صوت المرأة اليمنية في روايتي طريق مولى مطر وسبع نساء ونصف

صوت المرأة اليمنية في روايتي طريق مولى مطر وسبع نساء ونصف

منال الشريفي

لا تزال مفاهيم النسوية في اليمن قيد تشييد بناءٍ يستوعب وجوه الحرية والمفاهيم الاجتماعية، ويتسع لصور وأشكال من الاكتفاء الذاتي في ظل المكان الواحد.

فهي بحاجة لوقت، مثل حركات التغيير المستمر، قبل أن تتمكن من تقديم حلول شاملة تعالج القضايا الملحة والآتية من المعزولين والقابعين في القاع اليمني، ومن استيعاب أطياف المطالب كلها دون إقصاء، حتى إن ظلت ضمن رؤى نسبية محكومة بما تمليه تضاريس وسياقات المجتمعات في البلاد. 

ويظل هذا الحديث مثاليًا في بيئة معقدة مثل اليمن حيث إرهاصات الحرب والظلم الذي طال الجميع ولو بدرجات متفاوتة، فيُمارس وفق رتب متسلسلة بدءًا بالأقوى في سلم الظلم ونزولًا وانتهاء بالأضعف والذي لا يعني المرأة بالضرورة.

 فليست صورة المرأة اليمنية كلها مهزوزة وخالية من نماذج أصيلة يستلزم تطوير حقوق النوع الإنساني التخلي عنها. وذلك بدءًا بنموذج الجدة والأم القوية عمودا المنزل والأسرة وانتهاء بالنساء الشابات اللواتي يكافحن بصمت لأن آلامهن لم تدرج ضمن ما يروى.

 ولأن عالم اليوم بالكاد يتوقف عند جهود الفرد وكفاحاته اليومية، فتسليط الضوء عليها من قبل كاتب أو فنان يعرضها بسحره الخاص ويبرز فيها دلالات ومعان لا تراها العين في غمرة المعيشة اليومية.

سأتناول هنا روايتين يمنيتين فيهما وجوه نسائية استوقفتني كونها قصص تجسد معاناة حقيقية، وإن كانتا في سياقين مختلفين.

طريق مولى مطر

  كما في أعماله السابقة، والمسكونة بتلك الساحرة، أرض الدان واللبان والنوب يحدثنا عمار باطويل عن حضرموت مجددًا لكن في جانب مغاير للوادي وبصوت نسائي يحرك الرواية والأحداث.

نتعرف من خلال روايته هذه على جانب قد لا نتداوله في أحاديثنا كثيرًا، وهو الجانب القاتم للاستعمار البريطاني، والانغلاق الذي تسبب به استصلاحه أجزاء هزيلة من مدينة عدن وتركه باقي الجنوب اليمني للجدب وشظف العيش. بل ويتطرق ولو بإيجاز للاحتقار الذي كانت تمارسه قوى الجيش البريطاني على قبائل البدو في حضرموت واستغلالها السلطة القبلية والدينية في تعزيز التشظي المجتمعي والتوغل في الجنوب اليمني.

 تتداخل الأصوات في الرواية في أكثر من خط سردي يعكس عفوية الحياة تارة، ووجه الزيف لمدعي التصوف تارة أخرى. كما تبرز عادات البدو في حضرموت ويسلط الضوء على دور الأم والجدة في ترحيل العادات هذه للصغار خاصة في ظل غياب الوالد أو الزوج.

يغذي الكاتب بطلة الرواية (بركة) بأصالة راسخة وهي تناهض ضد الموروث الواهي للقبيلة بتكرار زواجها واختيارها شريكها الثاني. كما يتطرق في الرواية إلى لطائف الحياة في الوادي والبدو حين يعرجون الهضاب ويتعهدون الجمال واللبان ونوب العسل. إضافة إلى إشارات متفرقة عن قهر الغربة وما تكابده المرأة في الوحدة وفي عمل الحقول التي لا ترحم، حيث تقتات الشمس على رؤوس المزارعات. وقد تكون من بينهن طفلة لا ينبغي لراحتها الطرية أكثر من دمية تسرحها لكن الظروف والفقد يتركانها لتساؤلات تظل تلازمها. فيأتي دور (حبابتها سلومة) جدتها عرفها المسك والبخور، ودأبها القصص والدعابة. وهي من الشخصيات التي ربما تمنيت سماع صوتها أكثر كونها صوت كبرنا عليه ونقدس وجوده في المنزل.

سبع نساء ونصف

لسمية طه قلم واعد، فنصوصها أشبه بدخولك غرفة منظمة دون أن تجد فيها تفلت أو حشو. لغتها عالية وتعكس واقع حال يحاور تعاطفك دون تصوير دور الضحية المبالغ فيه. هي تطرح هنا صعوبات، وإن كان بعضها مؤلمٌ للغاية، في صورها الواقعية البسيطة والموظفة ببراعة فلا توجد موضوعات حساسة تثقل العمل أو تجعله مترهلًا؛ فكل المذكور مرتبط بالسياق وواقعيته. وربما هو أكثر ما ميزه كونك تشعر بعلاقة دافئة تعتمل في داخلك مع البطلات اللواتي عشن ظروف متنوعة وإن كانت من خلال مقدمتها لمحت إلى اشتراكهن في وجع وُشم من الأزل، وأكبر من كونهن نساء يمنيات يتعايشن مع حرب مفروضة على الجميع.

فسمية طه هنا تخوض فيما ينخر أواصر المجتمع وتتعرض من خلال شخصياتها لبعض ما طرأ على حياة المرأة اليمنية وأسرتها كنموذج يصلح في أمكنة كثيرة. 

فتسرد عن الريفية الكريمة تفقد كل شيء، وعن الأم تموت واقفة كالشجرة في منزلها ومقرها. ثم تنتقل لوصف السجون وتداعيات الأَسْر على الأقارب، والطفولة التي فُرض عليها النضج قبل أوانه، وآلام النزوح والتخييم في العراء وغيرها، وكلها كما قالت في خاتمة كتابها: “جروح تحاول الالتئام”. 

في ظل انفتاح العوالم على بعضها، وتطلّب الذائقة نتيجة تشبع الحواس الإنسانية بالألوان والأضواء التي جلبتها التكنولوجيا، نجد صنفًا من القراء يبحث عن الدهشة في الشكل القصصي. 

لكن الأمر لا ينطبق تمامًا على بلد كاليمن يتهادى عند ذكرها تصور مسبق غير دقيق،  ولا يرتبط بصورتها الواقعية والحياة الاجتماعية فيها.

وهو أمرٌ مُتفَهَّم كونها أرض لم تطلها مظاهر العولمة ومواكبة الغرب من جهة، وساهمت المعوقات السياسية والاقتصادية من جهة أخرى، في بقائها على تضاريسها الطبيعية المتفردة وإخلاصها للبساطة.

ومن هنا تبرز أهمية الأصوات والحيوات الحقيقية بل والعادية خاصة عند المرأة، كي تُرسم صورة أقرب لواقع اليمن وأهله.

  • كاتبة من اليمن.