روايةُ الحرب السوريّة وعباءةُ داعش

روايةُ الحرب السوريّة وعباءةُ داعش

زياد الأحمد

             دفعني تَذكُّري لقول ديستويفسكي: “كلّنا خرجْنا من معطف غوغول”؛ وبعد قراءتي لعددٍ غيرِ قليل من روايات الحرب السورية التي جعلت من داعش مادةً لموضوعها، ورؤيتها السردية؛ دفعني إلى التساؤل:

  • أخرجت تلك الرواياتُ من عباءة داعش لترصدَها كمرحلةٍ من مراحل ثورةِ شعبٍ على نظام؟ أم لترصدَ الثورةَ كلّها من خلال داعش جاعلة منها ثورة إرهابين ومتطرفين؟
  • إلى أي مدى سيتمكنُ الروائيون من الفصل بين داعشَ والنظامِ كعدوّين للثورة؟ أم أنّ طغيانَ حضورِ داعشَ، وممارساتها المتطرفة سيخبّئ خلفه النظامَ وجرائمَه، مما سيؤدي بالناس إلى الترحم على أيّامه؟ 
  • هل اختباء الروائيين في عباءة داعش؛ خوفاً من بطش النظام بهم انعكس سلباً أو إيجاباً على حقيقة تلك الثورة؟

كلّ الأسئلة السابقة مشروعةٌ للدم السوري الذي كان مداداً لكتاب الحرب السورية، أسئلةٌ مشروعةٌ لركام وطنٍ جعلوا من كومة حطامه منبراً لأصواتهم.

والإجابة لا تكون إلا بدراسةٍ متأنية للأعمال التي رصدت الحرب السورية من خلال عباءة داعش. وسأحاول في عُجالةٍ أن أتناولَ نماذجَ من تلك الأعمال واستخلص مدى إجاباتها عن تلك الأسئلة.

“نزوح مريم” لمحمود حسن الجاسم:

       مرثيةٌ طويلةٌ لماضٍ جميلٍ قبلَ الثورة وظهور داعش في الرقة، تروى على لسان “سارة” الراوية الوحيدة في النص لما حدث هناك على يد النظام وداعش.

و”سارةُ” مُدرّسة من بلدة “محردة” المسيحية عيّنت في إحدى مزارع الرقة، أي أنها غريبة عن البيئة التي ترصدها، فهي من بيئة متحررة، تملك قرارها وحقوقها حتى إنها اختطفت قلب مدير المزرعة من بنات بيئته الغارقات في شقاء الحقول والزراعة، فتزوجته، وعاشت معه أجمل حالات الحب والهناءة، ثم جاءت الثورة لتسلبها سعادتها، وتحولها إلى شبه أرملة تعيش لياليها وحيدة مع كوابيس السبي من داعش، فهي متضررة من الثورة، ومن حقها وهي التي تعاني من النوستالجيا أن تكون في صف النظام ضد المعارضة،  وخاصة أنها لا تتسلح برؤية سياسية مُسبقة، فرؤيتها رهينة بما فقدته، ورغم محاولة الروائي جعلها تلتزم الحياد إلا أنها كانت تسهب في مشاهد الويلات التي سببتها داعش أكثر من النظام، ويتضح ذلك من مقارنة مشهدين؛ الأول  قمع النظام للمظاهرة التي مرت بها ذاتَ جُمعة، واعتقالها لساعات ثم إرجاعها بسيارة النظام إلى بيتها، والثاني يوم اعتقال داعش لزوجها هاشم بتهمة أخيه الشبيح ودون عودة، والإسهاب في نقل مشهد إهانتة وعائلته وأمه العجوز بأقذع الشتائم المتمازجة بأصوات التكبير.

          وسنقرأ على لسان أكثر من شخصية تباكياً على ذلك الماضي قبل داعش:

كقول سارة “عشنا هانئين سعيدين، أيامنا تمرّ كالأعراس قصيرة ولذيذة، .. أذوب حنينا إلى تلك اللحظات لأبل الصدأ يا مريم. (ص 109). وفي قول أبي سلطان الذي كان وجيها في عشيرته قبل داعش:

“كنا بألف نعيم وكل واحد له وزنه وله حدوده، اليوم طلعت لنا وجوه ما أحد يعرف أصلها ولا فصلها” ص 159.

ويمكن القول إن هذا النوع من الروايات قد رصد الثورة والحرب السورية من خلال داعش جاعلاً منها الخصم الحقيقي وليس العارض، والجبهة المقابلة للشعب السوري وبذلك يكون قد أغفل الخصم الحقيقي لهذه الثورة وهو النظام الذي قامت ضده.

“سماء قريبة من بيتنا” لشهلا العجيلي:

رواية أخرى تتخذ من الرقة وسيطرة داعش منطلقا مكانياً لأحداثها ولكن من موقع ومنظور مغايرين لما سبق.

فالعجيلي تأخذ موقعا بعيدا جداً عن أرض الحرب التي ترصدها، تطل منه على رقعة جغرافية تمتد من سوريا إلى فلسطين والأردن والعراق وأوربا الشرقية وأفريقيا وفيتنام وأمريكا الجنوبية وشرق آسيا، وخلال فترة زمنية تمتد من القرن التاسع عشر وحتى الوقت الراهن، ولتحطّ في مدن كثيرة من واشنطن إلى برلين وبلغراد والرقة وحيفا ويافا وكابول وغيرها، وهدفها ان تجمع شخصيات كثيرة يربط بينهم أنهم من سلالة الحروب، وكأنها أرادت أن ترصد أكبر قدر ممكن من المصائر التراجيدية، لأفراد عاشوا حروبا متشابهة، وبذلك تتشابه أحزانهم ووحدة آلامهم وآمالهم، ومن جهة أخرى لعلها أرادت أن تستشرف رؤيا مستقبلية سوداوية لما بعد الحرب في سورية من خلال مصائر تلك الشخصيات التي عاشت تلك الحروب التي تشبه الحرب السورية ولم تنته مأساتهم بعدُ.

تعتمد العجيلي على الراوية جمان لرؤية ما حدث في الرقة التي تتميز برؤية أنانية لا تختلف عن سارة في رواية نزوح مريم فهي تنطلق من حجم الخسائر التي خسرتها هي وأسرتها وأجدادها من جهة، ومدينتها الرقة تحديدا من جهة أخرى؛ في عهدي النظام والثورة وداعش فهي لا ترى فيمن كان قبل الثورة وبعدها إلا:

“ضحايا صاروا جلادين، أو منتفعين بعضهم كان من صلب النظام وارتزق منه سنوات ثمّ انقلب عليه، وبعضهم مرتهن للخارج، وهناك الفقير والجاهل والمغيّب ” ص 92

وحين يذكرها صديقها ناصر باحتراق بغداد والقاهرة وطرابلس تقاطعه بحدة: “أنا مع بيتنا لا يهمني” “بيتي ليس في دمشق أو القدس” ثمّ تستدرك: “يحزنني جداً أن يحدث ذلك، لكن أيقونتي هي الرقة (ص96)

ومع أن الرواية تمر على بعض سلبيات النظام؛ كالتسلط والرشاوى وسرقة الآثار والتفريق الطائفي لكنها تركز على ما لحق بأسرتها الإقطاعية بدءاً من جدها الذي جمع ثروته من عَرَقه ثمّ قُتل بطلقة التأميم. وانتهاء بهدم بيتهم/ القصر في الرقة.

     وهذه الرواية تقوم بتقزيم الحدث السوري بفعل التحليق المكاني والزماني للراوي فتنمحي الحدود الفاصلة بين الثورة وداعش والنظام ويظهران جسماً واحداً قام بدمار عالم الراوية “جمان” قبل سوريا وتشريد شعبها الذي كان يعيش كما تقول في غمرة الماضي الجميل ونشوته.

ونلاحظ أن المشترك بين الروايتين اعتمادهما على رواة لا يمثلون الشريحةَ الأوسعَ من الشعب السوري الذي ثار على النظام الاستبدادي، وأنهما لا تفرقان بين ما فعله النظام خلال نصف قرن وما فعلته داعش في شهور، متناسين أنها كانت أداةً لحرف الثورة عن مسارها الحقيقي.

“ليل العالم” لنبيل سليمان:

 حكاية منيب الذي عاش في الساحل السوري، وعاد إلى الرقة التي تعود أصولُه إليها؛ ليعمل مدرساً، وذلك مع وصول النظام البعثي إلى الحكم في السبعينيات، وليكشف منذ ذلك هيمنة أبناء الساحل وتسلطهم على الداخل المهمل والمرمي على هامش سورية، ثم اعتماد النظام على القبضة الأمنية إلى درجة أن يجعل من التلميذ جاسوساً على مدرسه.

 ويتعاظم القهر والكبت ليؤدي إلى الانفجار الشعبي في 2011 وفيه خرجت فيها كافة المُكوّنات المجتمعية من عرب وأكراد ومسلمين ومسيحيين… وتفصّل الرواية قمع النظام لذاك الحراك وإجباره على حمل السلاح للدفاع عن وجوده، ثم تحويله إلى حرب طائفية وخاصة بعد إطلاقه لقياديين إسلاميين من سجونه (صيدنايا) وتوليهم مناصب قيادية في داعش، ويسهب في وصف قمعها وتضييقها على الناس وخاصة غير المسلمين وغير العرب مما دفع بهم إلى الهجرة، وبذلك تكون قد وَأدت الثورة وقتلت رموزها.

اعتمد سليمان على رؤيا مجموعة من الرواة، ومن مواقع مختلفة للإحاطة بالحدث؛ منهم المؤيد الذي يرى أن الثورة كانت خطأً دمر البلاد، والمعارض “منيب” الذي يرى أنها خروج على السلطة القمعية المؤيدة، والمسيحي المعتدل كالأب باولو الذي يرى أنّ التطرف سرطان سوف يفتك بالثورة، إضافة إلى رؤية العلماني والداعشي والعربي والكردي والمسلم والمسيحي.

 ويمكن القول إن سليمان قد أجاب عن تلك التساؤلات التي طرحتها في بداية هذه الدراسة: بأنّ داعش كانت مرحلة انحراف بالثورة عن مسارها الحقيقي، وجبهتُها جزءٌ من جبهة النظام الذي أراد حرق أوراق الثورة في مهدها، وتحويلها عن وجهتها الحقيقية ضده.

وبمعنى آخر رواية “ليل العالم” خرجت من عباءة داعش لترصد الثورة السورية بدءاً من أسبابها البعيدة وارهاصاتها القريبة وتحولاتها على يد داعش التي تقوم بحرب بالوكالة عن النظام ضد الشعب السوري وجميع مكوناته، ومنه فهما عدوٌ واحدٌ وفي جبهة واحدة ضد الشعب الثائر.

وفي النهاية: قد يكون بعض الكتاب قد تستر بعباءة داعش، ومناوشة النظام من ورائها ظناً منهم أنهم بذلك يتجنبون بطشه؛ لكن بعض رواياتهم قامت بتشوية صورة العدو الحقيقي لتلك الثورة، فجاءت برؤيا قاصرة وسطحية للحدث، فتركيز الرؤيا على داعش كان سبباً في إخفاء العدو الحقيقي للثورة خلفها، وبذلك اقتربت كتاباتهم -رغم ادعائهم المعارضة-  من أبواق النظام التي وحدت بين الثوّار والجماعات الإرهابيّة المتطرفة. ولكن في الوقت ذاته نجد روايات أخرى جاءت برؤيا أعمق وأبعد لعدو الثورة الحقيقي الكامن وراء هذا التنظيمُ وخلف دمار سورية.

                        *****************************