بييترو غروسّي الرواية والسفر

بييترو غروسّي الرواية والسفر

حاوره: عرفان رشيد

رغم أنّه لم يتجاوز الأربعين إلاّ بعام واحد، فقد صار الروائي الإيطالي بييترو غروسّي واحداً من أهم روائيي إيطاليا وأحد قلائل الكتّاب الإيطاليّين الذين انتبهت دور النشر في اللغات الأخرى إلى أعمالهم وترجمتها إلى الإنكليزية على الفور، وتبعت تلك ترجماتٍ أُخرى إلى لغات عديدة، وقد تشهد الشهور اللاحقة صدور روايته «عبور» باللغة العربيّة.    التقيت بييترو غروسّي، خلال عرض كتابه الأخير «رُعب» في فلورنسا، وعدني بالاتّصال حين ينتهي من سفراته العديدة ويعود إلى توسكاني. وبعد بضعة أسابيع رنّ هاتفي وإذا به غروسّي الذي يُخبرني بعودته إلى المدينة وبرغبته في اللقاء معي للحديث، للمرّة الأولى مع القراء العرب، عبر الحوار الذي سنُجريه.

“أنا دائم السفر، وتولد رواياتي جميعها خلال السفرات التي أقوم بها، سافرت ورحلت طوال عمري، ولم يكن الأدب الذي أحببت أكثر من غيره، إيطاليّاً، لذا، فعندما أرغب في رواية شيء أشعر بالحاجة إلى الذهاب إلى مكان آخر وأوسع من بلادي، وليس مستبعداً أن تولد إحدى رواياتي في بلد عربي من شمال أفريقيا أو من المشرق”.

هكذا ابتدأ بييترو غروسّي حديثه معي، بعد أيّام قليلة من صدور روايته الجديدة «رُعب»، التي صدرت بعد أقل من سنتين من صدور رواية «عبور». «ها نحن، مرّة أخرى»، هكذا تبدأ رواية «عبور»، بهذه الجملة التي يقولها بطل الرواية كارلو حين تبلغه المكالمة الهاتفيّة من والده، مُستشعراً مصيبةً جديدة، كما هي الحال كلّما اتصّل به والده المنفصل عنه منذ أعوام.

الجديد: بييترو غروسّي، ابتدأت الكتابة في وقت مبكّر، بالضبط كما ابتدأت الإبحار على متن قارب والدك، وأنت في سنّ الطفولة، وربّما لم تكن قد تجاوزت العاشرة من العمر. وكلاهما، الإبحار والكتابة، رحلةٌ في المجهول صوب المجهول. كم أسهم كلُّ واحد من هذين الأمرين في تطوير الآخر، مع الأخذ في الاعتبار أنّك ابتدأت النشر في سنٍّ مبكّرة للغاية، في الثانية والعشرين؛ ركوب البحر والكتابة، عرض البحر والصفحة البيضاء؟

بييترو غروسّي: هذا سؤالٌ هام، جميل ومعقّد في آن، وقد يَسْهُلُ عليّ أن أذكر لك ما الذي يجمع ما بين الأمرين لديّ، وربّما يكون ذلك هو الجواب الأول والأيسر، لكن من العسير عليّ أن أُحدّد ما الذي منحه حبُ أحدٍ منهما إلى الآخر. لكن ما أجده شبيهاً إليّ سواءٌ في البحر أو في الكتابة، هو ما له من آصرةٍ بطريقتي في الكتابة، وليس ذلك قابلاً للانطباق على الجميع بالضرورة؛ فكلاهما، البحر والكتابة، بالنسبة إليّ عبارة عن المكان الذي يُهيمن عليه المجهول، وحيث يبدو المرء صغيراً للغاية.

ولو حاولت البقاء في إطار لغة الإبحار، فإنّي أقول لك بأنّ من العسير على المرء تحديد مسار الإبحار الصحيح في بعض مناحي الحياة، وبالذات في عملية الكتابة، وقد يبدو غريباً أن تسمع منّي أقول بأن البحر أسهلُ بكثير من الكتابة، لكنّه كذلك، ففي البحر تُعينك الريح وتساعدك البوصلة، كما تُساعدك في يومنا هذا كل الأدوات والأجهزة الإلكترونية، وحتى لو لم تستعنْ بالأجهزة الإلكترونيّة، فإنّك حين تنساق وراء الريح وتستعين بما توفّره لك الطبيعة، فإنّك ستجد المسار الصحيح، لا محالة.

أمّا الوضع خلال الكتابة، فهو مختلفٌ تماماً، فقد وجب عليّ أن أتعلّم طرائق العثور على المفردات الطبيعية لهذا النوع من الإبحار والتي يمكنها أن تقودني، وإذا ما أردت الاخترال فإنّي أقول لك، بأنّ عليك، ككاتب، أن تشعر بنفسك في كلِّ يوم بأنّك لست إلاّ مُبتدئاً، أن تستيقظ كلّ صباح دون أن تكون لديك أفكارٌ أو حلول جاهزة، أو مسارات تقودك إلى المكان الذي ترغب الوصول إليه. وقد لا تُدرك مغزى هذا الأمر في سنّ اليفاعة والشباب، لكن ما أنْ تكبُر وتبدأ بتحليل ومراجعة ما كتبت، فإن عملية الكتابة تُصبح إذّاك مشكلة حقيقيّة وأكثر إيلاماً في الكثير من الأحيان.

أن تكتب كلّ يوم يجعل منك ضائعا بمرور الوقت، وكما تعلّمت الإنصات إلى الريح وإلى نسائم البحر خلال الإبحار على متن مركب، وكيفية إدارة الأشرعة وأدوات الإبحار الأخرى، فقد تعلّمت عبر السنين كلّ الطرائق والحيل والمخارج الكتابية التي تُساعدني على إدراك مساري والتحرّك إلى أمام متتبّعاً نسائم الأفكار التي تأتيني، أو تجتاحني في بعض الأحيان.

المُسوّدةُ استسلام لرياح الرؤى

كتب

هذه هي طريقتي في الكتابة، فليست المسوّدة بالنسبة إلي إلاّ استسلاماً للرياح ولأمواج الأفكار والتأملات. ففي البدء لا فكرة واضحةً لديّ على الإطلاق إلى أين سيكون مساري. أتْبَعُ خُطى شخصياتي، وخُطى الصوت الراوي وأتبع الحكاية. لا أُخطّط لأيّ شيء، وكتابتي في هذه المرحلة سريعة للغاية، ولا يدوم إنجاز المسوّدة الأولى من الكتاب إلاّ أسابيع معدودة، بالتناسب مع طول النص بالطبع.

أكتب المسوّدة الأولى بالقلم، ومن ثمّ أبدأُ بعملية النسخ على الكومبيوتر، وأُمضي شهوراً وربما سنين في إعادة القراءة والتصحيح والإضافة والحذف، وفي الواقع فإن الزمن المُستغرق ما بين بداية الكتابة والانتهاء من الكتاب قد يدوم لثلاث أو أربع سنين. وقد تتقاطع الأعمال مع بعضها، فبينما أُصحّح كتاباً أكون قد بدأت بمسوّدة العمل الآخر، ويحدث أحياناً أنْ أتمكّن من العمل على ثلاثة مشاريع مختلفة وفي مراحل تطوير متباينة فيما بينها، لكن ينبغي أن تكون هذه المراحل من حياة الأعمال مختلفة فيما بينها، أي بمعنى ليس بإمكاني أن أبدأ بالمسوّدة الأولى لكتابين في آن واحد.

كتابة رعب

الجديد: وهل ابتدأت مسوّدة «رُعب» خلال عملية تصحيح وإعادة كتابة «العبور»؟

بييترو غروسّي: نعم، ابتدأت بالمسوّدة الأولى لـ «رُعب» قبل أن تنشر دار «فيلترينيلّي» الطبعة الأولي لـ«العبور»، والذي تمّ في أكتوبر 2016، فيما كنت قد ابتدأت بالمسوّدة الأولى لـ«رعب» في ديسمبر 2014، وهذا يعني ما يربو على سنتين من صدور «عبور»، والذي لم أنتهِ من صيغته النهائية قبل وقت طويل من البدء بكتابة «رُعب»، فقد كنت انتهيت منها في نهاية 2013 أو في بدايات 2014، لذا بإمكاني القول بأنّ الكتابين قد تقاطعا فيما بينهما.

الجديد: وعمّ تتحدث روايتا «رُعب» و«العبور»؟

بييترو غروسّي: رواية «رُعب» تتحدّث عن الظلال التي نحملها معنا في دواخلنا وعن القدرات الجاذبة التي يمتلكها سواد العالم المحيط ورماديّته التي في دواخلنا. أما في «عبور»، فثمة فيها مراحل تبرز خلالها تلك الرماديّات والظلال ويطفح إلى السطح الوحش الساكن في شخصية الأب، إلخ… وأعتقد أن اقتداري من الرواية جاءني ممّا يمثله البحر بالنسبة إليّ، فهو منْ حرّرني ومنحني القوّة على القيام، دائماً، بالخطوة التالية إلى الأمام، أو ربّما بإنجاز خطوة مختلفة، أي بمعنى أن أتواجه للمرّة الأولى مع منعطفات داخليّة أكثر غموضاً، وهي منعطفات تنتمي إليّ بالطبع، كما يُمكن أن تنتمي إلى الجميع، وعلى أيّ حال انتمت إليَّ في مراحل متفاوتة. وثمةَ في كتبي دائماً منعطفات غامضة، وحوشٌ تخرج من الظُلمة، وحتى صفحات كاملة ملأى بالرعب، ويبرز ذلك بوضوح في رواية «رُعب».

كونراد وليس همنغواي

الجديد: دون أيّ رغبة أو نيّة في إجراء مقارنات أو مقاربات بين «عبور» وروايات عالمية تناولت علاقة المُبحر مع اليمّ ومكوّناته، كـ«الشيخ والبحر» و«موبي ديك»؛ فإنّ الخصم، في هاتين الروايتين، يكمن في لُجّة البحر وما بين مخلوقاته، في حين يكمن الخصم في «عبور» على اليابسة، أو بالأحرى يبدو وكأنّه يتواجد في داخلك، كما قلت أنت نفسك. كم كانت الأعمال الكبرى لكتّاب مثل همينغواي وميلفيل وكونراد، حاضرة في ذهنك وأنت تكتب «عبور»؟ وكم انفصلت عنها لتتمكن من رواية البحر عبر ما يجري على اليابسة؟

بييترو غروسّي: سؤال جميل آخر وهام حقّاً. لا أدري، ما إذا كانت لديّ، بوعي، مرجعية ما من بين الكتّاب الكبار عندما أكتب قصّة ما. أنا أقضي بالفعل وقتاً طويلاً للتواجه مع موضوعة أُحبّها كثيراً، كما هي البحر، أتأملّ، وأُعيد التفكير فيه طويلاً لتمثّله بشكل كامل، ولأتركه فيما بعد ينساب بسلاسة.

قد يكون جميع هؤلاء الكتّاب قد خطروا ببالي، وأنا أكتب «عبور»، وربّما كان جوزيف كونراد، أكثرهم تماثلاً أمامي، وهو الآخر أبحر كثيراً داخل نفسه، كان يركب البحر ويروي عنه، لكنّه في الواقع كان يروي ما في داخله. ويخطر ببالي الآن كتابا «خيط الظلال» و«قلبٌ في الظُلمة».

أكتب المسوّدة الأولى بالقلم، ومن ثمّ أبدأُ بعملية النسخ على الكومبيوتر، وأُمضي شهوراً وربما سنين في إعادة القراءة والتصحيح

إنّ العالم الموجود في رواياتي يبدو كمرآة مُتشظيّة تُظهر ما يحدث في الداخل. والقصّة الواردة في «عبور» ليست حكاية عن البحر بالمطلق، بل هي حكاية المواجهة ما بين رجلين، وفي العمق أكثر هو الصِدام ما بين الوحوش التي تسكن داخل هذين الرجلين، عن قدرتهما وعن عجزهما أيضاً في التواجد، أحدهما إلى جوار الآخر. شابٌ صار أباً طري العود يحتاج إلى إزاحة الثقل الكبير الذي تركه على كاهله والدٌ عسير الطبع، وكي يحولَ دون أن يقع ذلك الثقل على كاهل ولديه. وربّما أحسست، في اللاوعي، بأنّ كل ما يحدث في القصّة، لم يكن إلاّ ليحدث في عرض البحر، وفي ذلك البحر بالذات.

كنت أشعر بحضور هذه القصّة في ذهني منذ وقت طويل، وكنت أستمع إلى الهمس الصاعد منها، همس والدٍ يستعين بابنه لمساعدته في عملية عبور للبحر بقارب. وقد وُلد الكتاب حقاً عندما اقترن ذلك الهمس بمكان مُحدّد الملامح، وذلك المكان كان «غرينلاند»، كما لو أنّ هذه القصّة ما كانت لتدور في أيّ مكانٍ آخر. ففي لحظة تغادر الشخصيتان العالم، تهجرانه، في لُجّة ذلك البحر كثيف المياه كما الحليب، وهو مكان شاهدته بالفعل، وصار، بالنسبة إليّ، المسرح الأهم للّقاء/المواجهة والصدام فيما بينهما.

قدم في السفر

الجديد: لكتابة روايتي «عبور» و«رعب»، قرّرت، أو بالأحرى أجبرت نفسك على الذهاب بعيداً عن إيطاليا. لِمَ هذه الحاجة إلى الذهاب إلى مكانٍ آخر لتروي ما يحدث في داخلك؟

بييترو غروسّي: لأكثر الاستجابات بساطة وعجالة في هذا الإطار بالتآصر مع سيرتي الشخصية، على ما أعتقد، فقد ترعرت في عائلة، كانت إحدى قدميها مغروسة في أميركا؛ وأنا شخصياً سافرت وارتحلت طوال عمري، ولم يكن الأدب الذي أحببت أكثر من غيره إيطاليّاً، لذا، فعندما أرغب في رواية شيء أشعر بالحاجة إلى الذهاب إلى مكان آخر وأوسع من بلادي.

أحسست، في الأسبوعين اللذين قضّيتهما في ذلك البحر صعوداً من سواحل غرينلاند وعابراً المحيط صوب كندا، وكأنّني أسير على ذات خُطى أبطالي، ولم يكن الإحساس بالحماسة الذي انتابني حين ابتدأت بإدراك ما يحدث كالإحساس بالحماسة التي يستشعرها من تأتيه فكرة جميلة، بل تلك الحماسة النزقة، المكهربة والمُنبّهة إلى الطالع السعيد في التواجد في الأماكن التي حدثت فيها القصة التي أرغب في روايتها، إنها ذات القشعريرة التي تستشعرها عندما تلتقي في الطرف الآخر من العالم، بالصدفة المحضة ودونما أي موعد، شخصاً تعرفه؛ ما الذي يحصل إذّاك؟ تعود إلى خاطرك أفكار صوفيّة وعن احتمالات القدر والمصادفات السعيدة. إنّها ضربة الحظ التي لا تتكرّر مرّتين في الحياة، ذلك هو بالذات ما أدركته، أيْ أنّ تلك القصّة لم تكن لتحدُث إلاّ هناك، في ذلك المكان، وليس في أي مكانٍ آخر في العالم.

أنا القارئ الأوّل لما أكتب

الجديد: عندما يستلم كارلو، بطل رواية «عبور» المكالمة الهاتفيّة من والده، يشعر في الحال بخطرٍ داهم، فوالده لا يتصّل به إلاّ عندما يجد نفسه في لُجّة مصيبة أو هو بحاجة إلى عون من ابنه؛ ومع علم الآخرين، ممّن يُحيطون بكارلو، بطبيعة آصرته مع والده، فهم يمارسون عليه ضغوطاً كثيرة، تسعى بعضها إلى إجباره على الاستجابة لطلب الوالد، وأن يذهب إلى ذلك اللقاء. إلاّ أنّني أحسست، بعد الانتهاء من قراءة النص، بأن كارلو لم يستَجِب، في الواقع، إلى طلب والده لإخراجه من الحَرَجِ الذي أولجَ نفسه في خضمّه، ولا حتى انصياعاً لضغوط الآخرين من حوله، بل جاءت استجابته رغبةً منه ليتمكّن من مصارحة الأب بما كان يغلي في داخله منذ وقتٍ طويل، وهو ما لم يتمكّن من الإفصاح عنه عندما نزل من المركب قبل سنين مضت. أيٌّ من هاتين الصورتين هي الأقرب إلى قراءتك أنت لشخصيّة كارلو؟

بييترو غروسّي: هنا لا بُدّ لي أنْ أُمهّد للجواب، وأنْ أُخبرك بشيءٍ ما عن طريقتي في العمل على كُتبي؛ فأنا، بتحصيل الحاصل، القارئ الأول لما أكتب، لذا فإنّ نظرتي حول ما أكتب تتساوى مع وجهة نظر الآخرين ورؤاهم، بشكل عام.

من عائلة فيها الكثير من النساء، ويصل عددهن إلى ما يربو على 90 بالمئة، إذا ما استثنينا الأزواج والعدد القليل من الأبناء

أنا لديّ افتراض ثالث، إلى جانب الافتراضين اللذين أوردتهما أنت فهذه القصّة، برأيي ودون أيّ رغبة منى باستحداث مقارنات ومقاربات، تبتعد كثيراً عن أجواء «خيط الظل» لجوزيف كونراد، ولأنّ الشخصية الرئيسية تتحدث عن البحر وتتعامل معه، ويتحدّث الكتاب نفسه عن عمليّة عبور، فقد فكّرت برواية «خيط الظل»، وثمةَ الكثير ممّا قد يجعله متشابهاً مع كتاب كونراد، إلاّ أنّ الكتابين يتحدّثان عن حالتين متباينتين، في «خيط الظل» يتمّ العبور من حالة الصبا إلى مرحلة المراهقة، ومن ثمّ بلوغ المرحلة الأولى من عمر الشباب، دون امتلاك وعي كاملٍ بعملية العبور هذه، إذْ أنّ بطل الشخصية يجهل تماماً ما الذي بانتظاره.

وثمةَ أيضاً في «خيط الظل» أمر آخر أعتبره في قمّة الإبداع وهو أَنّ عملية التحوّل لا تتم خلال العاصفة، بل عبر بحر هادئ كسطح سهلٍ مُعشب، أي عبر القدرة على التعامل مع ذلك الهدوء المُطلق للبحر، وهذا، برأيي، ما يجعل الشخصية أكبر بكثير وفيه تكمن، في ذات الوقت، فالوقت عظمة وأصالة الفراسة التي توصّل إليها كونراد.

لكن في «عبور»، فإنّنا نجد أنفسنا إزاء العبور الأخير إلى عمر البلوغ، العبور إلى المرحلة التي يتحول فيها الشاب، بدوره، إلى أب، بالتالي فإنّ ما يشغلُ ذهنه وأنْ يسعى إلى الحيلولة دون إلقاء ثقل المصائب على كاهل ولديه، بذات الطريقة التي رماها والده على كاهله هو. فكارلو بحاجةٍ ماسّة إلى حل مشاكله مع ذاته ومع والده، وهو يُنصت إلى نصائح الآخرين ويُذعن لضغوطات النساء حوله. وكما بالضبط النساء اللاتي يتواجدن في حياتي أنا، وهنّ، إنْ أردنا يُمثّلن الحكمة، إلاّ أنّ قراره للسفر صوب العنوان الذي بعثه إليه والده إنّما ولد من الحاجة إلى تلك المواجهة، ولأنّه أدرك بأن هذه هي الفرصة الأخيرة التي بقيت لديه لحل كلّ ما هو عالقٌ بينه ووالده، فإنْ لم يلتِق به الآن فإنّه لن يحل تلك المشاكل أبداً، وسينتهي به الأمر إلى تحميل زوّادة المشاكل العالقة على كاهليه إلى كواهل ولديه. لذا فإن القرار الذي يتّخذه، قرارٌ واعٍ بشكل كبير، ويتّخذه من منطلق الرجولة المُطلقة، الرجل الذي يقرّر ملاقاة مشاكله وقَدَرِه ومخاوفه. وهذا هو الأمر المختلف عن «خيط الظل» لدى كونراد. وهو ليس ترجمةً للكلمة المقيتة «كاثارسيس» كما يحلو للبعض تسميته، بل يأتي عبر مواجهةٍ عاصفة بينه ووالده، وهذه لحظة جوهرية في حياة من يُقرّر القيام بتك الخطوة الجوهرية في حياته، وهي لحظة وعيٍ كامل لأنّك تُقرّر التواجه مع معركة، سواءٌ مع الذات، أو من يُحيطون بك، وعلى أيّ حال مع معركة، ولو كانت صغيرة، وليس في حالة الهدوء الكامل للبحر.

حكايات الرجال

الجديد: ثمةَ في المكان والشخصيات شيءٌ ما منك، ليس ما تكتب بالضرورة جزءا من السيرة الذاتيّة، لكنّ فيها الشيء الكثير منك، ومن معاشِكَ اليومي، وهذا ما هو واضح من كتابتك. لكن، لنتحدّث عن دور النساء في أعمالك. فعلى الرغم من أنّهن منزويات، معزولات وصبورات، فإنّهن يطفونَ على السطح بقوّة كبيرة، إنّهنّ قويّات الشكيمة، حازمات وأكثر صلابة من الرجال بشكل عام، كما هي الحال بالنسبة إلى شخصيّة الأم في «عبور». أنا أعتقد بأن الكثير من الأعمال الروائيّة، كما في الأفلام، إنّما تُكتب حول شخصيات رجاليّة، وهناك القليل والقليل جداً من الأفلام والأعمال الروآئية، التي كُتبت حول شخصيات نسائية… كم هي أهمّيةُ النساء بالنسبة إليك، ليس في حياتك فحسب، بل في إنجازك الأدبي أيضاً؟

بييترو غروسّي: باستثاء قصّة قصيرة واحدة، وحيث البطلة فيها هي من تروي الأحداث، لم تحتل الشخصيات النسائية في أعمالي مركز الحدث، إلاّ أنّها، ربّما، هي الشخصيات الأقوى والأكثر أهميّة في كتبي، بمعنى أنّني رجلٌ وأروي حكايات وقصص رجال، رغم أنّني، وهذه ملاحظة فيها الكثير من الفضول، آت من عائلة فيها الكثير من النساء، ويصل عددهن إلى ما يربو على 90 بالمئة، إذا ما استثنينا الأزواج والعدد القليل من الأبناء، لذا فقد ترعرعت في وسط مجتمع غالبيّتة من النساء، وبين الحين والآخر أتندّر على ذلك بقولي بأنّ الكتب والأدب، هما الفضاء الوحيد الذي يُتيح، أخيراً، لي فرصة التواجد مع الرجال.

لكن بعيداً عن هذا المُعطى، فأنا، في نهاية المطاف، رجلٌ ومُنجذب صوب قصّ حكايات رجالٍ مثلي، مُدركاً ومُثمّناً أيضاً، انطلاقاً من قصّة عائلتي ذاتها، للدور الجوهري الذي تمتلكه النساء في حياتي وحياة شخصياتي، وكم هنّ ضروريّات فيما نفعل وفيما ننأى بأنفسنا عن فعله.

ويبدو لي سطحياً أن أصف النساء بكونهنّ بمثابة الصخرة التي نتشبّث بها للخلاص من الغرق. إنّهنّ، في حياتنا، كما الطبيعة والحكمة، وهنّ الأفضلُ الذي يُسيّرنا في المسار الصحيح. غالباً ما أشعر في نفسي بالاندفاع لرواية حكايات عدّة شخصيات، وأكتشف بأن الشخصيات النسائية أكثرُ اكتمالاً، بسبب ما تختزنه ثنايا شخصياتهن، وهي مُخْتَزناتٍ، وإنْ لم تكن باديةً للعيان، فإنّها هي ما يدفع الرجال صوب المسار الصحيح، حتى وإن كان ذلك الدفع، في بعض الأحيان، كما هو الحال في رواية «عبور»، إلى المواجهة وإلى الصدام بين الأب وابنه.

الجمال هو المضمون

كتب

الجديد: أنت لا تستخدم المقوّسات الخاصة بالحوار أو المونولوج في النص، وفعلت ذلك، بالذات في قصتَيْ «العبور » و«رعب »، إذْ لا وجود للمقوّسات للفصل والشرح والحوار أو لتيار الوعي، ولا توجد هناك إلاّ فواصل تعبر بالحديث من مستوى إلى آخر. لماذا هذا الخيار؟

بييترو غروسّي: لهذا الأمر سببان، أحدهما أكثر نُبلاً من الآخر، وأنطلق من السبب الأقل نبلاً وهو عبارةٌ عن زهوٍ شكلي وجمالي بحت، وتعرّفت على ذلك خلال قراءاتي، وبالذات عندما قرأت كورماك ماكارثي، وشاهدت حواراته دون فواصل أو شارحات، وأذكر حينها شعرت بغيرة كبيرة إزاء ذلك الأسلوب في الكتابة، وصرحت: يا إلهي أنظروا إلى ما يفعله هذا الرجل؟

صفحات وصفحات مكتوبة بذلك الشكل، الذي لم يكن مجرّد شكل بل كان خياراً جمالياً، وبدت لي الصفحات دون تلك الإشارات الاعتراضية على قدرٍ هائلٍ من الجمال، لكن كورماك ماكارثي وحدهُ منْ كان يُنجز ذلك. لذا فقد بدا لي من المبالغ فيه تقليده. ثم لاحظت أن آخرين ابتدأوا بتقليد ذلك الأسلوب، وصدرت هنا في إيطاليا مؤخراٍ أعمالٌ لكتّاب وصفحاتٍ جميلة في كتاب «حياة دوبين» لبيرنارد مالامود، التي يهجر فيه الفواصل بشكل كامل في صفحات طويلة من الحوار، ما أقنعني بأن الحجر على ذلك الأسلوب قد أُسْقِطَ بالفعل، وهذا ما عنى بالنسبة إليّ إمكانيةَ أن أُجرّب.

إلاّ أنّ السبب الأهم الذي دفعني لتجريب ذلك في الآونة الأخيرة، هو تحويل الجماليّة إلى مضمون وأن أبذل جهداً إضافيّاً يُفضي إلى الوضوح، كما لو أنّني أمتلك صوتاً يروي دون أن تُرى أيّ إشارة دالّة عليه. أنا أعتقد بأن هذا الجهد يفيد النص نفسه، أي أنّه يولّد شيئاً أُحبّه في عملية الكتابة، أي ما أُحب تسميته بـ «الانسيابيّة»، وأجد في نصوص الكتّاب الذين أُحبّهم تلك «الانسيابيّة» التي تمنح النص قدرة كبيرة على الوصول السهل إلى القارئ، هذا ما أُحب، وما أسعى إلى فعله خلال عملية الكتابة، وبطبيعة الحال أنا دائم الانتباه ليس إلى اللغة فحسب، بل أيضاً إلى إيقاع اللغة والنص.

إنّ لهذه الانسيابيّة آصرة بطريقتي في الكتابة وبكيفية تسطير النص على الورق. فأنا أكتب بالسليقة تاركاً الحرية للنص بأن يرى النور دون أيّ موانع أو فواصل، أو شارحات وغيرها، وهذا برأيي يفيد النص وميلاده، رغم حَمْلِهِ المخاطرَ في طيّاته. وأعتقد بأن هناك ضرورة إلى إشعار القارئ، بين حينٍ وآخر، بأنّ ما يقرأه في تلك اللحظة عبارة عن حوار بين الشخصيات، وهو ما قد يوضّح النص أكثر ويُزيل بعضاً من مصاعب التلقّي. وبالفعل واجهني بعض القرّاء، وبالذات من بين كبار السن، بقدْرٍ من النقد بسبب ذلك، مشيرين إلى مصاعب في استيعاب النص.

عن مجلة الجديد اللندنية عدد نوفمبر 2019.