حجي جابر: لا نجاة من التورّط في الكتابة العنيفة

حجي جابر: لا نجاة من التورّط في الكتابة العنيفة

أجرت الحوار : ريم غنايم

حجي جابر، روائي إريتري، من مواليد عام 1976. يعمل صحافيًا في قناة الجزيرة ويزاول الكتابة الروائيّة على نحو شديد الخصوصيّة. منذ عام 2012، اقتحم حجي جابر المشهد الروائيّ العربيّ بصخب مع روايته “سمراويت”. وهو يداور الهويّة وأسئلتها ويفتح التاريخ الإريتريّ على مصراعيه في مدارات الخيال والتخييل مثلَ خيّاط ماهرٍ لا يضيّع تفاصيل الثّوب الذي يحيكه. صدرت لجابر أربع روايات حتّى الآن، هي “سمراويت” و”مرسى فاطمة” و”لعبة المغزل”، و”رغوة سوداء”. وهذه الأخيرة صدرت مؤخرًا عن دار التنوير.

مع مؤلّف هذه الروايات الأربع، المكتوبة بأربع لغات هوياتيّة تكشف عن جماليات الجسد الإريتريّ الثابت والمرتحل ومصائره من إريتريا إلى أثيوبيا وصولًا إلى فلسطين المحتلّة، كان هذا الحوار.

(*) طفل قادم من مصوّع، المدينة الإريتريّة، هبط في جدّة، ووصل إلى عالم الصحافة ثمّ عوالم الرواية التي ولجتها رسميًا عام 2012. إنها مسارات متعدّدة وحمولة هويّاتية تترنّح بين المركز والهامش، شكّلت في النهاية مفهومك للأدب وصاغَتكَ فنيًا. ما الذي اكتنزته- نفسيا وأدبيا- من هذا التهجين الثقافيّ، وما الذي سقط منكَ في الطريق؟

حين أعود بالذاكرة إلى الوراء أجد أنّ هذا السؤال محوريّ للغاية. لهذا عادة ما تأتي إجابته مختلفة في كل مرة. في البداية كنتُ أنظر إلى الأمر بشكل سلبي، ولهذا ربما خرجت “سمراويت” إلى الوجود. كانت شحنة غضب زفرتها في وجه الجميع. كنتُ محتجًا على عدم قدرتي تحديد شكلي النهائي، ماهيتي الكاملة، والهيئة التي ينبغي لها تقديمها للناس. لكنني، وبسبب “سمراويت” أيضًا، عدتُ أكثر هدوءًا وأصبحتُ أنظر إلى الأمر بشكل مختلف. هذا التهجين الثقافي، كما أسميته، بدا قادرًا على فتح مساحات أوسع أمام إدراكي وبالتالي إنتاجي الإبداعي. أما إذا أردتُ أن أختار إجابة مختصرة، تصلح للراهن من دون ضمانة أن تبقى دائما، فما حدث حرمني طمأنينة كنتُ أحتاجها، لكنه في المقابل حقنني بصخب ضخّ في تجربتي الإبداعية.

(*)ماذا عن ذاكرتك الأسريّة.. ألا تحتلّ حيزًا من ذاكرتك الإبداعيّة. أم أنّها ذاكرة محيّدة بتعمّد من صاحبها؟

لم أكن أملك ذاكرة تخصني فيما يتعلّق بالوطن الذي ولدتُ فيه ثم غادرته رضيعًا. كنتُ أقتات على تلك الذاكرة المستعارة وأستند عليها. لكن بدءًا من عودتي المتأخرة والتي سبقت كتابة روايتي الأولى “سمراويت” بعام واحد، بدأت في بناء ذاكرتي الخاصة. أشعر أن ما يشبه الإحلال تم في رأسي، ذاكرتي الناشئة محل تلك العتيدة، لكنني في النهاية لا أستطيع الزعم أني انفردت تمامًا بذاكرتي إبداعيًا، فكثيرًا ما ألجأ إلى تلك الذاكرة الأسريّة الرحبة.

(*) في فترة وجيزة، لا تزيد مدّتها عن ست سنوات، تمخّضت عن أربع روايات، تمكّنت من اجتراح مكانة روائيّة بارزة في الساحة الأدبيّة العربيّة الراهنة. في رأيك هل يعود هذا إلى خصوصيّة ما تقدّمه من مادّة روائيّة مدارها الترنّح بين عوالم إكزوتيكيّة بالنسبة للمتلقّي العربيّ؟ أم أنّ هناكَ شيئًا ما حيويًا في العَودة إلى مرجعيّات مقترنة بالتاريخ المنسيّ المنفوخ فيه فنيًا؟

عادة ما أكرّر أني محظوظ بالانتماء إلى بقعة جغرافية وثقافية بكر تكتنز الكثير مما يستحق الكشف والإظهار. الأمر أشبه بأن أكون الإنسان الأول لمكان ما، مع قدرة مسبقة على التواصل مع العالم خارج هذا المكان. هناك أمر آخر يتعلّق بكوني قادمًا إلى إريتريا من الخارج، كوني نشأت في الخليج، ولستُ معجونًا بطبقاتها الاجتماعية والثقافية. هذا الأمر أتاح لي أن أبقى قادرًا على رؤية ما يعجز عن رؤيته المقيمون فيها. أنا مرتاح لكونيّ إريتريّا وسائحا في الآن نفسه.

(*) لماذا تستحضر إريتريا ذاكراتيًا؟ هل هي محاولة لاسترداد هويّة مفقودة، أم هي احتفاء بهويّة موازية حاضرة راسخة في راهنك، أم هو تعويض عن إحساس بالحرمان، أو على الأصحّ، بالذّنب تجاه قطيعة قسريّة مع المكان الأوّل وإعلان الوفاء له؟

هو كل ذلك في حقيقة الأمر. لكن دعيني أضيف أمرًا آخر؛ إنه الغضب. أنا غاضب لأن بقعة جغرافية ما لفظتني في ذروة تشبثي بها، لذا جاءت هذه العودة عالية النبرة. أنا في الحقيقة أخبر الجميع أنّ لي جدارًا أستند إليه مهما بدا متداعيًا أو آيلًا للسقوط، لكن يكفي أن يكون لي ويخصني.

(*) الفنّ الروائيّ هو فنّ بوليفونيّ بامتياز. لماذا تعرّف نفسك على الدوام كروائيّ إريتريّ، بينما الرّواية لا تعرف حدودًا للهويّة، وأنت بالذّات روائيّ الجغرافيات الثقافيّة المتعدّدة؟

أفعل هذا من دون وعيّ، وربما بوعيّ. ما أعرفه أنّ إريتريا تعيش في العتمة، بينما أقف على ناصية الطريق أنادي على العابرين كي يلتفتوا إليها. أفعل ذلك كثيرًا، لذا لا أفوّت فرصة تكرار اسمها بمناسبة أو من دونها. إنها كالكلمة الجديدة بحاجة لتكرار حتى تثبت في ذهن المتحدث قبل من يستمع إليه. وبالمناسبة كنتُ سأفعل الأمر ذاته لو كنتُ طبيبًا أو لاعب كرة قدم على سبيل المثال. إنه النداء ذاته على المارة.

(*) يبدو لي أنّك كائن مسكون باستقصاء العنف.. في مناخك الروائيّ دراماتيكيّة ساكنة أحيانًا، عنيفة كثيرًا حتى في سكونها.. من في رأيك المسؤول عن هذا العنف الفائض في واقعنا إلى حدّ تأريخه روائيًا؟ هل هو أداة القاهرين والمقهورين التي لا بدّ منها، أم مرض جمعيّ متناقل، أم نزعة راسخة في طبيعة المكان الذي يستدعي العدوانيّة؟

سيبدو أيّ نصّ خارج هذا المناخ نشازًا. من الصعب أن أخرج بكتابة متنائية بالكامل عما نعيشه. هذا الأمر يأتي عرضًا ودون تقصّد. حين أكتب عن إريتريا التي أوغل نظامها في الاستبداد والقمع وقهر الإريتريين، لن أكون قادرًا على تجاوز هذا، حتى إن كانت مادة روايتي بعيدة عن تناول ما يجري على هذا المستوى. سيتسلل هذا التوحش إلى أسطري. نحن لفرط إقامتنا الطويلة في هذا الجو الموبوء أشعر أنّ الأمر أصبح متعلقًا بالجينات. وقد لفتتني إشارتك إلى كمّ العنف الذي تختزنه أرواح المقهورين أيضًا. لا نجاة إذًا من التورط في الكتابة العنيفة.

(*)كان صاحب “يوليسيس” يستلقي على بطنه لكَي يكتب، وكان همينغواي يكتب واقفًا، وكان ماركيز يقرأ الصحف قبل أن يشرع في الكتابة، وموراكامي تهيأ للكتابة بالركض. وأنت؟ كيف تكتب؟

لا أهتم عادة بالشكل الذي تأتي ضمنه الكتابة. لستُ مهووسًا بالطقوس. أترك الأمر يمضي على كيفيته. بتّ أعتقد أن النصّ هو من يستدعي طقسه الخاص، لذا لا أقوم بإجباره على طقسي أنا. كتبتُ “سمراويت” بالكامل في مقر عملي في غرفة الأخبار وسط ضجيج الربيع العربي، بينما احتاجت “مرسى فاطمة” إلى شيء من العزلة، وأذكر أني في أثناء كتابة “لعبة المغزل” كنت أستمع إلى أبو بكر سالم لأتوقف فجأة وأرقص سريعًا ثم أعود للكتابة. لا طقس واحدًا لي. أكتب ما يأتي به النص.

(*) أنت كاتب رشيق في التعبير، خفيف الحركة في جملك السّرديّة، وتكتب بجديّة فائقة. بعبارة أخرى، أنت روائيّ- رياضي.. علاقة تكامليّة بين مفهوم شدّ العضلات ومفهوم شدّ الذهن. من تجربتك، أي علاقة ماهويّة تربط بين ممارسة الرياضة واحتراف الكتابة؟

لم أكن منتبهًا إلى هذا الأمر من قبل، لكني وبمجرد أن انتظمت في التمرينات الرياضية بواقع خمسة أيام في الأسبوع تفتّح ذهني على أنّ هذا الجهد البدنيّ يصبّ بطريقة أو بأخرى على الكتابة. ثمة ما يصفو في الذهن بعد فراغي من ذلك الرهق اللذيذ. ثمّ إنّ الرياضة مساحة تستحق التأمل؛ هذا البناء القائم على الهدم، تحدي الذات، لذة الوصول، وأمور أخرى كثيرة لا بد أنها تتسرّب إلى كتابتي بشكل أو بآخر.

(*) يتحرّك حجي جابر في الكتابة على مسطّح جافّ مناخه قاسٍ جدًا. يعاني أبطالُك من القسوة، على الصعيد التاريخيّ، النفسيّ، الاجتماعيّ. شخوص نازحة في حالة ارتحال عن أوطانها، عن ذاتها، تعاني (أو ربّما تتمتّع) من الفصام واللجوء والانتفاء، تعيشُ ديمومة التحوّل وكأنّها شرطٌ للخلاص. ألا ترى، ربّما، أنّ هذا المنفى الداخليّ هو الهويّة البديلة لنا جميعًا اليوم، في ظلّ راهن متفتّت؟ أن نربّي أنفسنا على المنفويّة كشكل من أشكال إعادة إنتاج الهوية؟

قد يبدو هذا حلا ملائمًا للوهلة الأولى، لكنه للأسف ليس خاليًا من الكلفة مثله مثل محاولة الانتهاء من حالة الشتات والمنافي. هل نحن قادرون على انتحال هوية مؤقتة ريثما نصل؟ هل نحن جادون في اختيار هذه الهوية الجديدة أم هي محض عزاء وترضية؟ هل سنشعر بالاكتمال في ظل اختيار هوية قائمة على النقص والقصور؟ أسئلة لا بد من إيجاد أجوبتها قبل الإقرار بهذا الأمر.

(*) “رغوة سوداء”، روايتك الصادرة مؤخرا عن دار التنوير للنشر (2018)، توثيق بعين ميكروسكوبيّة دقيقة لحكاية لاجئ أسوَد بثلاثة أقنعة (داويت، داود، ديفيد) في الطريق إلى “أرض الميعاد” إلى فلسطين المحتلّة.. في الرواية إيقاع شظف، صراع وجوديّ على النجاة، ذكاء السّرد المتأرجح بين الواقع المأساويّ والخيال الرشيق. من أين أتيت بهذه التفاصيل حول تباين وتشظّي واقع اللاجئين الأفارقة في دولة الاحتلال، وكأنّك ابن هذه البلاد؟

لطالما كنتُ مشغولًا بالمنافي كأوطان بديلة. فعلتُ ذلك في “سمراويت” و”مرسى فاطمة”، وها أنذا أعود إلى ذلك وإن بطريقة مختلفة. الحالة في فلسطين مغرية للغاية، إنها الدوائر المتداخلة. كيف لي أن ألجأ إلى بلد يحوي داخله طبقات قهر. اعتاد الإريتريون النجاة بأنفسهم في بلدان الغرب الآمن والمطمئن، ماذا عن اللجوء إلى بقعة نار لا تهمد؟ هذا الإغراء كان دافعي لأبحث وأسأل وأقترب حتى جاءت فرصة زيارة فلسطين فكان تتويج كل ذلك الجهد برؤية المكان بعين السائح والباحث هذه المرة.

(*)وهل وجدتَ في فلسطين إجابة عن سؤالك الصّعب حول لجوء المقهور إلى بلاد قاهرة مقهورة؟

هو أمر مربك ولا شك استغرقني التفكير فيه وقتًا طويلًا. يخطر لي أحيانا أن فلسطين هي حالة مكثفة لذروة كل شيء؛ ذروة القهر، والأمل، والدنو، والاستحالة. هي الآتية بكليتها والهاربة من دون التفات. فلسطين مكان حقيقي للغاية، والتورط فيه أمر معقد للغاية، سواء أكنت قاهرًا أم مقهورًا.

(*) تعمل صحافيًا منذ سنوات. ماذا أكسبكَ عملك الصحافيّ ومنعطفاته التقريريّة في ممارستك الأدبيّة ومنعطفاتها التخييليّة؟

قدّمت لي الصحافة الكثير. بفضلها أنجزت نصًا ما كان له أن يتمّ لولا أدوات العمل الصحافي الاستقصائي، وأعني هنا رواية “مرسى فاطمة”. كما تكرر الأمر ذاته في “رغوة سوداء”. الصحافة فنّ بإمكانه أن يرفد بقية الفنون. فقط أنا بحاجة في كل مرة أن أنتبه كي لا تتسلل تلك اللغة التقريرية إلى أعمالي الروائية.

(*) قضيّتك المطروحة في الساحة الأدبيّة العربيّة، ألا تخشى من أن يفقدَ القارئ العربيّ البسيط الاهتمام أو التفاعل مع المادّة التي تتعامل معها أدبيًا؟
أسأل نفسي دائما ما إذا كان القارئ العربي قد تشبّع بمواضيع إريتريا أو على وشك أن يفعل. لا أملك إجابة قاطعة، لكنّ هذه الفكرة تحثني على الدوام كي أنوّع من أدواتي ومواضيعي. مؤخرًا اهتديت إلى الإبقاء على مشروعي مع تمديد الأرضية التي يقف عليها. فالإضاءة على إريتريا لا تتطلب الالتزام بالجغرافيا ذاتها. في “لعبة المغزل” يخفّ حضور المكان كثيرًا، وفي “رغوة سوداء” خرجتُ إلى إثيوبيا وفلسطين.
العربي الجديد