عفيفة سعودي السميطي: كنت أنطلق من واقع مأزوم

عفيفة سعودي السميطي: كنت أنطلق من واقع مأزوم

شخوصي للسّماء كان دائما طقسا روحيّا لازمني منذ أن شرع خيالي يُفصح عن رغبة جامحة في محاكاة الطٌيور، داخل كهفه العضميّ ظلّت أجنحةُ كائني الخرافيِّ المحتجزِ دائبةَ الحركة، صوتُ نقْره لتلك البيضة القديمة المتكلّسة الواقعة في تجويف عميق و صَفْقُ جناحيه كلّما حاول التّحلّيق باحثا عن تلك الأدوات السّحريّة لإعادة قدرتها على الفقس يذيب في كلّ مرّة تواطُئِي مع الرّضوخ و يُصدّع المفاهيم حولي مربكا علاقتي الرّتيبة بالوجود، لم تكن السّكينة لِتجد مأوى حِذو كلّ ذاك الصّخب، فالنّطفة التي تدحرجت عبر الحِقب حاملة جينات موروثٍ شائكٍ كَبُرتْ مثل كرة ثلج بتناسل الفتن والاحتراب الدّيني والجهل والاندحار وسدّت أنفاق الولادة ولم يبق أمامي سوى استخلاص وجودي النّقيّ من كلّ تلك الخلاصات القطرانيّة المركّزة داخلها والتّفرّد بعطر روحيّ جديد يمنحني نشوة المخاض..

حدث الأمر ذات صباح، عندما قفز سؤال من ذاك الدّغل الشّائك وراح يركض مثل غزال شارد، وقع حوافره أيقظ أصواتا كامنة داخلي، كانت عالية متوتّرة تنبئ بانهيار في بُنَى الكهف، التقطتُ في تلك اللّحظة صوت أجنحة تغادر صَوْبي، ولم تلبث اللّغة أن حضرت بأساطيلها لتعلن أنّ هناك حكايات تحت الأنقاض وأنّ لا سبيل لانتشالها إلّا بادوات تلك المَلكة المخمليّة السّاحرة، كنتُ خارج خانتها أُمارس طقوس الحياة اليوميّة بتلك الطّاعة الخانعة عندما قرّرت فجأة أن أُجيب عن ذاك السّؤال “لِم لا أكتب؟”

طرحي كان متأخّرا رغم أنّ العلامات كانت متناثرة على طول الطّريق تومض باستمرار، فقد كنتُ مع القافلة، عالقة في المنطقة المعزولة عن مضمار الوعي المتمرّد، معا ننتشي بأفيون الموروث ونتحرّك داخل تلك الأبخرة سعداء بالسّلام الغائم، قدماي الغائصتان في الوحل الأسود المعتّق تتحرّكان في نفس المكان والفرح السّاذج برفعهما في كلّ مرّة يحيلني إلى انتصارات وهميّة، الرّائحة المضمّخة بعبق الموروث لم تكن فقط تخدّر مجسّات الاستشعار داخلي بل كانت تسحبني الى لذّة الاستسلام.. ثمّ اخترق السّؤال كلّ ذاك الكلس ليبعث النّبض في جسده و لتتحوّل الأمنية الكامنة في ذاتي إلى طلب ملحّ عالي الصّوت “هبني أجنحة”.

نصّ يسقط من رحم سؤال، يعبر البحر بمراكب مثقوبة، جثث من كلّ الشّواطئ المنسيّة تتدفّق في اتّجاه الموانئ المغلقة، وحكايات الموت تنقلها ألسنة الموج إلى الحكّائين.. معهم أدرجتُ حكايتي، وعندما عبقت رائحة الحبر من أوراقها أيقنتُ أنّي سأدمن هذا النّوع من البوح…

دون تخطيط تورّطتُ في ذاك النّوع من الخطاب.. وبمجرّد الشّروع في استحضار ملامح هذا المكوّن لتشكيله اكتشفتُ أنّ شعوري يرغل بتناقضات تتحكّم في ذهنيّتي وتعوق استجلائي للمعنى الجمالي الواسع للعالم، الكلمات الأولى كانت سدّادات انطلقت من فوهة ذاتي المكبوتة لتفتح الطّريق أمام حمم الرّوح إذ لم يكن من السّهل خوض هذه التّجربة دون المرور عبر بوّابتها..

كنت انطلق من واقع مأزوم و الرّؤية الواسعة للجمال كانت ضبابيّة، رحابة الوجود ببعدها الجمالي و الفلسفي ومن كينونتي الضّيّقة بدت حلما مخمليّا يستدعي قوى فنّية متجدّدة لتحقيقه، الشّعر راودني بإلحاح لكن تلك الصّدور والأعجاز والأوزان والقوافي كانت تقف مثل حرّاس جمارك الحدود تعوق جموح لغتي و كثافة تخيّلي، النّثر بمساحاته الشّاسعة كان الحقل الأمثل لطاقتي السّرديّة المشحونة بتوتّرات عالية، اتّجهت نحوه..

في أوّل نصّ لي كان الواقع العربي بانكساراته وهزائمه و استبداد أنظمته حاضرا بقوّة في ذاتي، و لم يكن من السّهل في مجتمعات معزولة، مسلوبة حرّيتاتها، الأفراد فيها ترزح تحت منظومات تقمعها وتصادر وعيها أن أكتب عن معنى الجمال بسلاسة، فتجاوز الواقع و التخلّص من إرهاصات الأفكار القابعة في الذات عمليّة فنّيّة عالية الحرفيّة تتطلّب رؤية فلسفيّة حضاريّة مستشرفة تثوّر الأساليب و التّصوّرات واللّغة.

قراءات كثيرة في روايات عالميّة غربيّة أبرزت أنّ كاتبيها وفي سياق التّجدّد تخلّصوا من إرهاصات الواقع معيدين صوغ رؤيتهم للعالم باستيحائهم لفضاءات و تجارب غير مسبوقة ، لم يكن ذلك شأن الرواية العربيّة إذ وفي ظلّ فقدان الخصوصيّة الحضاريّة وانفكاك مراكز الخطاب وتشرذمها ظلّت تعاني من عقدة الامتثال التي رزحت تحتها المجتمعات العربيّة أثر أزمات الفتن والاقتتال والانغلاق والاستعمار، ورغم أنّ بعض الكتّاب أفلحوا في إنتاج نصوص استوحت تصوّرات تخطّت محاكاة الواقع العربي، وتخلّصت من هيمنة الذّات لتمضي إلى رؤية أرحب تجاه الوجود فإنّ البون ظلّ شاسعا، إذ من الصّعب التّحدّث عن تثوير الرّواية في ظلّ واقع فكريّ متردٍ عجز عن التطوّر وظلّ أسير الايديولوجيات والأنظمة و السّياسات و الجهل ..

الرّواية خطاب خطير يتطلّب جرأة و قفزة على الواقع والكاتب معنيّ بالتّثوير تماما مثله مثل العالم ، أينشتاين وهو يخوض رحلة الشّكّ وينجز بحوثه الفيزيائية ويخرج بنظرية النسبيّة التي زعزعت مفاهيم كانت راسخة كمفهوم الزمان المطلق والمكان المطلق والحركة المطلقة كان يفعل ذلك بموازاة مع جيمس جويس عند إنجازه رواية «عوليس» التي خلخلت مفاهيم كانت راسخة داخل السّرد الروائي وهي الزمان المطلق والمكان المطلق والحدث المطلق…

التّكنولوجيا رفعت نسق العالم، و ليس أمام الإنسان العربي سوى التّخلّص من تلك الأفكار القابعة في الصّندوق وايجاد حراك يحرّر فكره من السّلبيّة والتّلقّي والخضوع والخوف.. نكتبُ لنتحرر.

*كاتبة وروائية تونسية صدرت لها عدة االروايات منها.. ( هبني أجنحة ) ، ( صدأ التّيجان ) و ( غلالات بين أنامل غليظة )  و (ما لم نُفلح في خلخلة المفاهيم المنغلقة) و( فسنظلّ خارج السّياق)