمر.

حاولت داون أن تبدأ نقاشاً معي!

– أنا أتحدث عن مزوبوتاميا والشام.

أجبتها فورا وأنا أقرع كأسي بكأسها. 

– على كل حال، كان أبي يصنع نبيذه الخاص في البيت، أنا لم أجد في أميركا شيئا مشابها له بعد، ولكنه يشبه مشروب “سنجريا” كان يخلط الفواكه التي لدينا في الموسم مع قليل من الكحول، ومن ثم يضعها جميعا في جرة كبيرة، ويضعها تحت الأرض في بيئة رطبة لمدة أربعين يوما، وبعدها يكون جاهزا للشرب. كانت عائلتنا تشربه عشية الاحتفال برأس السنة.

كانت داون منسجمة مع الحكاية، وقرصتني في وجنتي حين انتهيت من سردها. كنت قد انتهيت من شرب الكأس الثالثة، وحملت ذراعي لتقربني إلى صدرها، شممت رائحة من  صدرها، تلك الرائحة التي تملكها النساء والتي لم تكن رائحة عطرها قط.

– قبّلني.

قالتها بشكل مفاجئ.

لم أتردد لحظة، وقبلتها طويلا ومن ثم انتقلت إلى عنقها، قبلات لطيفة ومن ثم مضيت إلى نهديها الكبيرين، المدورين حيث أستطيع أن أغطي أي واحد منها بكفي. كانا أبيضين جدا، طريين. لعقت بطرف لساني الرطب حلمتها اليسرى بشراهة. ملأت تأوهاتها الغرفة. أحد ما كان قد أخبرني أن لعق الحلمة اليسرى للمرأة يجعلها مجنونة لأن نهاياتها العصبية قريبة من القلب؛ ولهذا يجعلها حساسة أكثر من الحلمة اليمنى. لقد كنت أشكر ذلك الشخص في تلك اللحظة. في هذه اللحظة كنا عاريين تماما، وثيابنا مبعثرة على السرير وعلى الأرض بطريقة مثيرة. أدخلته في أحشائها، كانت رطبة جدا، ولم أضع واقيا. تذكرت موظف وكالة التوطين الذي كان قد حذرني ألا أمارس الجنس من دون إجراءات حماية، لكنني حاولت نسيان ذلك في هذه اللحظة. كانت داون تتمايل تحتي كقطعة مارشميلو، وهي تطلب مني أن أولج داخلها أكثر وكنت بالكاد أسمع صوتها وأنا أدخل وأخرج منها سريعا وكأنني في سباق مع ضربات قلبي. قبل أن أصل للذروة أخرجت قضيبي منها ليبدأ السائل المنوي ينزلق على معدتها، ويملأ سرتها وبطنها، لم أكن أرغب في النظر إليه، وفي وجه داون. حين رفعت رأسي كانت هي تحدق بي مع ابتسامة بريئة. تمددت إلى جانبها وبقينا في هذه الوضعية لفترة حتى نهضت هي لتنظف جسدها. نمنا عاريين في تلك الليلة حتى الصباح. استيقظت قبلها.

– داون.. ألست متأخرة عن العمل؟

همست في أذنها فيما عيناها مفتوحتان بكسل.

– أعتقد أنني سأتصل بمديري واعتذر عن العمل اليوم!

لبست ثيابي وتركتها نائمة. واجهت إلى المطبخ. كانت صاحبة المنزل جالسة، فيما أحد النزلاء معنا كان يصب القهوة. صببت القهوة لنفسي وجلست قربهم حيث كان الصباح مشمسا في ذلك اليوم.

غادر النزيل البيت إلى العمل وبمجرد أن أغلق الباب وراءه، حتى وضعت صاحبة البيت فنجانها على الطاولة متصالبة ذراعيها:

– من هي ضيفتنا؟

سألت بنبرة جدية!

أجبتها بشكل مفاجئ:

– إنها صديقة جيدة ولكن كيف تعرفين أن أحد ما معي؟

– لم أعرف ألا حين دخلتما الغرفة وبدأت أسمع ضحكة الأنثى.

أجابتني، وهي ما تزال صالبة ساعديها كاحتجاج على ذلك.

– أنا أسف لأنني لم أخبرك.

حاولت خلق أعذار ولكن ذلك لم ينفع على ما يبدو!

– حسنا كاوا… أنت تعرف قوانين البيت ولا أعرف لماذا خالفتها؟!

كانت في تلك اللحظة أكثر جدية واستكملت:

– رجاء لا تكرر ذلك مرة أخرى..

– أعتذر ولن يتكرر ذلك مرة أخرى. ويجب ألا تكون هناك أي استثناءات.

قلتها في نفسي.

قبل أيام كنت قد سمعت صوتها وهي تمارس الجنس في غرفتها. أيقنت أنها كانت مع صديقها الكولومبي، ذلك الرجل غالبا ما كان يزورها وهي تقول لي إنه يعلمها العزف على البيانو وربما بعض الجنس بين الحين والآخر…

بعد تلك الليلة، لم نتواصل أنا وداون هاتفيا لمدة يومين، كان شعورا محرجا، ولكنني بعدها تلقيت رسالة منها. لم تقل لي لماذا هي لم تتواصل معي وأنا أيضا لم أرغب في سؤالها. أخبرتني أن هناك مباراة لكرة القدم بين الفريق المحلي “دي سي يونايتد” و”هيوستن دينامو” القادم من تكساس. وإذا ما كان بإمكاني الذهاب معها حيث هي افترضت أن شخصا مثلي من الشرق الأوسط حتما يحب كرة القدم. كانت داون على حق فأنا أعبد الكرة، ولكن الدوري الأمريكي لم يكن بذلك الشيء الذي يشغفني، ربما بسبب أن لعبة كرة القادمة في أمريكا لم تكن لها شعبية كما في بقية دول العالم. ومع ذلك أخبرت داون أنني أرغب في حضور اللعبة. ابتاعت لنا بطاقتين وفي السبت التالي أخذنا المترو باتجاه ملعب RFK الواقع في شمال شرق واشنطن.

خلال سنواتي الماضية، كان عشقي لكرة القدم تحدّياً؛ بسبب أخي الأكبر الذي كان يبحث عن أي عذر لمنعي من اللعب أو متابعة رياضتي المفضلة. بذلك كان أخي يعتقد أنه يساعدني للتركيز على دراستي بدلا من إضاعة وقتي وطاقتي في أشياء “لن تعطيني خبزا” كما كان يقول. وعلى العكس تماماً؛ كنت دائما أحلم أن أصبح لاعبا مشهورا في فريق دولي. ولكني حين كبرت أدركت أن أخي كان على حق حيال أن أكون قادرا على السعي في الدراسة في حين أنني ألعب الكرة. لقد كنت أعيش في مكان لا يعتبرون فيه الرياضة محل تقدير. مع ذلك فإن مسألة عشقي للكرة جعلني أصبح كتوما حول مكان وجودي في أيام العطلة أثناء العام الدراسي. في كل الأوقات حين يكون لدى فريقنا المحلي لعبة أتسلل خارج البيت دون أن يعرف أخي. لم أكن أهتم بالعواقب حين عودتي للبيت. فقد كانت أمي وأخوتي يخفون الأمر، على سبيل التعاطف معي. دأبت على الهروب أيام العطلة حتى وصلت للمرحلة الثانوية في المدرسة، فقد أصبحت بالغا بالنسبة لهم، ولكنني لم أكن أشعر بالبلوغ في ظل حضور أخي الأكبر، فقد كان لديه اعتقاد دائم أنني ما زلت ذلك الطفل الذي يحتاج للمراقبة، وعلى الرغم من كل تهديداته لي إلا أن ذلك لم يردعني من الذهاب للاستمتاع بمشاهدة لعبتي المفضلة.

 لقد كان ذلك في منتصف شهر آذار من عام 2004 حين كان لدى فريقنا المحلي مباراة بكرة القدم، حيث سيلعب في مدينة قامشلي، وسيخوض مباراة مع فريق آخر من مدينة يعرف عن معظم سكانها بأنهم موالون للدكتاتور العراقي صدام حسين. كانت مدينتهم تقع على الحدود السورية العراقية حيث كانت لهم روابط طبيعية مع العائلات على الجانب الآخر من الحدود. في ظل تصاعد التوتر بين حكام دمشق وبغداد، فإن غالبية سكان هذه المدينة السورية كانوا يدعمون الرئيس العراقي ولديهم رغبة في أن يغزو سوريا.

حبهم لقائدهم ازداد رغم إطاحة الأميركيين بنظامه القمعي في عام 2003. في غضون ذلك فإن الكُرْد العراقيين الذين عانوا كثيرا من سياسات صدام تجاههم، حققوا مكاسب سياسية واقتصادية في العراق الجديد. بالنسبة لمريدي الرئيس العراقي في سوريا فإن الكُرْد العراقيين في نظرهم خونة ومتآمرين مع العدو الأمريكي، وهذا انعكس على علاقتهم مع كُرْد سوريا الذين كانوا يتابعون بشغف انتصارات إخوتهم الكُرْد على الجانب من الحدود. بالنسبة للكُرْد السوريين فإنها كانت بداية جديدة لهم في الشرق الأوسط  حيث يأملون باستعادة حقهم المسلوب والعيش في مساواة مع الآخرين.

قبل ساعات على بدء المباراة، تسللت من غرفتي وأنا أحمل كتابا في يدي، وأخبرت أمي أنني ذاهب للدراسة في بيت صديقي. على مضض، سمحت لي بالخروج  حيث هي كانت مشغولة في تلك الجمعة بتحضير الطعام لبعض الضيوف الجدد. بغض النظر عن وجود الضيوف فإن أمي ترغب بالطبخ وكانت هناك وليمة كل يوم جمعة.  

للوصول إلى الملعب الذي كان يبعد أكثر من عشرين ميلاً من بيتنا، كان عليّ لأن أستقلّ الباص. لم تكن لديّ نقود لدفع الأجرة، وكذلك لدخول الملعب، ولهذا كان عليّ الذهاب إلى دكاننا  للحصول على بعض النقود من أخي الذي كان دائما يخفي أمر رحلاتي السرية الى مباريات كرة القدم، وكان دائما مشغولا جدا بزبائنه العرب. فقد كان دكاننا دائما مليئا بهم؛ حيث يلبسون ثيابا طويلة ويغطون رأسهم بالعكال. لقد كانت أصواتهم العالية تدفع بي للاعتقاد أنهم يتقاتلون، ولكن كان كل شيء يسير على ما يرام. أخبرني أخي ذات مرة أن هؤلاء العرب البدو يتحدثون بشكل طبيعي بصوت عال لأنهم يعيشون في البرية منذ وقت طويل ولهذا عليهم رفع نبرة صوتهم لفهم بعضهم البعض أثناء التواصل.

كان هذا المتجر مصدر معيشتنا الوحيد. وقدّم بالنسبة لعائلة مكونة من ستة أفراد، دخلاً جيداً.

أعطاني أخي المال الذي سيمكنني من دخول الملعب ومشاهدة لعبتي المفضلة. غمزني كعلامة لأن أستمتع بوقتي، في حين أنني كنت أعرف أنه حين أعود للبيت سأواجه عقاباً محتملاً من أخي الأكبر.

في الحافلة رأيت مجموعة من الوجوه المألوفة التي رأيتها دائما خلال أيام المباريات. تحدثنا باختصار عن اللعبة وما هي فرصنا في الفوز بها. ثم تاه كل واحد منا في أفكاره الخاصة حتى توقفت الحافلة الصغيرة على بعد أمتار قليلة من البوابة الرئيسة للملعب. كان هناك صف من الناس قد تشكل بالفعل على الباب. حيث كانوا متحمسين لدخول الملعب بسرعة، وحجز مكان لهم جيد يمكنهم منه مشاهدة الملعب بأكمله.

نزلنا من الحافلة وتوجهنا إلى رجل التذاكر. اشترينا جميعا تذاكرنا وبطريقة ما انفصلنا عن بعضنا البعض في الحشد. ذهبت نحو البوابة، مع ذلك. كان الخط يتحرك ببطء وبدأ الناس يشعرون بالإحباط. لم تبق سوى أربعين دقيقة قبل أن تبدأ اللعبة. وبعد لحظات، أدركنا أن الخط كان مربكا ليس فقط بسبب العدد الكبير من الأشخاص الذين يحاولون دخول الملعب، ولكن لأن الشرطة كان لها وجود مكثف جدا عند الباب. فحصوا الجميع من الرأس إلى باطن القدمين. تم تفتيش البعض  مرتين، للتأكد أنهم لم يدققوا جيدا في المحاولة الأولى. 

تفتيش الشرطة لم يكن طبيعياً في ذلك اليوم. ولكن في الواقع  بتنا نعتقد أنه جزء من حياتنا اليومية. في نهاية الأمر كنا نعيش في دولة يحكمها البوليس والعسكر. ولكن في ذلك اليوم كان ضباط الشرطة صارمين جداً في مصادرة أي شيء يجدونه مناسبا للمصادرة. كنت أحمل في جيبي قداحة لأجل التسلية فأنا مولع بالقداحات. كان الضابط فخور بما كان يقوم به وصادر قداحتي. لم أستطع أن أسأله ما المشكلة في حمل قداحة إلى الملعب؟ حسنا فلتذهب القداحة إلى الجحيم.

أخيراً أصبحت داخل أسوار المعلب. شعرت ببعض الراحة. حيث كان اللاعبون من كلا الفريقين يقومون بتمارين الإحماء استعداداً للمباراة. كانت هناك خمس وعشرون دقيقة فقط على بدئها. جلست بجانب رجل كان ينفخ في سيجارته بقلق. نظرت بسرعة نحو المكان وواصلت النظر مباشرة إلى الجانب الآخر من الملعب حيث لا يزال مشجعو الفريق الضيف يتوافدون إلى المدرجات. 

– عناصر الشرطة الأوغاد أخذوا كل ما أملكه في جيبي. أنا سعيد لأنهم لم يأخذوا محفظتي.

قال الرجل المدخن دون أن يحول عينيه نحو جماهير الطرف الآخر.

قلت له:

– نعم، أخذوا قداحتي أيضا..

تفحص جيبه بسرعة. وأخرج علبة كبريت صغيرة.

– لهذا أخفيت هذه في جواربي. لولا ذلك لما رأيتني أدخن الآن.

قال لي مبتسما في وجهي.

عادة عندما يأتي الفريق الضيف للعب ضد فريقنا المحلي، لا يأتي معه الكثير من مشجعيه. بسبب أن الكثيرين منهم لا يقدرون على صرف الوقت والمال للسفر مع فريقهم أينما ذهب. ولكن اليوم كان استثنائيا للفريق الضيف في مدينتنا. فقد كان عدد مشجعيه كبيرا مقارنة بنا. شعرت بعدم الارتياح إزاء ذلك، فالحصول على دعم كبير من هؤلاء المشجعين الموالين يمكن أن يقلب الموازين لصالحهم. ولكن كان لديّ إيمان كبير بفريقي.

على الرغم من كل التحديات التي واجهها فريقنا، إلا أن أداءه دائما جيد في مدينته. لاحظت أن دخول صفّ مشجعي الفريق الآخر من البوابة في الجانب الآخر من الملعب يسير بسلاسة كبيرة. حيث  لم أرَ أي تفتيش صارم من قبل الشرطة. هذا ما أثار تساؤلات في داخلي؛ وتذكرت كيف كانت الشرطة صارمة معنا أثناء التفتيش.

قبل عشر دقائق من المباراة وإطلاق الحكم صفارته، بدأ التوتر بين مشجعي الفريقين يرتفع بشكل غريب. على عكس جميع المباريات السابقة التي حضرتها في هذا الملعب.

في تلك الجمعة كان الناس على الجانب الآخر من الميدان غاضبين. كنت أعتقد أن أهمية اللعبة قد جعلتهم متحمسين أكثر من اللزوم تجاه فريقهم. 

ولكن عندما بدأ المشجعون من الفريق الآخر بإلقاء الحجارة علينا، وبدأ بعضهم  يتجه نحونا، أدركنا جميعا، بما في ذلك الحكام، أنه لن تكون هناك لعبة في ذلك اليوم.

حاول الناس الذين في جانبي الدفاع عن أنفسهم لكنهم كانوا بلا حماية. هذا لأن الشرطة صادرت منهم  كل شيء حين الدخول، لكنهم في البداية لم يهربوا من هجوم الطرف الآخر لكبريائهم، وكيف سيهربون من ملعبهم بسبب هؤلاء المشجعين الغرباء والمفروض أنهم ضيوف.

حين أصبح مشجعو الفريق الآخر بيننا، كان القتال بالأيادي هي الفكرة الوحيدة التي راودت مشجعي فريقنا. ولكن مع اشتداد القتال، انضم الكثيرون من الطرف الآخر إلى أصدقائهم لدعمهم في القتال. بالتأكيد كنا نفوقهم عددا، ولكن ذلك لم ينفع. لأن معظمهم كانوا مسلحين بعصي سميكة وطويلة. لم أكن أتخيل كيف كانوا قادرين على تمرير هذه العصى الخطيرة أمام أعين الشرطة عند البوابة، في حين صادروا مني حتى قداحتي؟

كلما اشتد القتال ازداد احتمال تعرض الأشخاص العزل من أمثالي للأذى. وكان البعض قد فروا بالفعل من المكان. حيث بات  العديد من الأطفال الصغار يتساقطون بين أرجل الكبار بسبب الفوضى والهلع. لم أرَ هؤلاء الأطفال بعيني، لكن بعض الشبان بقربي كانوا يتحدثون بغضب عما يحصل وبدأوا يستعدون للرد. بدأ أحدهم بخلع قميصه استعدادا للقتال قائلا:

– سأركل مؤخرات هؤلاء العرب.

للحظة تذكرت البيت وأمي وإخوتي. تخيلت أخي الأكبر ينتظرني على باب المنزل للتأكد من أنني لن أهرب منه. 

كنت أريد هكذا أن أبقى في ذلك المشهد، وأرى ما سيحدث بعد ذلك. كانت الأمور تسير بسرعة كبيرة. وبدأت شرطة مكافحة الشغب داخل الملعب بإطلاق النار في السماء لإخافة الناس. لكن ذلك لم يغير أي شيء في تلك الفوضى. 

دخل المزيد من ضباط الشرطة وقوات الأمن إلى المكان. بقي بعضهم في الخارج وحاصروا المنطقة بأكملها. عندما أدركت أنه لا يمكنني البقاء داخل الملعب، بدأت بشق طريقي بين الناس نحو البوابة الرئيسة. وحين اقتربت من الباب، أصابني شيء حاد في الورك الأيسر. نظرت نحو الأسفل لأعرف ماذا حصل. لقد كان  هناك حجر كبير بجانب قدمي. عرفت أن ذلك ما ضربني. كان يؤلمني كثيرا لدرجة أنني حجزت أنفاسي لعدة ثوان. أغلقت عيني وشعرت أن الدنيا تدور حولي. رغبت في التمدد على الأرض بسبب الألم الشديد؛ لكنني حاولت كبته، والاستمرار في السير نحو المخرج.

فتحت عيني لأجد فوقي شجرة صنوبر عالية. استلقيت تحت ظلها لمدة ساعة تقريبا. لم أدرك كيف وصلت إليها. كانت تلك الحديقة العامة المواجهة للبوابة الرئيسة للملعب. بدأت أشعر بألم  في جسدي.  لمست المكان في وركي الذي أصابه الحجر حيث تم ضربه بالحجر حيث كان هناك بقعة من الدماء الجافة.

كنت أحاول أن أتذكر ما حدث لي، ليظهر شاب مسرعا نحوي  لدرجة أنني اعتقدت أنه سيضربني. لقد كان جاري وصديق الطفولة آزاد. سلمني زجاجة ماء وطلب مني شربها على الفور. قال لي إن جسدي بحاجة ماسة إلى الماء.

– ماذا حدث لي؟

سألته.  

 – سقطت أمام الباب بين الحشود حينما كنت تحاول الهروب من العنف داخل الملعب و…

قال آزاد في محاولة لإعطاء مزيد من التفاصيل قبل أن أقاطعه:

– هل فقدت الوعي؟

– نعم، كان على بعض الأشخاص جرّك إلى الرصيف حتى لا يدوسك أحد. كنت أركض مع صديق ولاحظت وجودك هناك، لذلك قمنا بنقلك إلى هنا. إنه أكثر أمانا تحت هذه الشجرة. أنت لا تبدو ثقيلاً، لكننا بذلنا جهدا كبيرا في حملك حتى وصلنا أخيراً إلى هنا،” كان آزاد يمازحني مرتباً على كتفي.

كان صديقي آزاد يصغرني ببضع سنوات. لكن جذعه الضخم ورأسه الكبير يجعلانه يبدو أكبر سنا من عمره الحقيقي بعدة أعوام. أمسك يدي وساعدني في الوقوف على قدمي. شككت في أنني قادر على المشي، ولكن بعد خطوات قليلة كنت أسرع الخطى. انضم بعض السكان إلى مشجعي فريقنا حيث  كانت هناك شائعة بأن ثلاثة أطفال قتلوا داخل الملعب. وأراد السكان المحليون المذعورون التأكد من أن هؤلاء الأطفال لم يكونوا أطفالهم.

كانت سيارات الشرطة المسرعة تشق طريقها في الشوارع المزدحمة المحيطة بالملعب، مما اضطر الناس إلى ارتقاء الأرصفة. شعرت أن جميع السلطات المحلية – وكانت كبيرة العدد – كانت موجودة حول الملعب. أخبرني آزاد أن أخاه الأكبر، الذي تصادف وجوده معي في نفس الحافلة، كان من بين الجرحى.

سألته  بدون استغراب:

– بحجر؟

– لا. لقد أطلق النار عليه من قبل عنصر الشرطة خارج الملعب. أصابت الرصاصة ساقه. وهو الآن في المستشفى.

قال جملته ولوح بيده إلى صديقه الذي ساعده في نقلي إلى شجرة الصنوبر. كان يرافقه بعض الشبان الآخرين. شعرت بالدهشة لسماع ذلك وانخراط  آزاد في هذا المشهد المرعب بأكمله. وصل صديق آزاد ورفاقه إلينا. أقسم أحدهم إنه شاهد بأم عينيه رجلين يقتلان على يد الشرطة.

خلال تلك الساعة التي كنت فيها فاقدا للوعي، تصاعدت وتيرة الاشتباكات بين مشجعي الفريقين داخل وخارج الملعب، الأمر الذي تطلب تواجد أكبر لضباط الشرطة. لكن بدلاً من فض الاقتتال وخلق الهدوء، استخدمت الشرطة الرصاص الحيّ ضد السكان المحليين الكُرْد والناس الذين كانوا مرتبطين بفريقنا المحلي. وقد أعطت تلك الخطوة الحمقاء من الشرطة بعداً عرقياً للمسألة. وقد دفعت المزيد من الكُرْد المحليين للقدوم إلى مكان الحادث. لقد باتت الأمور خارجة عن السيطرة.

قررنا الانتقال إلى الجانب الآخر من الشارع لمشاهدة ما يحصل هناك. كانت الشرطة تحاصر المنطقة المجاورة ويتدفق المزيد من العناصر المسلحة إلى الشوارع. كان بعض الشبان يختبئون في مبانٍ قريبة عندما اقتحمتهم الشرطة. سحبوهم إلى سياراتهم ذات اللون الغامق. كانت  الشرطة  تلقي القبض على أي شخص بطريقة هستيرية لم أشاهدها إلا في الأفلام. وكان صوت الرصاص العشوائي يخترق أذني بلا هوادة.

أقبل الظلام ونظرت إلى السماء. وفي النهاية قررت العودة إلى المنزل، رغم أن جزءا مني كان لديه الرغبة في البقاء والانتظار حتى تتكشف الأحداث. ولكن لاحقا  أيقنت أنه من الصعوبة مواجهة أخي الكبير. مررنا أنا وجاري بعدة شوارع حتى وصلنا إلى محطة الحافلات. لقد كانت فارغة تقريبا.

كان هناك اثنان من السائقين يدخنون بجوار حافلاتهم الصغيرة. عندما أخبرناهم أننا بحاجة للعودة إلى عامودا، حذّرنا أحدهم من أنه ليس من الحكمة الذهاب:

– هل أنتم مجانين؟ المدينة بأكملها مغلقة. ودوريات الشرطة في كل مكان. يطلق عناصرها النار على أي مخلوق يرونه. 

أزعجتني تلك المعلومة التي لم تكن بالحسبان. ذلك يعني أنني سأضطر لقضاء الليلة في مدينة قامشلي، في تلك اللحظة، تمنيت لو أنني بقيت في المنزل.

– تبا  لكرة القدم وتبا لأخي.

قلتها غاضبا داخلي.

– نحن أيضا من عامودا. ونريد العودة إلى بيوتنا، ولكننا بحاجة إلى الحصول على المزيد من الركاب وستكون هناك مخاطرة.

قال أحد السائقين مؤكدا لي ذلك، وهو يرمي عقب سيجارته في الهواء. لقد كان الانتظار يسير ببطء في المحطة شبه الفارغة.

كانت المحطة محاطة بالعديد من المرافق الحكومية التي يحتلها الآن ضباط الشرطة وقوات الأمن. وأصوات الرصاص كانت تخترق الصفاء في ذلك المساء الربيعي. في هذا الوقت من العام، كان الناس يقضون معظم أوقات فراغهم في الهواء الطلق. حيث كانوا يتنزّهون في نهاية الأسبوع. فالربيع القصير فرصة لهم قبل هجمة الصيف الحارقة. لكن الربيع لم يأت في هذا العام؛ بسبب قلة الأمطار التي لم تكن كافية لأن ينمو الزرع في الأرض بشكل كاف.

يعتمد جميع السكان في المنطقة بشكل كبير على الزراعة كمصدر رئيس للدخل، ويتأكد المزارعون الكُرْد من أن أراضيهم تحصل على ما يكفي من الري بالمطر. خلاف ذلك، يلجؤون على مضض إلى أنواع أخرى من الري. وهذا يعني أن هناك حاجة إلى إنفاق المزيد من المال على وقود المحرك أو خراطيم المياه.

منذ أوائل الألفية الجديدة، اجتاحت موجة من الجفاف المنطقة بأسرها. مما أثرت كثيرا في الناس الذين يعيشون في المناطق الريفية. كان من المفترض أن تكون سياسات الحكومة الزراعية  في صالح المزارعين ومالكي الأراضي، ولكنها في الحقيقة زادت من معاناتهم. فقد كانت مفاهيمها الاشتراكية مجرد وعود صدئة عفا عليها الزمن بالنسبة للعديد من السوريين، الذين تخلوا منذ فترة طويلة عن أي أمل في الاشتراكية؛ وذلك منذ الستينات حين استيلاء نظام البعث، مما أثر في جميع جوانب الحياة في سوريا. لكن المدن الرئيسة في سوريا مثل دمشق وحلب وحمص لم تتضرر كثيراً بسبب الجفاف، لأن السوق الصناعية بأكملها كانت هناك. حيث كان سكّانها يشغلون وظائف حكومية، أو رجال أعمال.

بسبب التمييز العرقي الواضح، اضطر السكان الكُرْد إلى التعامل مع الوضع المفروض عليهم، بالاعتماد على الاكتفاء الذاتي من خلال إيرادات محاصيلهم الزراعية. فهم يعتمدون على السلع المصنعة في  المدن الكبرى. لقد كان الوضع بالنسبة لهم كله مفارقة مثيرة للسخرية، لم يكن بوسعهم أن يتخيلوا لماذا يجب أن تكون منطقتهم، أغنى الأراضي في سوريا،  وفي نفس الوقت أفقر المناطق من حيث الدخل الفردي.

لم تمتلك عائلتي أية أرض زراعية. وقد كان شيئا غير اعتيادي  في المنطقة ألا تمتلك أرضا. في الواقع كانت لدينا بعض الأراضي، ولكن الحكومة استولت عليها. فعندما مات جدي، كان أبي شاباً يافعاً غير قادر على الاهتمام بالأرض. وكانت جدتي وحيدة، وبالكاد قادرة على تربية والدي. اعتقدت الحكومة أن الاستيلاء على الأرض كانت فكرة أكثر حكمة من إبقائها غير مستخدمة من قبل والدي وأمه الفقيرة. هكذا، وبعد مرسوم محلي أشبه بالمهزلة، استولت الدولة على الأرض رسميا من عائلتي. 

خلال حياته، مارس والدي وظائف أخرى مثل التدريس والقيادة والتجارة لدعم أمه الوحيدة. 

– لقد قدمت لي الحكومة خدمة جيدة عندما أخذت مني أرض العائلة. وبخلاف ذلك، كنت سأكون مثل أي مزارع آخر في هذه المدينة، لا أعرف أي شيء في الحياة سوى الزراعة.

قالها والدي  ذات مرة لأشقائي عندما كنا نقضي أمسية في إحدى القرى المجاورة لنا.

– هيا يا شباب، دعونا نركب الباص. سبعة منا ننتظر هنا الآن وأفضّل أن أكون مع عائلتي هذه الليلة أكثر من قضائها هنا في هذه البقعة المملّة.

هكذا أعلن أحد السائقين وأشار إلى إحدى الحافلات المتوقفة في الزاوية الأخرى من المحطة. كنت قد نسيت جرحي في ذلك الوقت. رغم أنه كان يؤلمني بعض الشيء، لكنني كنت قادرا على التحمل. جلست وجاري في المقاعد الخلفية. حيث كنا نظن أنه سيكون أكثر اتساعا حتى نتمكن من الاستلقاء. كذلك جلس الركاب الآخرون في مقاعدهم. كانت السيارة جاهزة كي يجلس السائق خلف المقود. ألقى السائق سيجارته غير المنتهية ووقف أمام باب الركاب قائلا  والدخان يخرج من فمه وأنفه:

– أريد منكم أن تدفعوا مقدما، وأعلمكم أنكم ستدفعون ضعف التعرفة الاعتيادية. 

صاح رجل في منتصف العمر فيه بغضب:

– لماذا ذلك؟!

كان يجلس بعيدا مني.

انفجر فيه السائق:

– هل تمزح معي، كأنها حرب في المدينة، ألا ترى ذلك؟ 

رد عليه راكب آخر:

– لكنك كنت أنت تريد الذهاب للبيت في جميع الأحوال.

– اعترض كما تشاء، ولكن سأطلب المال الذي أريده، وإذا كنت لا تريد دفع الأجرة، يمكنك البقاء هنا. من الأفضل لك أن تخرج بسرعة من الباص، لأننا نعرض حياتنا للخطر كلما أطلنا من البقاء هنا. لا بدّ  من الخروج من المدينة وحدودها بأقصى سرعة.

قال لنا السائق بهدوء هذه المرة. حدث استياء قصير بين  الركاب داخل السيارة. باستثنائنا أنا وآزاد، فقد كان على الجميع أن ينطقوا بشيء للتعبير عن استيائهم. بعد ذلك، دفعنا الأجرة طواعية للسائق، الذي شعر ببعض الإحراج. أخيرا بدأنا رحلة العودة. 

الآن بعد أن أيقنت أنني في طريقي إلى المنزل، بدأت أفكر في اختلاق كذبة لسبب غيابي كل هذا الوقت. لم أكن قلقا  بشأن جرحي الصغير لأنه كان موجوداً تحت ثيابي. ولا أحد يستطيع رؤيته. لذلك ركزت على حبك رواية قابلة للتصديق أستطيع أن أقنع أهلي بها عند عودتي – وبالأخص أخي الكبير. وأنا تائه في خضم أفكاري، أجفلني مع بقية ركاب الحافلة صوت قوي لكسر الزجاج. ضغط السائق على الفرامل بذعر، مما أصدر صريرا ضخما وصوتا لم أسمعه في حياتي أبدا. توقفنا في منتصف الطريق. بقيت متسمّراً في مكاني، وسرعان ما أدرت رأسي لرؤية ما حدث للتو. على ما يبدو كان حجرا قد أصاب إحدى نوافذ السيارة.

كانت مجموعة من الناس قد اجتمعت حول شخص مستلقٍ خارج الحافلة. كان الدم يتناثر في المكان. ركض رجل  نحونا وطرق بعنف على الباص. اصفر وجه السائق وفتح له النافذة ليسأله عما يريده. 

– نحتاج منك أن تأخذ هذا الشاب إلى أقرب مستشفى. لقد تلقى طلقة من رجل الأمن.

قال الرجل ذلك وهو يحاول التقاط أنفاسه.

– لا أستطيع فمعي ركاب يريدون الذهاب إلى عامودا.

قالها السائق ملتفتا نحونا. 

– يجب أن تخجل من نفسك. أولست كردياً؟!

تدخل ذلك الرجل الذي صرخ على السائق في المحطة متوجها بحديثه للرجل الآخر.

– يمكنك إحضاره. يمكننا نقله إلى المستشفى في طريقنا.

قال الرجل:

– شكراً لك يا سيدي!

ثم نظر بازدراء إلى السائق قبل عودته إلى الشخص المصاب والحشد المحيط به. عادوا جميعا حاملين الجريح من أطرافه. كان وجهه المصفر والمتعرق هو الدليل الوحيد على إصابته. تم إخفاء جرحه تحت ملابسه وغطى بقطع من السراويل الممزقة.

بدأنا بإفساح المجال للراكب الجديد. وضغط الركاب أنفسهم في المقاعد الصغيرة لمنح الجريح مساحة أكبر. اشتعل  المحرك وتحركت السيارة مرة أخرى. لم يعرف السائق الذي لا يزال مذعورا إلى أين يذهب. أخبره أحد الرجال الذي رافق الشاب الجريح كيف يصل إلى أقرب مركز طبي، قائلا إن معظم المستشفيات الآن تخضع لحراسة شديدة من قبل الشرطة وقوات الأمن للحيلولة دون علاج الجرحى. توقفنا في الباب الخلفي للمستوصف لتجنب الوقوع في قبضة الشرطة، الذين لم يكونوا بعيدين عن الباب الرئيس.

 فتحت ممرضة تلبس مريولا أخضر اللون الباب بحذر. لوحت لنا. وساعد السائق واثنان من الركاب الرجل في نقل الجريح إلى داخل المبنى. أدخلتهم الممرضة بسرعة وبعد دقائق عاد الرجال الثلاثة. بسبب التأخير اقترح السائق أن نذهب إلى المنزل بسرعة. أومأ الجميع بالموافقة.

تستغرق الرحلة بين قامشلي وعامودا أقل من نصف ساعة، لكن السائق حذرنا من أن الأمر قد يستغرق وقتا أطول هذه المرة، في ظل هذه الظروف. وقال إنه قد تكون هناك نقطة تفتيش أو اثنتان على الطريق. كانت الأمور على ما يرام حتى اقترابنا من عامودا. ولكن فجأة رأينا سيارتين للشرطة تسدان الطريق. تباطأ السائق وتوقف على بعد عدة أقدام من سياراتهم. اقترب منا ضابط، وأومأ لنا برأسه المستدير. طلب منا جميعا أن نظهر بطاقات الهوية الخاصة بنا. أنا ونصف الركاب لم نكن نحمل وثائق تثبت هويتنا.

في هذا الجزء من البلاد، لم يكن الناس يحملون بطاقات الهوية. كانوا يعرفون بعضهم البعض ولم تكن لدى السلطات قوانين صارمة تقضي بأن يكون المواطنون يحملون بطاقة الهوية الخاصة بهم. كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما حصلت بطاقة هوية وطنية، حينها حملتها معي لعدة أيام – وأظهرتها للأصدقاء والأقارب كعلامة على بلوغ سن الرشد – بعدها لم أرَ حاجة للاحتفاظ بها في محفظتي.

طلبوا منا “ممن لم يحملوا بطاقة هوية” النزول من الحافلة. قال الضابط إنه سيكون علينا قضاء الليلة في مركز الاحتجاز لحين تأتي عائلاتنا ببطاقات الهوية. كان قضاء ليلة أو حتى ساعة في مركز الاحتجاز يعني موتي. أعتقد أن عائلتي تفضل قتلي على  السجن، حتى لو كان السبب عدم حملي للبطاقة الشخصية.

لكنني لم أتمكن من نطق أي شيء بحضور الضابط. لقد كان مسؤولاً حكومياً سيئ السمعة إذ أن تصرفاته القاسية أرعبت الناس في عامودا منذ عقدين. أمسك بأحد الركاب الذي كان يقف معي خارج الحافلة الصغيرة وصرخ في وجهه باللغة العربية:

– أين تظن نفسك تعيش، يا ابن العاهرة؟ أين هويتك؟.

– أنا أعيش في المدينة الفاضلة، يا سيدي!

أجاب الرجل باللغة الكُرْدية. كان يسخر منه.

عبس الضابط:

– لا تتحدث معي بتحدٍّ بهذه اللغة القذرة غير المفهومة.

قال وهو يزداد غضبا:

– هذه هي أمة عربية والعربية فقط هي اللغة المسموح بها في هذه الأرض.

– أنا آسف! ولكن هذه هي اللغة الوحيدة التي أستطيع التحدث بها. رد الرجل الكُرْدي دون أن يغمض عينه. جاء رده بكل برودة. 

ربما كان يتحدث اللغة العربية أفضل من الضابط نفسه لكن رفضه للتحدث بها كانت طريقته في الاحتجاج على الظلم.

صرخ الضابط على اثنين من أفراد دوريته وأمرهم بإلقاء الرجل في صندوق إحدى السيارتين. ثم اختفى عن بصرنا بعد ثوان. كان الضابط يقف على مقربة بضعة خطوات مني، كان لاهثا ورائحة كريهة تنبعث من فمه نحو وجهي. سألني عن اسمي وعائلتي. أجبت بسرعة. 

– أخوك يبيعني حبوب قهوة جيدة. وفي  بعض الأحيان يعطيني خصومات جيدة.

قالها وهو ما زال قريبا من وجهي.

– أنت ولد محظوظ ولأجل أخيك لن أؤذيك.

وجه كلامه لي فيما كانت يده الثقيلة تصفع وجهي. بعدها دفعني نحو باب الشاحنة الصغيرة وأمرني بالركوب. بقي الآخرون خارجا. زحفت إلى مقعدي بجانب النافذة لأستطيع أن أسمع حديثه مع الركاب.

– ماذا عنك يا أحمق؟!

سأل الضابط صبيا كان مذعورا.

– سيدي ليست لديّ أية وثائق.

قالها ببطء.

– أنا أعلم يا غبي! هذا هو السبب في أنك تقف هنا.

قال الضابط  بصرامة.

– سيدي، لقد قصدت أنه لم تكن لديّ أية وثائق في حياتي.

قال الصبي بصوت خاطف.

– أها، إذا أنت أجنبي يا ابن الزنا؟

سأله الضابط بابتسامة مصطنعة.

– نعم سيدي.

أجابه الصبي بصوت خانق.  

قضية الأجانب هي قصة مختلفة. ففي عام 1962، أصدرت الحكومة مرسوما لإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة، حيث يعيش معظم الكُرْد. وزعموا أن العديد من العائلات الكُرْدية هاجرت من تركيا بشكل غير قانوني وأنهم بحاجة للعودة. ونتيجة لهذا الإجراء، تم تجريد أكثر من مائة ألف شخص من جميع حقوقهم المدنية، بما في ذلك الحق في التعليم، والزواج، والسفر، والتوظيف العام، وحقوق الإنسان الأساسية الأخرى. وقد تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات على مر السنين. وجاءت الخطوة بعد عدة أشهر من انهيار الاتحاد الهش بين سوريا ومصر والذي استمر ثلاث سنوات فقط أثناء ذروة الفكر العروبي، حيث كانت سوريا مهدا للكثير من القادة القوميين العرب، بما في ذلك ميشال عفلق الأب المؤسس لحزب البعث. أما مصر فقد كانت تحت قيادة الزعيم العربي جمال عبد الناصر، الذي كانت طموحاته للوحدة العربية دافعا لتعاطف الملايين في جميع أنحاء العالم العربي من المتعطشين لانتصار قومي من قائدهم الشاب الملهم.

بعد سقوط ما كان يُسمى بالجمهورية العربية المتحدة، استولت الحكومة الانفصالية على زمام الأمور في سوريا وبدأت بحملة شرسة داخل البلاد. في محاولة لتعزيز شعبيتهم بين العرب السوريين، قام الانفصاليون بإعداد إحصاء سيء السمعة الذي أصبح فيما بعد يعرف باسم الإحصاء العنصري بين الكُرْد.

المفارقة العجيبة في تلك السياسة التعسفية أنها تركت آلاف الأسر مقسمة. حيث داخل إحدى العائلات، جُرّد الأب ونصف الأطفال من جنسيتهم، بينما احتفظت الأم والنصف الآخر بجنسيتهم. بالنسبة للكرد، فقد كان ذلك ادعاء من الحكومة بأن هذه العائلات قد قدمت من تركيا. لكن إن كانت هذه العائلات مهاجرة وغير شرعية بالفعل، لماذا إذا تم حرمان نصف الأسرة فقط من جنسيتها؟ لقد بقي هذا السؤال دون إجابة لعقود.

ببساطة، تم تدمير أجيال كاملة لأن رجلاً موتوراً استيقظ في صباح أحد الأيام، واعتقد أنه يستطيع صهر أمة مختلفة تماماً داخل دولة بوليسية متجانسة تبجّل فقط قوميتها العربية.

تحركت سيارات الدفع الرباعي للشرطة من على  جانبي الطريق واختفت خلف الغبار المتصاعد. بات الباص الصغير فارغا من نصف الركاب.  حتى آزاد أخذوه، ولم أكن أعرف ماذا سأقول لعائلته. السائق أيضا كان مذهولا مما حدث للتوّ. أشتعل المحرك أخيرا وانطلقت  السيارة مرة أخرى نحو عامودا حيث مررنا عبر مدخل المدينة. لقد كانت الشوارع خالية. 

كان ظلام زاحف يغطي الشارع الرئيس الذي امتد لعدة أميال عبر المدينة. فقط اثنتان من المحلات الصغيرة بما فيه محلنا كانتا لا تزال مفتوحتين. وصلت الحافلة الصغيرة إلى وجهتها الأخيرة ونزل الجميع. مشيت بسرعة، كما لو كنت أرغب في العودة إلى المنزل أسرع من المعتاد. الحقيقة أنني لم أرغب أبداً في العودة إلى المنزل. كنت أعرف أي نوع من التوبيخ كان ينتظرني. كانت الصراصير تقترب من حولي. شعرت وكأنهم يشاهدون خطواتي في الظلام. 

داخل المنزل، توجهت من فوري إلى الحمام للتبول. ولكن قبل أن أدخل، دفعت أمي الباب. قالت وهي تتحدث بنبرة توبيخ:

– أين كنت طوال اليوم أيها الماكر؟

– لقد كنت في الملعب. بالتأكيد تعرفين ماذا حدث.

أجبت في محاولة لتغيير الموضوع.

– أعرف ماذا حدث. لقد كان أخوتك قلقين بشأنك، لذا ذهبوا إلى قامشلي للبحث عنك.

قالت والدتي وهي لاتزال غاضبة. لم تكن تريد أن تناقش المشهد في الحمام، فتركتني، وأغلقت الباب خلفها.

خلعت ملابسي القذرة وتنفست الصعداء. ملأت رائحة عرقي الحمام. كانت رائحة مثيرة للاشمئزاز حقاً، كما لو أنني لم أستحم من شهور. في اللحظة التي وضعت فيها رأسي تحت الدوش، شعرت وكأن شيئاً حاداً فتح جمجمتي. تلمست مكان الألم بيدي. كان مؤلما جداً. أخذت بضع خطوات إلى الوراء واقتربت من المرآة. لم أستطع رؤية أي شيء بسبب الضباب المتراكم على سطح المرآة. عدت إلى الحمام مرة أخرى وبدأت بغسل رأسي بالماء فقط. لم أكن أرغب في المخاطرة بإضافة الصابون، في حالة وجود الجرح. لا يزال يؤلم. توقفت ونظرت فيه. كانت أرضية الحمام مغطاة بالكامل تقريباً ببقع صغيرة من الدم المجفف. كانت سقطت من رأسي. لقد شعرت بالخوف. كان جسدي يرتجف، وشفتي جفت فجأة. فكرت في استدعاء والدتي. لكن تلك الفكرة تلاشت على الفور. تحممت على وجه السرعة وركضت من الحمام. في غرفة نومي أخذت كتابي المدرسي. لكن قراءة الحروف على الصفحات كان مستحيلاً. لقد شعرت فجأة بالحاجة إلى نظارات.

رميت الكتاب جانبا واستلقيت على سريري. أغمضت عيني، حاولت أن أتذكر ما حدث خلال ذلك اليوم الطويل. من لحظة تسللي من المنزل حتى وصولي إلى الحمام. التفكير في كل تلك الأحداث كان يثقل رأسي. فتحت عيني ونظرت في الجدار من حولي. كان الوقت منتصف الليل، لقد نمت لمدة ساعتين تقريباً. نهضت وذهبت إلى غرفة المعيشة. العائلة بأكملها كانت لا تزال مستيقظة.

كانت أمي ملتصقة بالتلفاز الذي كان يبث برنامجاً مباشراً باللغة الكُرْدية من قناة موجودة بأوروبا، والكُرْدية كانت اللغة الوحيدة التي تتحدث بها أمي. قام شخصان يتحدثان ويحللان أحداث الملعب حول لعبة كرة القدم. فوجئت بأن لديهم كل التفاصيل الصغيرة حول هذا الموضوع.

– إخوتك سيبقون في قامشلي هذه الليلة. لأنهم لم يستطيعوا العودة إلى البيت فالشرطة فرضت حظر التجول في الشوارع.

قالت والدتي دون أن تبعد عينيها عن التلفاز. 

مكثت هناك لبضع ثوان، ثم نهضت وذهبت إلى الشرفة. كان النسيم عليلا في تلك الليلة الربيعية. تفحصت الشارع الفارغ للحظة ومن ثم عدت إلى الداخل وإلى غرفتي مباشرة. كنت أشارك مع أحد إخوتي غرفة نوم وهو الآن في قامشلي. لهذا كان عليّ قضاء الليلة وحيدا في الغرفة. كنت ما زلت مستيقظاً عندما صفر المنبه. كان الألم لا يزال موجوداً وكان عقلي لا يزال في لعبة كرة القدم. وجسدي ما زال يتألم. كنت بحاجة إلى سيجارة رغم أنني لم أكن أدخن، لكنني أردت أن أدخن سيجارة في الخفاء في تلك اللحظة.

كان أخي كادو، شريكي في الغرفة مدخّناً، ويحتفظ دائما ببضع علب سجائر في غرفتنا. نهضت وتوجهت إلى الخزانة الصغيرة التي تم تحويل نصفها العلوي إلى رف للكتب. بدأت أبحث عن السجائر بين الكتب. أحضرت واحدة، ووجدت علبة كبريت وبعدها ذهبت نحو النافذة التي كانت تطل على فناء خلفي صغير لا يحتوي إلا على بعض المزروعات المنتشرة هنا وهناك. لم أكن أرغب أن يراني أي شخص في المنزل، لذلك أخرجت رأسي خارج النافذة لمنع الدخان من الدخول إلى الغرفة. لم تكن للسجائر طعم على معدتي الفارغة. ولهذا رميتها بعيدا حتى قبل الانتهاء من نصفها. غادرت الغرفة وذهبت إلى الحمام.

كانت والدتي تقف بجانب الباب كما لو كانت تعلم أنني سوف أستيقظ في ذلك الوقت. كان وجهها شاحباً ورأسها مائلا للأسفل.

– الناس في الشوارع في جميع أنحاء قامشلي.

وأكملت:

– يقال إن العديد من الناس قد قتلوا فعلا على يد الشرطة.

لم تصدر مني أية ردة فعل على تلك الأخبار. والدتي تفاجأت بلامبالاتي.  

كانت تعرف أن لديّ وجهة نظر سياسية قوية حول ما كان يحدث في البلاد، وخاصة للكُرْد ومحنتهم القومية. لذا فكرت بأن نشر الأخبار حول الاحتجاجات في قامشلي من شأنه أن يثير عواطفي القومية. في الواقع، كنت أتوقع تصعيدا في الأحداث. فتعامل النظام بهذه الطريقة الشرسة من شأنه أن يجعل الأمور ألا تسير بسهولة. كانت الحكومة في الواقع في انتظار هذه اللحظة من أجل قمع الكُرْد مرة أخرى. عندما قرر الناس الخروج إلى الشارع في اليوم التالي للمشاركة في مواكب الجنازات للشبان الثلاثة الذين قُتلوا خلال المباراة، شعرت السلطات بإمكانية تحولها إلى احتجاجات. حيث بدأت بإزعاج الناس، وإغلاق بعض الشوارع ومحاولة الحفاظ على مواكب الجنازة بشكل محدود  قدر الإمكان. لكن ذلك زاد من غضب المعزين. أرادت الناس الغاضبة من الشرطة أن تتراجع قبل أن تصل إلى المقبرة. شعرت الشرطة بالإهانة وبدأت في إطلاق النار يميناً ويساراً.

سقط عدد من القتلى على الفور وأصيب العشرات. أصبحت الأمور أسوأ عندما بدأ الدم يتدفق في الشارع. في أقل من ساعتين، كانت الأخبار تصل إلى جميع أنحاء البلدات والمدن الكُرْدية المحيطة، ولقد وصلت حتى العاصمة والمدن الكبيرة الأخرى التي يعيش فيها الكُرْد.

نظمت احتجاجات للتعبير عن إدانة عمليات القتل العشوائية للمدنيين في قامشلي. أما في عامودا فقد ذهبت الأمور بمنحى أخطر حيث حطم المتظاهرون تمثال الأسد الأب. خلال يومين قُتل ما يقرب من ثلاثين كرديا على يد قوات الأمن الحكومية. تبعت ذلك حملة اعتقالات واسعة استهدفت مدنيين شاركوا في مظاهرات مناهضة للحكومة. وذلك بفعل  قانون الطوارئ القائم منذ عقود وأصبح الآن أكثر فعالية من أي وقت مضى. وقد اعتقل الناس من الشوارع دون أية أوامر قضائية وأُبقي عليهم بالسجن لأشهر دون محاكمة.

وسط هذه الفوضى وجدت نفسي في حالة ارتباك كبيرة. على الرغم من أنني شاركت بقوة في الاحتجاجات واعتقدت إلى حد ما أن الانتفاضة كانت ضرورية لجعل الكُرْد يرفعون مطالبهم إلى دمشق، كانت الأمور تسير بسرعة كبيرة لدرجة أنها بدت كحلم.

عندما بدأت حملة الاعتقالات، انهارت كل آمالي على الفور. كنت أعرف أن الحكومة قد سيطرت مرة أخرى. تم اعتقال العديد من الأشخاص الذين أعرفهم وكان مكانهم غير معروف. كان جاري آزاد أيضا من بين المعتقلين، اعتقلوه لمدة شهر، ظننت أنني سوف أحتجز أيضا. قضيت المزيد من الوقت في المنزل. ليس فقط لأنني كنت خائفاً من حملة القمع، ولكن أيضاً لأنني كنت بحاجة إلى وقت للتصالح مع نفسي. خيبة أملي تجاه تحول الأحداث في الخارج، جعلتني أصبح انطوائياً. أمضيت ساعات أكثر في غرفتي، ولم أتركها إلا لاستخدام الحمام وتناول الطعام الخفيف. لاحظت عائلتي أن تركي لوحدي هو أفضل بكثير من مناقشة الوضع.

قبل عدة سنوات من تلك الانتفاضة، كنت أتعمق في  قراءة كتب عن السياسة والتاريخ الكُرْديين. وكان لديّ شغف خاص بالأعمال التي كتبها مؤلفون أجانب عن الكُرْد. أشعر بسعادة غامرة في كل مرة عندما أقرأ كتاباً لباحث روسي أو ألماني أو فرنسي أو أمريكي عن شعبي، خاصة عندما أظهروا جماليات بعض التقاليد بين الكُرْد مقارنة مع القوميات المجاورة الأخرى. إن إهمالنا وحرماننا من الحقوق الأساسية جعل أجيالاً منا يتوقون إلى الأشياء التي اعتبرتها الشعوب الأخرى أمراً مفروغاً منه.

انتهت مباراة  دي سي يونايتد وهيوستن دينامو بفوز كبير لفريقنا. جعلني ذلك سعيداً نوعاً ما، على الرغم من أنني لم أكن أعرف أسماء نصف لاعبي فريق العاصمة. لكنهم ينتمون إلى المدينة التي أعيش فيها. شعرت أنني بحاجة أن أكون إلى جانبهم. عانقت بيدي كتفي داون وبدأنا نتدرج ببطء نحو البوابة الخارجية للمعلب. شتان بين هذا الخروج الهادئ في ملعب واشنطن وذلك الخروج الدموي لملعب قامشلي.