فرانسواز ساغان ..وهدير الرغبة

فرانسواز ساغان ..وهدير الرغبة

كه يلان مُحمَد
إنَّ التجديد والتنوع في الصياغة والشكل هوما يتطلعُ إليه مُعظم الروائيين إذ يتمُ تتبع مسار تطورهم بناءً على ما أُنجِزَ على المستوى البنائي الذي يُضيفُ إلى مضمون العمل الأدبي ومن المعلوم أنَّ ثمة كُتاباً مغرمين بثيمات مُعينة ولايُمكنُ التغافلُ عن هذا الجانب خلال تناول مؤلفاتهم وليس المرادُ من ذلك إختزال المعطي الأدبي في السياقات المُغلقة لأنَّ النصَوص مُتعددةُ المداخلِ وبالتالي تختلف القراءات وفقاً لما تنطلقُ منه وتختارهُ مدخلاً إلى فضاء النص.إذاً فإنَّ المؤلف يمررُ فكرتهُ بالإستمرار في صياغات مُختلفة وينهضُ عمله على ثيمات هي مثارُ إهتمامهِ الأمر الذي يضفى خصوصية إلى كتاباتهِ ويتآلفُ القاريء مع أجوائها دون أن يُسفر ذلك عن تلاشي عنصر التشويق.وهذا مايلاحظُ في أعمال الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ فإنَّ الثمية النفسية ركنُ أساسي في بناء رواياته كذلك الأمر بالنسبة للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان حيثُ يكون التركيز على البعد النفسي في تركيبة شخصياتها الروائية ويتبدى هذا الميل من باكورة عملها الروائي “صباح الخير أيها الحزن” وينعكسُ بالوضوح في “هل تحبين برامس؟”حيثُ تمرُ الشخصيات الثلاث الأساسية للعنوان الأخير بتجربة عاطفية مُلتبسة.إذ يراودُ هؤلاءَ الرغبة لإختبار علاقات عاطفية جديدة مشبوبة بالتوتر والقلق خصوصاً بالنسبة لشخصية “بول” التي تُعاني من الفراغ جراء هجر عيشقها.ومن الواضح أنَّ الرغبة هي المحرك الرئيس في مؤلفات ساغان وكثيراً مايتضاعفُ دورها في شخصية المرأة.وعن رأيها حول الحب أكدت فرانسواز ساغان أنها تؤمن بالرغبة التي قد تدوم سنة أو سنتين أما غيرها فلاتريد التَحَدُثَ عنها.طبعاَ أنَّ هذه الرؤية مبثوثةُ في تضاعيف نصوصها وتعبرُ عنها شخصياتها المسكونة بالمشاعر المُتناقضة.وقد تكونُ شخصية “دومينيك” في رواية (إبتسامة ما) دار المدى2019 أوضحُ تَمثيلا لفاعلية ودور الرغبة لدى فرانسواز ساغان.

هدير الرغبة
يبدوُ مناخ روايات فرانسواز ساغان هادئاً في الظاهر إذ أنَّ شخصياتها معدودة وتتحركُ في مساحة محدودة لكن هذا يناقض لما يتمُ إكتشافه على المستوى الداخلى لدى الشخصية الأساسية حيثُ هناك صخبُ وتوتر في الأعماق وهذا التعارض القائم بين المستويين هو مايطيبُ لساغان أن تعملَ عليه وتؤثثَ على خطه عالم مؤلفاتها الروائية ومن الواضح أنَّ الإنهمام بدواخل الشخصيات يتطلبُ توظيف تقنية الإستبطان والإنصات إلى الإختلاجات الداخلية لذا تصبحُ الأشياء الخارجية إمتداداً للمشاعر العميقة مثلما تجدُ ذلك في رواية “هل تحبين برامس” وينسحبُ أيضاً على رواية “إبتسامة ما” إذ يؤشر تبدلُ الأمكنة والفضاء إلى تحولٍ فى العلاقة بين الشخصيات كما ترى ذلك في رحلة دومينيك مع لوك إلى الساحل حيث يتحققُ ماكان يلوح في صورة رغبة مؤجلة في خيال دومينيك عندما تعرفت على لوك وهو رجل كهل عن طريق حبيبها برتران راودتها رغبة لملامسة وجهه وأقرت بأنهُ أكثر مشتهاة من إبن إخته لذلك يعجبه أكثر من برتران علماً بأنَّ لوك لم يكنْ وسيماً غير أن قسمات شكله هي ماشدت دومينيك طبعاً يكمنُ تفسير هذا الموقف في الرغبة التي بمثابة المحرك الرئيس للشخصية.أزيد من ذلك فالرغبة تُمكنُ الذات من أن تمتدَ خارجها وتذهبَ إلى الآخر على حد قول الفيلسوفة الفرنسية إلزا غودار. تمضي ساغان أبعد من ذلك فبرأيها إذا كانت الرغبة دافعا للتواصل مع الآخر فإنَّ معرفة الذات ماهي إلا نتيجة لذلك التواصل وماتقوله دومينيك حول علاقتها مع الحبيب الأول يحملُ جينات ساغانية “برتران حبيبي الأول معه تعرفتُ على عطر جسمي.على أجسام الآخرين نكتشفُ دائما أجسامنا،طولها رائحتها بحذر في البداية ،ثم بالعرفان” وهذا مايذكرُ بما أوردهُ إيتالو كالفينو في “لو كنت مسافرا في ليلة الشتاء” بأنَّ الحياة ليست إلا تبادلاً للروائح.هنا تكتسبُ الرائحة وظيفة علاماتية تحيل إلى الذات.
ممنوع الحب
يستمدُ النصُ الروائي عنصر التشويق من المُفاجآت التى تظهرُ في سياقه هنا تُباغت ساغان القاريء من خلال الدفع بشخصيتها الأساسية نحو موقع يصعبُ عليك توصيفه وممايزيدُ من غموض الموقف أنَّ دومينيك تُبدل حبها لبرتران بعلاقة مجهولة مع خاله لوك مع أنَّ الإثنين يمارسان الحب ويتعمق التواصل الجسدي بينهما غير أنَّ كلمة الحبِ تغيبُ في يوميات تلك العلاقة. وعندما تريدُ دومينيك وصف مايربطها ب”لوك” تدركُ بأنَّ ماتعيشه يقع خارج الأطر تقولُ متسائلة “لا أدرى إن كان هذا حباً أو تفاهماً هذا لايهم كنا وحيدين كل من جهته” ومن ثُمَّ تعقبُ على ذلك بما تتخيلهُ بعد ستة أشهر على الأيام التي جمعتهُ ب”لوك” وما هو واضحُ بالنسبة للبطلة أنَّ سيناريو إنفصال الرجل الكهل عن زوجته فرانسواز مُستبعدُ حتى لو أراد “لوك” هذا الإختيار فهى ترفض أن تكون بديلا للزوجة.بما أنَّ المستوى النفسي في روايات ساغان يكون محوراً للبيئة السردية لذلك تتواردُ الكلمات والملفوظات الكاشفة عن القلق من الفراغ العاطفي والوحدة والسأم ويصعبُ فهم تكوين الشخصية الأساسية في رواية (إبتسامة ما) دون ربطها بهذه الكلمات المفتاحية إذ تسردُ دومنيك تفصيلات علاقتها ب”لوك” لافتةً إلى ماعاشته من الملل خلال سنة دراسية مع تلميح إلى تراكم أعمال كثيرة لدى عشيقها الجديد فالبتالي يفصحُ الكلام أن المشترك بين الإثنين ليس إلا الشعور بالملل.عطفاً على ماسبق فإنَّ حلقات السرد تنفتحُ على حوارات حول مفهوم الحب بين دومينيك وصديقتها كاترين فالأخيرة تخبر برتران بمغامرة حبيبته مع لوك.كما أنَّ اللغة توحي بوجود غيرة دفينة لدى شخصيات ساغان.إضافة إلى الشخصيات التي تنتظمُ عليها حركة السرد توجد شخصيات ثانوية. والأغرب في هذا الإطار هو معرفة فرانسواز بعلاقة زوجها مع دومينيك دون أن تتخذ منها موقفاً مُناوئاً بل حدبت عليها حناناً وعطفاً وأرادت أن تخرج هذه الطالبة من مظهرها التعيس يذكر أن النص مضفور بعبارات دالة على المشاعر والمواقف الإنسانية تقول ساغان على لسان البطلة ” العيش في تجلياته القصوى ،هو أن يرتب المرءُ نفسه ليكون سعيداً أكثر مايمكن”وفي ذلك نبرة أبيقورية عن الحياة.تُحَملُ ساغان شخصياتها الروائية كثيرا من إهتمامتها الموسيقية إذ تفردُ صاحبة (جرح الروح) جزءاً من مذكراتها للحديث عن الموسيقى وإعجابها بالفنون الموسيقية.كما تتوالى في متن نصوصها الإشارات إلى أسماء فلسفية وأدبية سارتر ومارسيل بروست وستاندال والمعروف عن ساغان تقديرها الكبير لجان بول سارتر كما وصل إعجابها ببروست إلى حد إختارت إسم إحدى شخصيات (البحث عن الزمن الضائع) بديلاً ل”كواريز” فأصبحت مشهورة بفرانسواز ساغان إلى جانب ذلك تشير في مذكراتها إلى أثر كامو في تكوينها المعرفي وذلك بدأ عندما قرأت “الإنسان المُتمرد”عدا عن المجال المعرفي والأدبي كان لساغان شغف بالسيارة وإعترفت بأنَّ المال لايجلبُ السعادة لكن تفضل بأنَّ تبكى في جاكوار بدلاً من الباص.بالعودة إلى “إبتسامة ما” فإنَّ ما يتأكد أنَّ دومينيك قد أحبت “لوك” وهذا ماحدا بها لتوديع برتران الذي تعرفت عليه خلال إمتحانات نهاية السنة الدراسية في السوربون.وتنتهي الرواية بصعود البطلة إلى غرفتها بالبيت الجامعي بعد مكالمة مع شخصٍ نحسبه عشيقها لوك ويكون ذلك مرفقاً بالمؤثر الموسيقي .
*الجمهورية اللبنانية