عين الشرق هايبرسيميثيا ٢١

عين الشرق هايبرسيميثيا ٢١

أحمد العربي

عين الشرق/ هايبرسيميثيا: رواية إبراهيم الجبين، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2016، عمل روائيّ متميّز على أكثرَ من صعيد، و”هايبرسيميثيا” كما يقول الروائي هو مرض يتذكر المصاب به تفاصيل كلّ ما يعيشه بشكل دائم، وأن المصابين بالمرض في العالم ٢٠ شخصاّ، وقد يكون هو المصاب الواحد والعشرون، إشارة مسبقة منه إلى طريقة كتابته لروايته: حشد التفاصيل من ذاكرة ممتلئة.

الرواية أقرب لسيرة ذاتية للكاتب منها إلى العمل التخييلي، حيث سُردت بلغة المتكلم للكاتب نفسه عن نفسه وما عاش، وما تتبع، وما أعمل فيه حسّه الاستقصائي مثل حفريات معرفية، في التاريخ والجغرافيا والبشر والمدن… الخ. نحن لسنا أمام عمل روائي تقليدي، أبطال وحدث ومسار ومن ثم ختام مع اكتمال رسالة الرواية، بل نحن أمام بطل وحيد للرواية هو الكاتب نفسه، ما عاشه وما اكتسبه من صور ومعاني وخبرات، الرواية تسرد على طريقة التتبع السينمائي للقطات معينة طويلة أو قصيرة، ترصد حالة معينة مكتوبة وليست مصورة. القفز بالزمان والمكان والحدث في الرواية لا يحكمه الا ذهن الروائي، يحكي عن ذاته في جلسة أصدقاء ممتدة يبوح بها بما عنده دون أي ضابط سوى تدفقاته الداخلية.

 نعم هي كذلك تدفقات عشوائية تظهر في البدء، لكن هي أيضا كلوحة فنية يرسمها الفنان أمامنا، لا يظهر لنا الا لطخات من الألوان هنا وهناك، لكن بعد حين ستظهر معالم اللوحة وتتحول لعمل فني مكتمل. في الرواية هنا نحن أمام هذا النوع الذي يسحبك كقارئ الى مربع اهتمام الروائي وما عاشه.  هناك خبرة وحكمة ووعي ومعرفة تتراكم مع التقدم في قراءة الرواية، هذا ما يجعلنا نتابع قراءتها بشغف. الرواية والراوي هنا يحضر كراكب في باص الصدفة في سفر يمتد لساعات، يحصل اللقاء بحيادية وحذر مع جار المقعد، ومع طول الطريق يبدأ نهر التدفق الشخصي بالحضور، تكتمل الرحلة، وقد حصلت على صديق واطلعت على حياة كاملة. نعم بهذه الحميمية تتفاعل مع عين الشرق، لكنك تبقى كقارئ مجرد متلقٍ، مع ما لذلك من متعة الاستماع للحكايا، خاصة إن كانت تريد أن تقدم لك عبرة الحياة، وعيشها، والمعرفة والوعي بسلاسة وود. فعلاً، لا حدث أساسي في الرواية، ولا تطور في مسارها، ولا استثناء أو حضور باهر فيها. لكننا نظلم الرواية إن لم نلتقط من هذه المتابعات المتدفقة صورة لحياة كاملة تبدأ بالروائي ذاته، لتصل الى المجتمع والتاريخ وكل ما عاشه إبراهيم وما عشناه معه في القرن الأخير وما قبله. لكن ذلك من منظور الكاتب نفسه. هل أراد إبراهيم أن يوصل رسائل ما لنا كقراء؟. بالتأكيد الجواب نعم هناك رسائل كثيرة ومهمة.  أهمها أننا سنصبح بعد انتهاء روايته أصدقاء له رغما عنا ؟، لأن حميمية البوح ستصيبنا بفيروس الودّ والتفهم والوعي والمحبة أيضا. نعم كل الرواية رسائل فرعية، وهي رسالة بمثابة شهادة من الروائي عن نفسه وزمانه وما عاش فردياً وجزء من المجتمع الذي يعيشه. 

الآن وبعد الحديث عن أسلوب الراوي في روايته، سندخل قدر الإمكان في تفاصيل موضوعاته التي نثرها كالبذور في روايته، في صفحات متقاربة أو متباعدة، لكنها اكتملت كحالة ووعي ومعرفة في نهاية الرواية. مع التركيز على أن الرواية تظهر كجزء من نهر الوعي المتدفق، والحياة المستمرة بنا ومعنا ودوننا أيضا، لذلك لا خاتمة محددة للرواية. ما زالت مفتوحة. لقطتها الاخيرة كانت أطفال درعا الذين كتبوا على حيطان مدرستهم دعوة لإسقاط النظام ورحيل الطاغية… يعني نحن أمام خاتمة تعتبر بداية لرواية جديدة، كما الحياة نفسها.

من هو إبراهيم الجبين ؟، بطل الرواية وكاتبها ومحور أحداثها. إبراهيم من الشمال السوري، منطقة الجزيرة السورية عاش بعضاً من حياته في مدنها وخاصة في دير الزور، ممتلئ بصداقات يستمرون معه في سرده الروائي كاملاً.

 إبراهيم وشبكة علاقاته مع جيل شبابي تواجد في عصر الاستبداد السوري، حيث ولد البعض وعاش ونظام حافظ الأسد وابنه بعده يربض على رقاب الناس، إبراهيم على علاقة وثيقة مع المجموعات المسيّسة المعارضة التي اختارت أن تواجه النظام، وأن تتلقى منه الاعتقال والسجن المديد، شباب المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري، ورابطة العمل موجودون حوله وغيرهم، كلهم دفعوا الثمن الأغلى من حياتهم اعتقال وتنكيل.  ثم أصبحوا مجرد أشخاص شوههم القمع والتهميش والنسيان.

 إبراهيم مهجوس في حب المعرفة، لم يذكر كيف سكنته بذرة المعرفة، قارئ نهم لكل شيء يتابع أدق التفاصيل، تعرفه كل بسطات الكتب المستعملة. إبراهيم حضر إلى دمشق وأصبحت حبه الأكبر، غاص فيها كعاشق وتتبع خطى ابن تيمية في سجن القلعة، استحضره صديقاً يحاوره ويتناقش معه، يرفع عنه ظلامة اتهامه أنه مرجع الفكر الإرهابي التكفيري الإسلامي، ينور حضوره التاريخي، مجدداً إسلامياً مهما، وداعية جهاد في مواجهة المغول الذين استباحوا بلاد الشام، وان تغطوا بإسلامهم الذي لم يبرر إجرامهم وتنكيلهم بالمسلمين أبناء المدن التي يدخلونها.

 تعايش إبراهيم مع كل الظواهر الثقافية التي تكاثرت منذ ثمانينيّات القرن الماضي. إضافة الى الحلقات الماركسية، تحدث عن ظواهر مثل “أبناء الأرض” المجموعة المثقفة من الطائفة العلوية التي أرادت أن تظهر نفسها أنها على مسافة من نظام الأسد الذي وضح توجهه الطائفي، والقمعي والاستغلالي لسورية وشعبها. حاول هؤلاء أن يظهروا ـنهم نقديّون اتجاه النظام، وأنهم على مسافة منه، لكنهم كانوا ينهلون من مكتسباته عبر شبكة علاقاتهم العائلية والسياسية والمخابراتية، فهم أبناء النظام، وإن حاولوا إظهار نقدهم له، كما أنهم يظهرون أنهم نقديون اتجاه العدو الحقيقي للسوريين وهم الإسلاميون التكفيريون المتطرفون السنة، كما يدّعون، مغطّين على النظام وأفعاله الإجرامية، يبررونها ويشرعنونها ضمنا. يتباكون دوماً على المظلومية العلوية التاريخية على عدم دقتها، فهي حاضرة دوماً في خطابهم، هم صورة للزيف المعشعش في الواقع السياسي، والثقافي في جمهورية الاسد القمعية.

 ابراهيم يتابع ايضا رمز النظام حافظ الأسد دون تسميته بالمباشر، من خلال لقطات متابعة على مدى صفحات الرواية، حافظ الأسد لم يمت، الآلهة لا تموت ؟!!. لكنه دخل حالة من السبات جعلت أركان العائلة والنظام والطائفة تقرر وضع ابنه بشار رئيساً للنظام، إله ابن إله، ليستمر واقع هيمنة الطائفية العلوية في سورية. حافظ الأسد لم يمت نعم إنه يعيش في غرفة مجهزة بكل اللوازم الطبية، تعود إليه حياته الماضية كاملة بدءاً من طفولته وشبابه وكيف صنع لنفسه مجده الشخصي. تدرجه في الجيش، وابتعاثه إلى لندن، لقاؤه  بـ جولدا مائير وتسليمه مفاتيح السلطة في سورية. انتسابه للماسونية العالمية، حقده على الناس إيماناً منه بأنهم مجرد عبيد خُلقوا لعبادته وخدمته، وذلك يطال أبناء الطائفة العلوية أنفسهم، أدوات صناعة مجده المجلل بالدم السوري. لا يهتم حافظ الأسد إن سجن أو قتل أو ظلم الشعب السوري على مدى سنوات عمره. حافظ الأسد تقول الرواية بالمحصلة انه حي مستمر كإله لا يموت يحكم البلد، يعاني وحدته ومرضه وخلوده في غرفة الإنعاش وحيدًا مستوحشاً.

 يدخل إبراهيم في خفايا قضية كوهين، الجاسوس الإسرائيلي الذي تغلغل في أركان السلطة السورية، ويؤكد أن المعلومات التي ظهرت عن التحقيق مع كوهين ومحاكمته ليست صحيحة، كوهين لم يكن جاسوساً، كان مبتعثاً في مهمة متفق عليها مع حافظ الأسد نفسه، وعندما اُكتشف أمره، كانت محاكمته الصورية وإعدامه، لحماية الأسد من كشف حقيقة ارتباطه مع الإسرائيليين وداعميهم الدوليين.

 تحدث إبراهيم عن أغلب الطبقة المثقفة في سورية فاضحاً ضحالتها، وعيشها المتهتك، المثقفون الذين يبحثون عن تميزهم عبر نادي العراة، وعيش الانفلات الجنسي، والأخلاقي والارتزاق على موائد النظام وأجهزته الاستخبارية.

 للحب حضور عند إبراهيم، نعلم أن له حبيبة اسمها سلمى، يُحضرها بحنان وخفر ووجدانية عميقة، يتحدث عنها كما الشرقي الذي يذكر زوجته بتورية، يحافظ عليها كعرض مصون، كذلك إبراهيم حين حديثه عن سلمى، هي واحته الأوضح في روايته، يستحضرها كل الوقت.

 ابراهيم اقترن بالوعي والمعرفة مبكراً في حياته، لذلك أوداه وعيه الى مواقف جذرية من النظام بعد أن تجلى له عارياً: نظام استبدادي قمعي طائفي مجرم، لن يتورع عن فعل أي شيء، ضد أي معارض له حتى ولو بالشبهة، مضافا إليها اعتبار النظام أكثر من متعامل مع الاعداء من موقع المصلحة، وأن النظام خائن بالارتباط المباشر مع العدو.

 أدى وعي إبراهيم المبكر به إلى ألا يكون واحداً من شبكة الجماعات السياسية، أو الثقافية المتواجدة كالطحالب على جسد المجتمع، لعيوبها الكثيرة وفشلها وعجزها، كما أدرك ذلك بنفسه. لم يُعتقل إبراهيم مثل البعض، ولم يرتبط مع الأجهزة الأمنية المخابراتية مثل البعض الآخر، كان في برجه المعرفي وإدراكه الثقافي بعيداً عن تورط كهذا، لكنه استدعي للتحقيق، والمحاكمة بسبب كتابات في التراث والتاريخ والسياسة ورغم أنها لا تمس النظام مباشرة، لكنهم اوّلوا ما كتب وحاكموه لسنوات عليه.

يعود إبراهيم إلى علاقاته مع بعض يهود دمشق، كان قد كتب رواية سابقة عنهم، يؤكد فيها أن اغلبهم كانوا منتمين لوطنهم سورية، وانهم طردوا من وطنهم إلى فلسطين التي أصبحت (إسرائيل)، أو إلى بلاد المنافي، يتواصل مع أخاد الذي عاد الى دمشق بشكل سري، ولم يستطع أن يعيش بعيداٍ عنها، كان إبراهيم يتواصل معه ويتابع حواراً لا ينتهي حول اليهود وإسرائيل ودمشق وكل شيء. عند إبراهيم أيضا صديق معمّر يتواصل معه يتواجد في قلب دمشق كان يعمل في الشعبة الثانية أي المخابرات منذ استقلال سورية، كان صديقه كنز معلومات عن تاريخ سورية، أطلعه على وثائق وحقائق كثيرة، منها ما يتعلق بكوهين وحافظ الأسد وغيره، لقد كان بالنسبة له النافذة التي يطل عبرها على سورية عبر قرن من الزمان.

 هل كان غائبا عن إبراهيم ما يعيشه الآن هو وسورية كلها ؟. ثورة الشعب السوري ورد النظام الوحشي على الشعب والبلد. لا ليس غائباً، إنه حاضر كخلفية للمشهد، حينما يتواصل مع اليهودي أخاد في مخبئه، يسمع دوي القنابل والبراميل المتفجرة، ويفكر أين سقطت ؟، ومن قتلت ؟. حاضر الحال المعاش في سورية الظلم والاستبداد والقهر والموت الى درجة أننا نستطيع اعتبار الرواية كلها، برسالتها العامة تجيب عن التساؤل: لماذا يقتل النظام السوري شعبه ويدمر بلده، والجواب من خلال الحفريات المعرفية والمعلومات عن هذا النظام ورأسه المؤسس حافظ الأسد وابنه بعده. في الرواية إيضاح إلى أي درجة يتغلغل الغرب عبر منظماته السرية خاصة الماسونية كواجهة يهودية صهيونية ولمصلحة (اسرائيل) ومن وراءها عند الأسد الأب والابن ونظامهم. يظهر إبراهيم هذا الحضور للماسونية، وكيف تغلغلت منذ بدايات القرن الماضي وما قبل في بنية الطبقة الثرية المهيمنة وواجهتها الثقافية والدينية. لقد خدعوا بمبادئ الماسونية البراقة، وغاب عنهم حقيقة أهدافها الصهيونية. لقد كان أغلب القادة الفكريين والاجتماعيين منتسبين لها؛ عبد الرحمن الشهبندر والأمير عبد القادر الجزائري وغيرهم كثير. كما يسلط ابراهيم الضوء على الأمير عبد القادر الجزائري، ويتبع آثاره وحكايته وأدواره بدءاً من مجيئه الى دمشق؛ منفاه بعد صراعه مع الفرنسيين في ثورته عليهم في الجزائر، الخلفية الصوفية للأمير، وجد للأمير امتداداً من الأملاك والأحفاد ، كان له دور مهم منذ وصوله الى دمشق ليصبح من أعيانها ويكون له دور اجتماعي مهم، كان الأتراك راضين عن دروه الذي كان كبيراً أيام الصراع الدرزي المسيحي الذي حصل في ١٨٦٠م في لبنان وامتد الى سورية ودمشق، وكيف قتل الكثير من المسيحيين وحرقت محلاتهم التجارية وبيوتهم ودور عبادتهم، وكيف كان للأمير عبد القادر دور بحماية المسيحيين وإعادة انغراسهم في بلدهم دمشق.

 تحدث إبراهيم أيضا عن الشريف حسين وابنه فيصل وعمله لبناء دولة العرب الواحدة وتحالفه مع الإنجليز ضد العثمانيين. وكيف جمع الإنكليز بين الصهاينة وفيصل والاتفاق على أن يدعم فيصل عودة اليهود الى فلسطين وبناء دولتهم وهم يدعمون بناء دولة عربية بقيادة الشريف حسين وأولاده. نعم عاد اليهود واعطي الامير فيصل حكم دمشق لفترة قليلة ثم طرده الانكليز، حلم اليهود تحقق، وحلم العرب بدولتهم كان وعوداً كاذبة أنتجت احتلالات فرنسية إنجليزية. ثم ولدت دولاً قزمة تابعة لذات العدو القديم الجديد الفرنسيين والإنكليز.

 علاقات إبراهيم الشخصية ضمن شبكة أصدقائه ومعارفه حاضرة بحياته بقوة، كما أنه منفتح على البحث والمعرفة والتقصي ومتابعة المعلومة والحقيقة، هو أيضا ممتلئ بهذه الشبكة الكبيرة من العلاقات والصداقات التي تتبعها في روايته، كل الى مصير مختلف. تتبع أيضا بعض الشخصيات من دائرته ممن كان لهم دور مهم في محيطهم. خليل الكردي الذي كان جزءاً من شبكة تصل لعبد الله أوجلان، وكيف دعم حافظ الأسد أوجلان ليصنع منه قوة عسكرية تحارب تركيا، وكيف انقلب الأسد على أوجلان وسلمه للأتراك لاحقاً.

 يتحدث ابراهيم عن شبكات تجار السلاح والمافيا والاغتيالات السياسية، ويربط بينها كلها عند القمة، متحكم واحد بفعلها؛ إنه أمريكا والغرب المهيمن منذ قرون وللآن.

 يتعرف على الشاهد الذي تحدث عن مقتل الحريري وثرثرته التي يقف خلفها النظام السوري، القاتل الفعلي للحريري..

وفي الختام لن أستطيع ان احيط بكل ما تحدث عنه الكاتب بسبب تنوعه وتعدده وتطوره. إن الغوص أكثر في الرواية يعني إعادة كتابتها.

أخيراً الانطباع المهم الذي توحي به الرواية هو: إن الانسان عندما يستثمر نفسه معرفياً واطلاعاً وثقافةً ومعايشةً لعصره وزمانه، سيصل إلى مرحلة الارتواء المعرفي، القريب الشبه بالارتواء الصوفي حيث يتوحد الصوفي مع الذات الالهية، او هكذا يُحس. هكذا تنتهي الرواية وقد حصلت كقارئ على حصتك من الارتواء النفسي والمعرفي من الرواية، وتحس أنك أصبحت بعد هذا السرد من إبراهيم الجبين الحاضر راوياً شخصياٍ لك كقارئ أو مستمع له، أنك صديق حميم لإبراهيم بعد ختام عمله الروائي.