عن "مديح الكراهية" ولا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"

عن "مديح الكراهية" ولا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"

محمد سعيد احجيوج

يقال بأن الرواية ديوان العرب، لكن على عكس الشعر الذي نُظر إليه خلال فترة ما كحرفة (صنعة) أدبية ناضجة ما تزال الرواية تفتقد تلك النظرة. يغلب على مراجعات الروايات وتقييميات القراء والصحفيين (أين هم النقاد؟) التركيز على الحكاية والقصة والأمثولة، ويغيب الحديث عن حرفة الكتابة وأسلوب الكتابة والعناية بالكتابة، إلا كلمات عابرة تنحصر في الحديث عن جمالية اللغة. لذلك تجد كُتابا، بعد سنوات من مراكمة الخبرة، ما زالوا يرتكبون أخطاء الهواة. لديهم حكايات جميلة لا شك، لكنهم لا يملكون أدوات الكتابة باعتبارها حرفة قابلة للتجويد. يمكن القول بأن هذا أحد أسباب ضعف تلقي الغرب لترجمات الرواية العربية، وحصر النظر إليها في الجانب الفولكلوري.

مناسبة هذا الحديث هو رواية مديح الكراهية لخالد خليفة. حاولت قراءتها منذ عامين وتركتها بعد صفحتين وعدت لها اليوم وبعد أن تخطيت ثمانين صفحة لست واثقا أنني سأعود لها. لا شك هناك حكاية جميلة بدأ الكاتب في نسج خيوطها، لكن التطويل مبالغ فيه والقفز من حكاية إلى أخرى، مبرر من حيث المبدأ باعتبار السرد كله مونولوج في رأس البطلة الراوية، لكن الحكايات التي يقفز إليها ذهن الرَاوية ليست مبررة دراميا وبعضها لا حاجة فعلية لها إلا الحشو. كما أن بعض تلك القفزات لم يختر الكاتب مكانها بدقة فجاءت مربكة للقارئ دون قيمة فنية كبيرة.

أما الثغرة الأكبر، في نظري، وهي أكثر ما أزعجني في هذه الرواية، كما في روايات عربية أخرى، هي الإخلال بزاوية النظر عند السارد. في هذه الرواية مثلا، المكتوبة بضمير المتكلم، تحكي الساردة (البطلة) عن أحداث لا يمكن أن تعرفها. تصير فجأة راويا عليما مطلعا على كل شيء وذاك أمر لا يفترض أنه متاح لها. أحيانا يلمح الكاتب إلى أن الحدث (الحكاية) وصل إلى البطلة الرَاوية عن طريق شخص آخر، لكن حتى ذلك الشخص لم يكن بإمكانه أن يلم بكل تفاصيلها. هنا يكتفي القارئ، العربي خاصة، بالاستمتاع بالحكاية فقط، لكني لا أستطيع غض النظر عن مثل هذه الأخطاء التقنية. علما أنني نفسي أرتكب مثل تلك الأخطاء وأنا أغض الطرف عنها حين أقرأ الروايات الأولى لكتابها، لكن ليس الروايات التالية لكتاب يفترض أنهم راكموا ما يكفي من الخبرات لتجويد صنعتهم. الإبداع والإلهام لا بد منهما للرواية، لكن الكتابة تبقى صنعة لديها أدواتها التي تحتاج للصقل والتجويد.

ملاحظة أخيرة: في أجزاء كثيرة من الصفحات التي قرأت، كنت أسترجع رواية “العار” لسلمان رشدي. الفارق شاسع بين الروايتين على مستوى حرفية الكتابة.

لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة:

لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة. رواية للكاتب السوري خالد الخليفة نشرت بعد سبع سنوات من نشر روايته مديح الكراهية. كلتا الروايتين وصلتا إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية. ترجمتا إلى لغات متعددة ورشحتا إلى جوائز مختلفة. نالت رواية لا سكاكين… جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية.

كتبت أمس عن مديح الكراهية، وشجعتني تعليقات بعض الأصدقاء على قراءة لا سكاكين… لم أجد الرواية متوفرة في مكتبات المدينة فقررت البدء بنسخة إلكترونية ريثما يتسنى لي شراء النسخة الورقية.

النتيجة: رغم الفاصل الزمني بين كتابة الروايتين (حسبما يظهر من تباعد تاريخ نشرهما) إلا أنهما مكتوبتان بالطريقة نفسها تماما. الأسلوب نفسه والبناء نفسه … والأسوء الخطأ نفسه. الراوي المشارك في الحدث وفي الوقت نفسه كلي المعرفة. بصيغة أخرى: الرواية مكتوبة بضمير المتكلم عن بطل يحكي أحداث وتفاصيل لا يمكنه أن يعرفها إطلاقا.

بعض القراء، أو ربما أغلبهم، لن يهتموا بذلك. يهمهم فقط الحكاية الجميلة وسيتقبلون أي ارتباك في السرد على أنه غموض مقصود أو عبقرية من الكاتب. ذلك حقهم.

أما أنا، فلن تعنيني كثرة الجوائز التي حصلت عليها الرواية، ولا الترجمات. أن يكتب الكاتب بتلك الطريقة يعني أمراً من اثنين: إما أن الكاتب يستغفل القارئ، يعرف خطأه ويتكاسل عن تصحيحه. وإما أنه غافل عن خطئه ولا يملك ناصية حرفته ولا أساسيات فن الرواية. رأيي، لو أن الكاتب استخدم ضمير الغائب في كلتا الروايتين لكانت النتيجة أروع.

قد أبدو أني أسبح ضد التيار أو كأني أحارب طواحين الهواء أو كأني أقصد انتقاد الكاتب خالد خليفة، وعلى الأرجح أنا أخلق لنفسي عداوات مجانية في وسط موبوء خاضع لسيطرة “الشللية”. لكن، ما باليد حيلة.

من صفحة الكاتب على الفيسبوك