تلميذة بليدة في الحبّ

تلميذة بليدة في الحبّ

ترجمة ميادة خليل

بعد طلاقها للمرة الثالثة العام 1982، لم تكن إليزابيث جين هاورد في أفضل حالاتها؛ متحيرة بين فكرتين لعمل جديد. لذا دعت ابن زوجها السابق الكاتب مارتن آميس لاحتساء الشراب معها ولكي تشرح له الفكرتين. فكرتها الأولى تمثلت في كتابة نسخة معاصرة لرواية جين أوستن “كبرياء وتحامل”. وفكرتها الثانية هي البدء في كتابة ثلاثية عن عائلة أثناء الحرب العالمية الثانية، في العام 1937 تحديداً. “الكتابات عن تلك الفترة، اقتصرت على ساحة المعركة، فيما الحياة العائلية مجرد خلفية للأحداث. يبدو لي أمراً مشوقاً لو أني فعلت العكس” قالت جين. لم يتردد مارتن ونصحها قائلاً: “اختاري الفكرة الثانية”. وهكذا بدأت جين في كتابة The Cazalets “عائلة كازلت”، التي انتهت إلى خمسة أجزاء وعُدت من أفضل أعمالها. فلقد روت جين في تلك الأجزاء الخمسة التاريخ المشوق لثلاثة أجيال من عائلة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة من وجهة نظر نفسية.

الجزء الأكبر من القصة يخص عائلة إليزابيث جين هاورد نفسها، أما التعقل  في مجال الحب والعلاقات الذي عرضته جين على نحو واسع في رواية “عائلة كازلت” فلا يخصها، لأن جين لم تكن متعقلة جداً بشأن حياتها العاطفية. فلقد سمعت من معالجها النفسي ذات مرة وهي في الخمسين ما كان يجب أن تعرفه منذ زمن طويل: “أنتِ حفرة بلا قعر، تجذب إليها الحب واهتمام الرجال”. لم تكتفي جين قط من الحب واهتمام الرجال، لذا فكرة السعادة الأبدية ظلت قائمة.

عائلة إنگليزية للغاية

ديڨيد هاورد سليل أسرة متوسطة تمتهن تجارة الخشب. بعد نجاته جندياً في الحرب العالمية الأولى، حاول أن يحتفل بكل يوم في حياته. قبل أن تتزوج بديڨيد عام 1921 عملت كيت سومرفل راقصة باسم مستعار؛ جين فورستير، في الباليه الروسي الشهير لسيرجي دياغيلف. بالنسبة لديڨيد الحب هو الجنس، بينما يمثل الجنس لكيت معاناة ترزح تحت وطأتها. سكن الزوجان في لندن، فيما يقضيان عطلة نهاية الأسبوع في هوم بلايس في ساسكس؛ منزل مريح يضم أسطبلا، ملعب تنس والكثير من الخدم. في 26 مارس من العام 1923 وُلدت طفلتهما الأولى جين، ثم أبنهما روبن العام 1925 وأخيراً كولن العام 1934 والذي لُقب طوال حياته بالقرد. إنها أسرة إنگليزية بكل معنى الكلمة. الهاورديون لا يحبون المجاملات لذا قليلاً ما يتلقى أبنائهم؛ الذين تولت تربيتهم المربيات، الثناء، بل وشعرت جين بأن والدتها الانتقادية غالباً ما تأنبها دون سبب، وبدا أنها تفضل ولديها في المعاملة. لذا فمن غير المستغرب أن تصبح جين فتاة غير واثقة من نفسها، تصبو إلى نيل الإعجاب والاستحسان.

علاقة جين بوالدها كانت أقل تعقيداً بادئ الأمر؛ إذ يسعده رؤيتها دائماً، وتُضحكه نكاتها. تغيّرت علاقتهما فجأة في فترة مراهقتها. ذكرت جين في سيرة حياتها “Slipstream” ليلةً جمعتهما في المنزل: “قال بأني قد كبرت بسرعة، ثم ضمّني بين ذراعيه، وقبض بيده على نهدي بقوة آلمتني، وخنقني بما عرفت لاحقاً بأنها قبلة اللسان”. عرفت كيف تخلص نفسها منه. وبعد أن تكرر هذا المشهد لعدة مرات، حرصت على ألّا تبقى لوحدها مع والدها في غرفة واحدة مطلقاً.   

زوجة في التاسعة عشرة

في بداية الحرب العالمية الثانية تقربت جين مترددة إلى پيتر، أبن المستكشف الأسطوري روبرت فالكون سكوت. ورغم أنها أُعجبت بعائلته أكثر منه إلا أنها فقدت عذريتها معه: “لم يكن الأمر عصيباً، وكرر مرة بعد أخرى كم كنت جميلة وكم استمتع معي. بطريقة أو بأخرى ظننت بأني سأستمتع أنا أيضاً، لكن ذلك لم يحصل. ذاك أن النساء ـ استنتجتُ حينئذ، وكنت امرأة ناضجة بشكل واضح كوني توصلت إلى هذه النتيجة – تفعل ذلك بدافع الحب وإذا أحبت المرأة رجلاً، تبذل قصارى جهدها لتمتعه”. 

تزوجت جين العام 1942 وهي في التاسعة عشرة من پيتر الذي يكبرها بأربعة عشر عاماً. وفي فبراير من العام 1943 وُلدت ابنتهما نيكولا. لم يكن لدى جين أدنى فكرة عما ينتظرها في الولادة وتربية الطفل. إلا أنها تعلمت من والدتها: “أناس بمكانتنا لا يثيرون ضجة ولا يصرخون عندما يولد لهم طفلاً”، لكن الأمور لم تجري بهذه السهولة؛ فپيتر الذي يخدم في الجيش، يأتي إليها ويتفقد طفله الرضيع أثناء أجازته لبعض الوقت ويقضي ما تبقى من أجازته إلى جانب والدته. شعرت جين كما لو أن الجميع قد تخلى عنها. لكن لحسن الحظ وجدت مربية موثوقة أوكلت إليها رعاية نيكولا، حتى تتفرغ لأمور أخرى؛ العمل على سبيل المثال (فلقد حاولت العمل ممثلة لكنها لم تنجح، ثم عملت لحساب البي بي سي وشرعت في الكتابة للمسرح بادئ الأمر) وقبل كل شيء الحب. فبينما يقوم زوجها بواجبه في جبهات القتال على أكمل وجه، أقامت جين علاقات عاطفية عدّة من بينها علاقة مع الأخ غير الشقيق لزوجها پيتر.

حين اجتمع الزوجان بعد نهاية الحرب، اتضح بأن ما يربطهما خيط واهن. وفي أغسطس العام 1947 غادرت جين سكن الزوجية في لندن وليس معها إلا حقيبة سفر. حتى ابنتها نيكولا، ذات الأربعة أعوام، تركتها. لا يُسمح لها برؤية ابنتها إلا عندما تكون المربية في إجازة. لذا ظلت جين تلوم نفسها طوال حياتها على أنها تخلت عن ابنتها الوحيدة يوماً ما.

الزواج الثاني والثالث

بَنت جين وجودها، بين إخفاق ونجاح. ففي العام 1950 صدرت لها رواية “الزيارة الجميلة” والتي حققت نجاحاً كبيراً فور صدورها. في غضون ذلك سكنت في شقة متواضعة، تكتب الروايات، والمقالات وسيناريوهات الأفلام، وشغلت وظائف في دور نشر مختلفة، بالإضافة إلى سلسلة علاقات عاطفية لا نهاية لها مع رجال متزوجين. قد يبدو أن الجميلة جين امرأة أنانية، لكنها في واقع الأمر خجولة للغاية وغير واثقة من نفسها إلى حد بعيد. فما أن يجذب اهتمامها رجل، حتى تبدأ بملاطفته ومغازلته ومن ثمّ تفعل كل شيء لإسعاد ذلك السيد. تصبو إلى حب لاهب، ولا تحصل إلا على الفتات. ذاك أن ما يحدث عكس ما يعد به الرجال: في النهاية لا يهجرون زوجاتهم من أجل جين هاورد، حتى لو حملت واضطرت إلى الإجهاض.

كرهت وضعها الاجتماعي كونها امرأة عزباء مطلقة. وفي عام 1959 تزوجت للمرة الثانية بجيمس دوگلاس- هنري الذي يكبرها بخمسة أعوام، والذي ليس لديه مهنة معروفة. “لقد سئمت من الخروج لتناول الطعام مع رجال يتوقعون في المقابل ذهابي معهم إلى الفراش”.

أثناء شهر العسل ذكر جيم مرة بعد أخرى بأنه لا يحبها. وأن زواجه منها مجرد غلطة. غير أن الأمور انعطفت منعطفا إيجابياً حين التقت في مهرجان أدبي عند مناقشة حول الجنس بالأديب كينغسلي آميس، الكاتب الأربعيني لروايات مشهورة من بينها “المحظوظ جيم”. بعد انقضاء المناقشة، احتسيا الشراب وتحدثا حتى الرابعة صباحاً، فيما زوجة آميس تنام في فراشها. ذكرت جين عن هذا اللقاء: “عندما قبلني، شعرت كما لو أن بإمكاني التحليق”.  

العلاقة مع آميس اختلفت عن سابقاتها؛ فلقد انفصل كينغسلي عن زوجته في العام 1965 ليتزوج من جين. في كل صور حفل الزفاف تنظر جين بإعجاب إلى زوجها الجديد، الذي كان يحدق مبتهجاً بدوره إلى عدسة الكاميرا. أصبح آميس وهاورد نموذج لزوجان بريطانيان أديبان في عصرهما؛ يسافران معاً، يقرءان لبعضهما مساءً ما كتباه ذلك اليوم، وسعيا أيضاً إلى إنجاب طفل. رغم أن كينغسلي أب لثلاثة أولاد، ترميهم والدتهم الساخطة أمام رصيف العاشقان بين الحين والآخر، مما تسبب في كثير من التعقيدات في حياة كينغسلي؛ لأن كينغسلي نادراً ما يتدخل بتربية أبناءه المراهقين، ولا علاقة له بأي شيء سوى الكتابة والشراب. لكن بفضل جين سارت حياته بسلاسة، حتى مع انتقالهما إلى السكن خارج لندن في منزل كبير بين عامي 1968 و1976 واستقبالهما الضيوف في عطلة نهاية الأسبوع في كثير من الأحيان. إذ حرصت جين على القيام بالأعمال المنزلية، الاهتمام بالحديقة، الأعمال الإدارية وقطف الزهور ووضع باقة منها إلى جانب كل سرير في المنزل. تغسل الملابس وتطرز وسائد الأريكة. ولأن كينغسلي لا يستطيع قيادة السيارة، توصله إلى أي مكان يود الذهاب إليه. تعد بنفسها وجبات الغداء والعشاء التي تقدم على عدة مراحل، وكل وصفة تعدها بطرق مختلفة، لتختار منها أكثرها صعوبة ومشقة في التحضير. ماسوشية قيامها بالأعمال المنزلية يقابله تماماً أنانية أفراط كينغسلي في احتساء الكحول. في تلك السنوات كتب كينغسلي الكثير من الكتب، كتاب بعد آخر؛ فيما نتاج جين هاورد أقل بكثير في الفترة نفسها.

وفي السبعينيات أنتهى الحب؛ أزعجته شكوى زوجته الشبقة حول فتور علاقتهما الجنسية. في غضون ذلك استرجعت جين الكثير من ثقتها بنفسها بعد خضوعها للعلاج النفسي. وفي عام 1980 استجمعت كل قواها وانفصلت عن كينغسلي آميس، الذي لن تسامحه أبداً.

سلسلة كازلت

أشترت جين منزلاً في الريف، في سفولك. هناك أيضاً تستقبل مجاميع من الضيوف باستمرار ــ بصعوبة تسمح لهم المغادرة بعد انتهاء عطلة نهاية الأسبوع ــ وبدأت بكتابة “عائلة كازلت”. الكتابة عن عائلتها أشعرتها بالراحة؛ عن زمن طويل مضى، عن منازلهم، وخدمهم، وعلاقاتهم المتبادلة. فالزوجان إدوارد وڨيلي يشبهان إلى حد كبير والديها، ديڨيد وكيت. كما عالجت جوانب في شخصيتها من خلال شخصية پولي، وكليري وبالأخص لويزا.

لكن جين لم تتعلم الدرس؛ أثناء مقابلة إذاعية في التسعينات تحدثت عن شعورها المستمر بالوحدة. ولم يمضي بعد تلك المقابلة وقت طويل حتى تلقت رسالة من رجل يذكر فيها بأنه قد أحبّ صوتها وأحبّها ويرغب في لقائها. ردت عليه منتشية برسالة مغازلة. والتقيا ببعضهما لأول مرة في نهاية عام 1995 . سعى الرجل المجهول لتدليلها وإسعادها قدر استطاعته وطلب يدها للزواج. رفضت طلبه، لكنها دفعت أجور النقل خاصته وسددت كل ديونه. “من هذا الرجل الغريب؟” سألها أصدقائها. وحين تحرّت ابنتها نيكولا، التي تحسنت علاقتها بوالدتها في تلك الأثناء إلى حد كبير، حقيقة ذلك الرجل، اكتشفت بأنه محتال؛ الكثير من النساء وقعن ضحية احتياله. قطعت جين خجلة علاقتها به على الفور. في الحب هي تلميذة بليدة، قالت عن نفسها ذات مرة متحسرة.  

خارت قواها مع التقدم في السن، غير أن روحها ظلت نشيطة. ففي نهاية عام 2013 ومع صدور الجزء الأخير من “عائلة كازلت” أجرت جين التسعينية لقاءات حوارية عديدة. وذكرت بأنها تغار من كل زوجين سعيدين، وبأنها تخاف من الموت، على الأخص المعاناة قبل الموت. “أُفضل أن أغمض عيني وأرحل بهدوء”. وهذا ما حدث بالفعل؛ توفيت في ظهيرة الثاني من يناير العام 2014 أثناء قيلولتها. 

في “البراءة الخطرة”، سيرة حياة إليزابيث جين هاورد، طرح الكاتب آرتمس كوپر السؤال التالي: كيف يتسنى لشخص ساذج في حياته الشخصية الكتابة عن الحب والخيانة على هذا النحو الرائع؟  والجواب: لهذا السبب بالذات؛ لأنها اندفعت دون تفكير في علاقاتها العاطفية ولم تتوقف قط أحلامها عن الحب، أصبحت إليزابيث جين هاورد الكاتبة الفريدة التي نعرفها.    

_______________________________________

المصدر: FLOW