سيدات القمر لجوخة الحارثي.. الرواية بين الخطاب والتشظي ولذة السرد

سيدات القمر لجوخة الحارثي.. الرواية بين الخطاب والتشظي ولذة السرد

سامي الطلاق

بصراحة لم أكُن بوارِد قراءتها بالقريب العاجل – حسناً لم أشعُر بلهفة اتجاه العمل- لعلّهُ من تكدُّس الكتب بمكتبتي المنزلية.

فجأةً ولعلّهُ كذلك كثرةُ الإطراءات حولَها، وكنتُ حينها مشغولاً بقراءةِ كتاب بحثيّ بعيدٍ عن الأديب وقريب من التاريخ، شعرتُ برغبةِ الاقتناء للعمل وقراءتهُ كسرد يخفّف ثقل جدية العمل الذي أقرأه.

وكان ذلك، هذه المقدمة التي لا دخل لها بقراءة العمل هي ما جعلَتني أكتُب عنها.

سؤال الجوائز “المبتذل

لا تعني قراءةُ عملٍ ما هو تقييمهُ لنيلِ جائزة أم لا؟ فهذا خطأٌ فادح، لذا ليس بوارد المقال هذا على الإطلاق، الجائزة تمت والمباركة مستحقة للكاتبة على مجهودها “الواضح والجيد” بالعمل، بل الحديث هنا حول ردود الفعل عليها لا الفعل ذاتُه.

أيّ عملٍ انسانيّ يحتاجُ فقط شخصٌ للإيمان به للنجاح، قد يكُن قريب “أمٌ أخ أب” بعيد “صديق أو قارئٌ ما” والمترجمة آمنت بالعمل وحقها ذلك فلمَ اللغط حول الترجمة وهل هيَ الفائزة أم العمل الأصيل؟.

لنطرحَ بعض التساؤلات المتجرّدة حول العمل ذاته وواقع الترجمة وإمكانية نقل الروح اللغوية والنصّية من لغة لأخرى، ما وجدتهُ انّ العمل ملئ ومُتخَم بلذّة “أحياناً كثيرة” بالأمثال الغارقة بالمحلية العمانية خصوصا بلسان ظريفة “القادمة من خلفية افريقية” وُلدَت من أم تدعى عنكبوتة وعاشت ظريفة- ببيت التاجر سليمان كأمَة مفضّلةً لديه الى أن زوّجها حبيب “الشرس” لتُنجِب سنجور “المتمرّد” الهارب للكويت. فكيف تمكّنت المترجمة من نقل الأمثال تلك للإنجليزية بروحِها؟ اذن نحنُ أمام لغة مختلفة وروح كذلك، وهنا لا يجب أن يفهم القارئ أنها لا ترقى للترجمة بل أن القصد أن بعض الأعمال جماليتها بمحليّتها كما أن بعض الأشعار جمالها أن لا تغنّى،  وهذا التساؤل لا يمكنُه تجاوز لهفة المترجمة حول العادات “العمانية” حيث أبدعَت جوخة الحارثي بنقلِها بخفّة لغوية ودون صعوبة هضمٍ لها “استحمّت بالماءِ المخلوط بأعشابها الخاصة- لم يلمس الصابون جسدها منذ خُلقت” ص20 وتعني سالمة “والدة ميا التي هيَ مركز العمل لا موضوعُه”.

إذن الجائزة لها معايير غائبةُ عنّا كقرّاء ومتابعين للوسط المعرفيّ وهيَ لا تنقطِع عن الميل الذوقي ولنا بمثال السعودي “أحمد أبو دهمان” ورواية “الحزام” التي نُقلِت من الفرنسية ولاقَت نجاحاً باهراً بفرنسا لم تلقَ مثيلهُ بالمحليّة وهنا اللهفة للآخر تتضّح وتظهر لا الكثافة الفنية وتقنية السرد البارعة وفرادةُ الحكاية والمتن بالعمل الروائي.

الشخوص العديدة والأمكنة والتاريخ

ذُكر كثيرا حول “جودة” العمل لتناولِه أجيالاً أربعة منذ القرن التاسع عشر وقدرة الكاتبة على الفِعل الروائي المتين حول تطويعِ التاريخ للسرد الحقيقي لا المكتوب – تاريخُ المنتصِر- وهي انتصرَت للخطاب لا التضمين الشخصي عبر الشخصيات الاّ عبر الخلفية التاريخية للشخص فحسب، وتناولَت تاريخ عمان المعاصر “حرب ظفار والعراك الشرس بين “السلطان والإنجليز” من جهة والقبائل بقيادة الامام غالب الهنائي ” أدّت المطامع الاستعمارية الى اشتعال فتيل الحرب حين دخل الجيش الى عبري…اضطرّ الامام.. واتباعه من محاربي القبائل المتحالفة معه الى الاعتصام بالجبل الأخضر” ص131.

فلا جودة “بارعةٌ هنا سوى مُكنةٌ جيدة مكنّتها من خدمة التاريخ للشخصية وحسب بلا اهمال الجرأة بإعادة التاريخ لموضعِه الرئيسي الحقيقي لكنهُ غير طرحٍ واسعٍ الاّ من مرورٍ عابر،  فشخصية ميا وزوجها “عبدالله ابن التاجر سليمان” هما الصوتان الرئيسيان بالعمل وسردياتُهما حولَ أمور حاضرة لا بعيدة،  وتمرير “اسم لندن” لم تكُن المفاجأة التي فجّرت العمل بقدرِ ما فجّرت أحاديث لذيذةً نسوية بين “ظريفة وسالمة” (قالت ميا لولد التاجر سليمان حين أصبحت لا تسطيع النوم من تكوّر بطنها  : “ اسمع، أنا لن ألد هنا على أيدي الدايات،  أريد أن تأخذني لمسكد” (*مسقط)…ص 11

فتتبادل سالمة “والدة ميا” وظريفة “الأمَة خادمة سيدها التاجر سليمان” وقت زيارة الأخيرة لمباركة ولادة “لندن”.. (لكن المتوصّف يقول: تمشي الريول تخب مين الفواد محبّ ومين ما أشتهى علي كود وتعب”..فتردّ ظريفة ..”لا يالحبّة ..لكن تعرفي الحبّاب العود…ويقول المتوصّف : اللّي يودّك ودّه واللّي يباك ابغيه..) ص22 .

وشخوص العمل “عزّان ونجية القمر وسنجور وسويد وعنكبوتة وأخوات ميا كلهم لم يصبغوا العمل بالتعقيد الذي ذُكر؟ بل هي جودة تحسُب لا أكثر للروائية أي هناك أعمالاً كثيرة مثيلاتها لم تكُن الفريدة بهذا الشكل الروائي.

تشظٍّ سرديّ وسقوط التشويق

العمل جيد البدء بلسان الراوي “الناص” ( ميا التي استغرقت في ماكينة خياطتها السوداء ماركة الفراشة،  استغرقت في العشق” ص7 .

هذا العشق الذي يكاد يكون معدوما بالعمل حيث لا ذكر لعلي بن خلف سوى “بضع جُل شعرية” بعدها غاب عن الحياة والوجود تماما، لتظهر شخصية عبدالله “العاشق التالي لميا “ولد التاجر سليمان”.

وهنا سيظهر تشظي سردي بلسان عبدالله ” امرأة عمي في بيت وادي عمي القديم وقفت في الحوش وعنفتني بأعلى صوتها: “لندن”؟ ووافقت؟ مالك شور في بنتك؟..” … ثم ينتقل لحديث آخر.. لا أعرف ان كانوا قد هدموا البيت أو باعوه… حين تخرجت لندن في كلية الطب…قالت ” اريد سارة..”.. كانت حنان صديقة لندن…

وهكذا من سرد بلا طائل…عدا بعض الاشارات المهمة بنصف السرد ذاته ” قلت لها حينَ ناموا: تحبينني ياميا ؟ فجفلت..” ص 14.

هذا التشظي لم يشفع “للناصّة الروائية” عن وعي أو خلافه والتي تجلّت كثيرا بالصوت الثالث للراوي العليم التنقل بين الأمكنة والتواريخ بشكلٍ جيد أحياناً وبشكلٍ مخلٍّ أحياناً أخرى،  فالسرد الذي يُخبِر بالصفحات الأولى مثلاً عن طلاق احدى بنات سالمة “أخت ميا” سيوضّح ذلك لاحقا بلا تشويق سوى النهاية التي أرادتها غير مفتوحة،  أما التنقل الذي أرادته “معقّدا” للقارئ النوعي لم أجدهُ كذلك الاطلاق فسقَط بالخطاب أحيانا وبالكشف أحايينَ كثيرة ” على كل حال سنجر سيهاجر كما فعل أبوه من قبل” ص96 ولا أعلم روائيا يسرد بالعليم ” على كلّ حال”؟.

وهذا المثل متكررٌ جدا بالعمل الذي كان بين لذة “الحكي الداخلي “ظريفة” مثالاً.. وبين العادي الذي لا يرقى للسبق على مثيلاتِها.. فلو انتقَت قصة “ميا وعلي بن خلف” مثلاً ليكُن المتن الروائي.. سيُكن فضاء العمل مشوّقا.. بل اختارت “حكايات خلفية لشخوص من العوافي”.

___________

سامي الطلاق: كاتب سعودي