رحَّالة للبولندية أولغا توكارتشوك.. أدب يحكي قصة العالم

رحَّالة للبولندية أولغا توكارتشوك.. أدب يحكي قصة العالم

أحمد السماري

التصنيف الأدبي لهذه الرواية بأنها عابرة للفئات، إذ تجمع بين الخيال والتاريخ والمذكرات والمقالات، هي تشبهه بالكوكبات النجمية.

فالرواية منكبّة على فكرة الترحال، فيما جرى تخصيص كل جزء منها لكلمة أو صورة واحدة، أو زيارة لمتحف أو جزيرة سياحية مما يعطي القارئ فرصة لاكتشاف الروابط الخاصة بينها. تقول الكاتبة: “عندما أرسلتُ هذه الرواية لدار النشر للمرة الأولى، اتصلوا بي وسألوني إذا ما كنتُ قد أرسلتُ الملف الإلكتروني الخاطئ، لأنها لم تكن رواية.”

وبعد إخبارها بفوزها بجائزة نوبل للأدب قالت :” نحن الكتّاب في هذه الأيام علينا أن نواجه تحديات غير محتملة، فالأدب فنٌّ بطيء الحركة حيث إن عملية الكتابة تستغرق وقتا طويلًا ما يجعل من الصعب مواكبة عالمٍ متحرك. أتساءل كثيرًا إن كان ممكنًا أن نَصف العالم، أو إننا نقف عاجزين بالفعل أمام شكله اللامحدَّد السائل، المتغير دائما، وقيَمه الآخذة بالاندثار. أؤمن بأدبٍ قادرٍ على توحيد الناس، ويثبت لنا كم نحن متشابهون، ويجعلنا واعين بأننا تربطنا نفس الخيوط الخفية، أدبٌ يحكي قصة العالم بوصفه وحدة حيّة، دائمة التطور أمام أعيننا، نشكّل نحن فيها جزءًا صغيرًا ولكنه قويٌّ وفعّال.”

رواية متفردة ومختلفة، لا حبكة واضحة و لا شخوص متميزون، من النوع الذي يعجب النقاد كثيراً وبعض القراء المتمرسين، لكن البعض ممن يبحث عن رواية تقليدية سيجدها مفككة و مملة . ‏

قالت عنها لجنة تحكيم “نوبل”:‏”الخيال السردي الذي يصور بشغف موسوعي عبور الحدود بوصفه شكلًا من أشكال الحياة”، لقد رسمت الكاتبة خلال ترحالها الكثير من الشخصيات والقصص المرسومة ببراعة، ومحبوكة بتأملات مؤرقة، ولعوبة، وموحية، كاشفة عن معنى أن تكون مسافرًا، طوافًا، جسدًا في حالة حركة ليس فقط عبر المكان وإنما عبر الزمن أيضًا. من أين أنت؟ من أين أتيت؟ إلى أين تذهب؟ ، هكذا نسأل المسافرين حين نلتقيهم. رواية فاتنة، مقلقة، ومجهدة للقارئ، والرواية بمثابة إجابة تطرحها كاتبة من كبار الحكّائين في عالمنا.

مقتطفات من الرواية :-

– “أدركتُ أن الشيء المتحرك- رغم المخاطر- يظل دائماً أفضل من الشيء المستكين، أن التغيير يظلُّ دائماً أنبل من الديمومة، أن الساكن سيتفكك ويتحلل، يتحول إلى تراب، بينما المتحرك قادر على البقاء إلى أبد الآبدين.”

– ” أي شخص سبق وحاول كتابة رواية يعرف أنها مهمة مُضنية، بل وإحدى أسوأ طُرق شغل الوقت. عليك أن تبقى داخل نفسك طوال الوقت، في حبس انفرادي. الكتابة ذُهانٌ تحت السيطرة، بارانويا وسواسيّة لا تعمل إلا بعد تقييدها بالأغلال.”

– “مرأة محطة القطار : تَعِرض نظريتها عن الزمن. تقول إن الشعوب المقيمة، المزارعين، يفضلون مباهج الزمن الدائري، الذي فيه كل غَرَض وحدثٍ يجب أن يعود إلى مُبتداه، يلتف ثانية على نفسه بصورة جنينيةً ويُكرر عملية البلوغ والموت. لكن البدو التجار، عندما كانوا ينطلقون في رحلاتهم، كانوا بحاجة إلى ابتداع زمن يلائمهم، زمن يستجيب على نحو أفضل لاحتياجات أسفارهم . ذلك الزمن هو زمن خطّي، عمليّ أكثر لأنه لحظة متفردة؛ لا يمكن لأي لحظة أن تتكرّر أبدًا. هذه الفكرة تُفضّل المجازفة، عَيْش الحياة إلى أقصاها، اقتناص اليوم . مع ذلك فهو ابتكار مرير : عندما يكون التغيّر عبر الزمن غير قابل للانعكاس .”

– ” كان يعرف لماذا جاءوا إلى هنا، وحين تعرف الغرض من رحلة ما، فأنت تعرف ما يكفي عن الشخص.”- ” ثمة متلازمة أعراض شهيرة سُميت باسم (ستندال)، فيها يصل المرء إلى مكان معروف من الأدب أو الفن فيعيشُه بكثافة شديدة تُوهن قُواه أو تفقده وعيه.”

– ” تكلم ! تكلم ! اسرد كل موقف، سمَّ كل حالة، ابحث عن الكلمات، حاول نطقها، ذلك الحذاء الذي سيُحوّل سندريلا على نحو سحري إلى أميرة …. مَنْ لا يبرع في فن الكلام يظلّ على الدوام عالقاً قي شَرَك.”- ” لأن الرب الكامل كمالاً غير منقوص، الذي أمدَّنا بهذه الملكات المعرفية، لا يمكن أن يكون مخادعاً؛ إذا استخدمنا تلك الملكات على نحو صحيح، لا بدّ أن تصل إلى الحقيقة.”

– ” هذا البوذا يبـتسم قليلاً، لنفسه، بمسحة من سخرية، مثل شخص سمع نكتة ذكية. نكتة لا تأتي خُلاصتها في الجملة الأخيرة، وإنما في أنفاس مَنْ يسردها.”

– ” بل هو متعلق بهذا الهاجس المسبَق لدى الرجال في كل لحظة من حياتهم، هاجس مكتوم ومخفيّ بعناد – أنهم إذا تركوا لحالهم، في الرَّفقة البليدة الهادئة لحركة الزمن، سوف يصيبهم الضمور على نحو أسرع. وكأنهم قد صُمَّموا لدفقة قصيرة من النشاط، لسباقٍ رهاناته عالية، فوز، يتبعه على الفور إنهاك. كأن ما يبقيهم على قيد الحياة هو الإثارة، وهي استراتيجية مُكلِفة لعيش الحياة؛ إذ تنضب مستودعات الطاقة في نهاية المطاف، وبعدها تصبح الحياة أشبه بالسَّحْب على المكشوف .”

– ” لقد أدركت أن كل ما ينبغي عليك لتصيرَ غير مرئي هو أن تصبح امرأةً في سنًّ معينة، من دون ملامح مميزة. الأمر تلقائي. ليست غير مرئية للرجال فقط، ولكن للنساء أيضًا، اللاتي لم يعُدنَ ينظرنَ إليها كمنافسة لهنّ في أي شيء. إنه إحساس جديد و مدهش، كيف تطفو عيون الناس فوق وجهها، فوق خدّيها و أنفها، لا تعبأ حتى بالانزلاق على السطح. ينظرون إليها مباشرة، لا شك أنهم ينظرون إلى ما خلفها من إعلانات ومناظر طبيعية وجداول زمنية .”

– ” أخرجوا كرّاساتكم أيضاً، واكتبوا . فنحن الذين نكتب الأشياء كثيرون في حقيقة الأمر . نحن لا نكشف عن كوننا ننظر إلى بعضنا البعض؛ نحن لا نرفع أعيننا عن أحذيتنا. نحن ببساطة نكتب بعضنا البعض، وهي آمن طريقة للتواصل والمرور العابر؛ سوف نُحوّل بعضنا بعضاً، بالتبادل، إلى حروف وأحرف أولى، نُخلّد بعضنا بعضنا، نُلدَّن بعضنا بعضاً، نُغطَّس بعضنا بعضًا في جُمل وصفحات من الفورمالدهايد ..”-

( انتهت الرواية .. بهذه النصيحة ).

من صفحة الكاتب على الفيسبوك