فاصلة بين مَوجَين.. ومخيم*

فاصلة بين مَوجَين.. ومخيم*

هيثم أبو الغزلان

يجَلِسُ “ثائر” في عصر يوم مشمس على صخرة متوسّطة الحجم، تبرز في جوانبها نتوءات مثل الإبر، ليست ملساء ولا تُريح الجالسين. تمامًا مثل الذي يركب بساط الريح واقفًا، يظلّ قلقًا، والريح تُوجّهه شمالًا أو جنوبًا، لكنّه لا يستطيع توجيهها أو السيطرة عليها!

لعلّها هي الريح نفسها التي تتواطؤ مع رذاذ البحر وموجاته المتتالية ليتطاير مثل غبار صيف يكاد يُغلق أنفه. ويدخل بعضها في عينيه اللتين بحثتا عن نومٍ هانئ في ليلة شديدة السواد فضاعت بين جنباته، وأثقلها السهر. فانتفخت أوداجه وبدأ يخبو بريق عينيه اللتين أصبحتا مثل حبّتي خرز.

..بدا البحر مثقلًا، واسعًا، بلا أفق، لكنّه يهدر بصوت عالٍ كمن يريد أن يتحلّل من كل شيء فيه فيقوم بِلَفظِ أسراره إلى الشاطئ، لكنّه ما يلبث أن يبتلعها مثل الذي شعر فجأة بندم شديد؛ فلم تأخذه العزّة بإثم البوح؛ فانكدرت نفسه، وعاد إلى نفسه!

وحين يُزحزح “ثائر” جسده الملتصق بالصخرة، تهبط عليه الهموم فجأة، فلا يستغرب من ذلك البتّة؛ فهل غادرته لكي تعود، وهي الملتصقة به، تعيش فيه، تنام معه، ويتشاركان البحر معًا؟! فهي مثل البحر تبدو هادئة في أحيان، بينما يضج ما حولها بحركة لا تهدأ، وثائرة في أحايين كثيرة مثل إعصار يقتلع ما حوله ويجعل كل شيء خرابًا؛ فيتساءل في نفسه:

 هل هي ولادة من جديد لروحٍ تصل إلى السماء، تُقارع السحاب، وتعود مطرًا؟! أم هي مجرّد خطوات مرصوفة تقود إلى مجهول نضيع فيه ويضيع فينا؟!

يمرُّ الوقت ببطء. يتعمّد أن يُريَه البحر بسكونه وثورانه، جماله وقبحه، بشاعته حين يضيق على محبّيه، وجماله حين يتّسع للعائدين على أكفّ الريح يصنعون المستحيل. وبين سكون البحر وحركته التي لا تهدأ؛ كانت كلُّ موجةٍ فيه حين يتقلّص تحمل أسرارًا، وتضع أوزار الأرواح التي أُزهقها، ولم يحملها إلى ضفّة أخرى علّه ينجيها. فما وصلت، وما غرقت، لكنّها عايشت بين موجاته كل الأهوال وما انكسرت..

في تلك اللحظات تراءت أمام عينيه مساحة واسعة من بحر لا متناهٍ، وأفق لا يغيب. فبدأ يستجدي أنفاسه التي بدأت بالتراجع رويدًا رويدًا، وأفرغت رئتيه من هواء يشاركه فيه البحر حاشرة إيّاه في زاوية ضيّقة على صخرة لا تمتلك قلبًا، أو شجرة لا تعطي هواء نقيًا لروحٍ قيّدها المكان، وسجنها المنفى. عندها تمنّى لو أنّه خُلق طائر نورس أبيض بجناحين كبيرين، يغطُّ ويطير، ولا يستطيع أحد تقييده! فهو لا يتقيّد بشارات مرور، ولا يقف عند تقاطع طرق، ولا أحد يمنعه من تنفّس الهواء؛ فهو لا يحمل جنسية معيّنة، ويسافر إلى حيث يريد ويشتهي حيث السماء مفتوحة أمامه. ولا يخاف حرس الحدود، ولا الشرطة، ولا البحر بهدوئه أو بثورانه.

وحين بدأ البحر بالتمايل يمنة ويسرة مثل سفينة لا تعرف مكانًا للرّسُو، بدأ قرص الشمس يرسل أشعته الذهبية، في هذا الوقت بدأ التعب يتغلغل في نفس “ثائر” بعد نحو ساعتين من الجلوس على صخرة صمّاء جعلت جسمه مثل لوح الثلج، فيما أفكاره ظلّت تغادر وتعود لا تستقر على حال، وروحه ليست على قيد الحياة، وليست بميّتة!

..في تلك اللحظات برز له الموت من البحر الذي لم يملّ، ولم يشبع. بدا يقترب، ويبتعد، يقع وينهض من جديد فيستل سيفه ويرويه من دماء الأبرياء ليلًا ونهارًا، كأنّه لا يكتفي بذلك. فيعود ليصول ويجول، ويتعب، ويستريح، يروح ويجيء، ويظل يحمل ما يريد وما لا نريد، مثل نسر جامح يتخطّف طريدته، أو مثل حصان يصهل في كل وقت ويدوس على رؤوس من يرغب!! أو مثل ريح تهبُّ وتقتلع، وتنقضّ على فريستها بوحشية، أو تقتلها برحمة، أو بين بين!!

وبكل جرأة يظهر الموت بدرجاته المتفاوتة؛ الوحشيّة، والرحيمة، وأيضًا التي تحرم الإنسان نعمة الحياة بقتل لا هو وحشيّ ولا هو برحيم.. تمامًا مثلما يفعل البحر حين تشق السفن عبابه، فمرّة يوصلنا إلى مبتغانا، ومرة إلى مبتغاه حيث يبتلعنا. لا يُفرّق بين صغير وكبير، أو بين رجل وامرأة، أو شاب وشابة، فالكلُّ حين يجوع البحر يصبح طعامًا له. فحين تعلو أمواجه وتتبدّل أحواله ندرك عندئذٍ أنّه لم يَعُد فينا النّبي نوحٍ لتُنجينا سفينته، ولا المسيح ليمشي على الماء فنصل معه إلى مبتغاه، أو النبي موسى ليَفرُق البحر بنا فينجو ويُنجينا..

فالناظر إلى البحر وهو يقف على شاطئه، ليس مثل الذي خاض عبابه، وذاق أهواله، ولامس الموت معه. فالهادئ الرحيم ومن يحضن عشّاقه الذين يترنّمونه أغنية تكشف أسرارهم عند غروب الشمس المترافق مع شعاع هزيل يُعانق فيه الشفق الأحمر لحظات الغروب مودعًا نهارًا ألقى إليه كل أوجاعه وتركه ومضى، ليس هو نفسه حين يتخلّى عن نفسه ويبتلع أحبابه.

فيتساءل “ثائر” في نفسه: هل تدرك كم مرّة تغيّر هذا البحر؟! وهل تدرك لِمَ تحوّل من بحر لطيف جميل حنون يهامس الشمس، ويعاتب القمر المختبئ خلف غيمات تخفي وجهه إلى حوت جائع بشع؟! ولماذا عانَدناه كسمكة صغيرة أبت تسليم نفسها، وعاندت التيار الجارف فلا هي نجت، ولا هو سيطر عليها، لم تبق حيث هي، ولا غادرته. كان همّها البقاء على قيد الحياة، وهمّه ابتلاعها مثل حجر يغوص إلى القاع؟!

هو نفسه القاع الذي غصنا إليه مرّات ومرّات، فلم يسترجع نفسه، ولم يُعدنا كما كنّا. فأصبحنا مثل قطيع الغنمات البيض المذعورات من الذئب المذعور ترمينا بالزبد الأبيض موجات من صحو يعلو، وموجات تهبط، أو تتوارى، أو تنعس مثل يمامات خلف الصخر الوهّاج بلا ضوء!! فنمشي لأكثر من ألف عام، نقطع ألف وادٍ، ونمتطي كل بحر هائج، نلمُّ العطر عند شواطئ الليلك، فنصل ولا نصل!

..سألت البحر يقول “ثائر” بموجه المتلاطم والمتتابع، ومائه المتطاير عن المخيم، والشهداء والمنفى، وأسرار الذين طاردهم فنشرها وغيّبهم. فلم يجبني، كأنّه صنم لا تسمع له همسا! أسأله  عن أؤلئك الذين ضاعوا في متاهاته، وأؤلئك الذين ما ضلّوا ووصلوا الأرض بروحهم أو بلهفتهم والحنين. فطَفَت جراحاتهم، وتسلّقوا إلى القمر، وعادوا إلى وجه الأم الكنعانية مُبتسمين، وهم يعبرون مخاض الألم من المخيم إلى البحر إلى الوطن، وهم يردّدون:

..ويا أيّها البحر

إن فلسطين فاصلة بين موجين.

* فصل من رواية “مرج البحرين” التي صدرت في تشرين أول (أكتوبر)، 2019، ووقّعها الكاتب في مدنية صيدا، جنوب لبنان.