الواقعيّة السحريّة في سيّدات القمر لجوخة الحارثي

الواقعيّة السحريّة في سيّدات القمر         لجوخة الحارثي

زياد الأحمد

لا شك أنّ “روايةَ سيّدات القمر” لجوخة الحارثي -الصادرة عن دار الآداب 2010 – والفائزة بجائزة مان بوكر العالمية 2019- روايةٌ واقعية بكل ما يعنيه هذا المذهبُ من نقل للواقع، وتصويرٍ لتفاصيله التي يقع عليها الإدراك الحسي، تصويراً دقيقاً وموضوعياً. وهذه الواقعية ينطبق عليها ما وَصَفَ به غابريل غارسيا ماركيز أعماله في قوله: ليس في أعمالي سطرٌ واحدٌ لا يقوم على أساس واقعي. ملمحاً بذلك إلى واقعية الأساطير، والخرافات، والحكايات اللاعقلية التي تتضمنها أعماله.

وكذلك رواية “سيّدات القمر”؛ فهي تنقلُ واقعَ مجتمعٍ من خلال بلدة تسميها “العوافي” في عُمَان؛ بجميع تفصيلات حياته اليومية وسلوكياته، وعلاقات وصراع أجياله وتحولاتها، وتتغلغل في موروث معتقداته، التي تزال فاعلةً فيه، بما فيها الجنّ والأرواح، والعفاريت التي لا وجود لها في عالم المادة المُدْرَك لكنها أشياءٌ واقعيةٌ، موجودةٌ، ومؤثرة في هذا المجتمع، ولا يمكن نقل واقع حياته بموضوعيّة دونها.

ومن خلال هذا التزاوج بين سرد أحداثٍ ووقائعَ غيرِ عادية، أو خارقة في ثنايا أحداثٍ مُغرقة في الواقعيّة، فتبدو وكأنها جزءٌ لا يتجزأ من الواقع اليومي المعيش للشخصيات؛ نستطيع نسبة النصّ إلى الواقعية السحريّة، والتي تستند بشكل عام وفي مضامين هذه الرواية بشكل خاصّ إلى ثلاثة مرتكزات: الواقعي والأسطوري والسريالي.  

  1. الواقعية:

من أحداث الرواية ما هو مُغرق في الواقعية؛ كقصص العبيد الذين كانوا يُخطفون من بلادهم ويباعون في الأسواق، فسنجور خُطف من أفريقيّة، وبيع في بلدة العوافي، ومن نسله كانت عنكبوته وابنتها ظريفة من الشخصيات الرئيسة في الرواية، وحبيبٌ وأمّه وأخوته الأربعة خُطفوا من أركان، فمات الرضيع على صدر أمه، ورمي في البحر، وضاع أولادها الباقون في مراكب تجار الرقيق، ومن التصوير الواقعي حياة طبقة السادة والتجار، وأعمالهم والطرق اللاشرعيّة لثرائهم، كتجارة الأسلحة والرقيق؛ التي عمل بها التاجر هلال ومن بعده ابنُه التاجر سليمان.

ومنه تصوير العلاقات العاطفية، وما يترتب عليها من زواج وطلاق وفراق، فميا تصلي وتدعو الله أن يعود لها حبيبها، وعزان زوج سالمة يعشق نجية، ويقضي معها أجمل لحظات انعتاقه، وعبد الله يعشق ميا ويتزوجها، ولندن تفسخ خطوبتها، وخولة تنتظر ابن عمها سنين طويلة … وتصور الرواية بكلّ واقعية قسوة وظلم ذلك الواقع الذكوري الظالم للمرأة التي لا رأي لها فيه فسالمة تُزَوّج عنوة لعزان…  كما ترصد الرواية تحوّلاً واقعيا للجيل الجديد الذي تمرد على سابقيه في صراع طبيعي يُعرَف بصراع الأجيال: فخولةُ ترفض الزواج من ابن عيسى المهاجر، وخالد الرسام يتمرد على أحلام أبيه ويختار أن يصبح رساماً وليس ثورياً.

وإيغالاً في الواقعية تنقل الرواية أنواعَ الأطعمة، والأشربة، وبأسمائها ومناسباتها (خبز الرقاق مع السمن البلدي وعسل الجبل، والخراثة “طعام النفساء” والعوال “السمك المجفف” والقابولي “الكبسة”، وتحدد أنواع الألبسة وأشكالها كالمزاري والمصر، كما كانت تلجأ إلى تحديد الأسعار فسعر كيس الأرزّ في سنة الغلاء وصل إلى 100 قرش في الوقت الذي كان فيه ثمن العبدة ظريفة 20 قرش.

وتمر الرواية على لغة، ولهجة ذاك المجتمع، إضافة إلى حِكَمه وأمثاله التي تسيّره. فكثيراً ما تمر جملة “يقول المتوصف” أي صاحب المثل: ومنها: (أعط المريض شهوته والمعافي الله) و(الحمار لما يشبع يرفس) ص 20. كما نقرأ تفاصيلَ كثيرةً عن التعامل مع الحائضة، والنفساء ومراسم الأفراح والمآتم…. وبالتالي نحن أمام واقعية تنقل لنا تفاصيل حياة مجتمع، وتحولاته وفق حركة التاريخ الطبيعية

  • الأسطورية والغرائبية:

ومقابل تلك الواقعية نرى عالماً آخر من الأشباح والأرواح والجن، كان يتحكم في الكثير من طقوس ذاك المجتمع، ويوجه تصرفاته، وسلوكيّاته. ومنها تحذير ظريفة لعبد الله من النوم عَطِشاً كي لا تغادره روحه، ولا تعرف طريق العودة إليه: (فذلك الرجل الذي نام عطشان غادرته روحه لتشرب من الجحلة، ولكن غطاء الجحلة سدّ فوهتها، فاحتبست روحه، ولم تستطع الرجوع إليه وحين كان الناس يهمّون بدفنه في الصباح؛ رفع أحدهم غطاء الجحلة ليشرب فعادت روح الرجل العطشان إليه) ص 134. وهناك الجنية التي تلقى سويد وتمنحه العود الذي كان يسحر السامع بألحانه (ص 140)  والجنية بقيعة فهي تختص بافتراس النفساوات بعد الولادة، إذا لم يقمن بإرسال طعام من طعامهن إليها، وكانت ظريفة مختصة بخدمة تلك الجنية، ومن قبلها كانت أمها، فها هي بعد ولادة لندن تحمل إليها طعامها، وتقصد مكانها تحت الحصاة البيضاء الضخمة في أول الصحراء. تناديها: يا بقيعوه يا بقيعوه هذا أكلك ودعي لنا أكلنا، هذا نصيبك ودعي لنا نصيبنا، هذا من خراثة ميا بنت سالمة، دعيها في حالها، ولا تضريها ولا تضري المولودة.

وكانت الجنية دائما راضية عن خادمتها ظريفة، إلا يوم ولادة عبد الله لم تستجب، وقامت بخنق الأم، وقالوا إنّ شجرة الريحان خنقتها، أو حراس شجرة الريحان أخذوها.

 فتروي ظريفة: أمك يا عبد الله يغمد روحها الجنة مشت في الليل، رمت بحصاة ما تعرف إيش بتصيب، صابت رأس ولد الجنية خادمة شيوخ الجن، جاءت لأمك وقالت لها اقلعي شجرة الريحان في الحوش، رائحتها تجلب الأفاعي، باكر ولدك يكبر، وبيلعب عندها وبتلدغه أفعى، وأمك ظنت الجنية امرأة، وصدقتها، في الفجر قطعت شجرة الريحان، وغضب شيخ الجن اللي ساكنين تحت الشجرة، وطاحت المسكينة مريضة يومين ثلاثة وماتت … )

ولم تكن الرواية تهتم بتقديم براهين لتلك الحوادث العجيبة دائماً، كحادثة اختفاء عشيقة عزان بعد عمل سحري لها، طُلب فيه من الجن التخلص منها فاختفت، وأحيانا كانت تلمح إلى تفسير لذلك العجائبي ليتحول إلى الغرائبية كإيحائها بإشارات إلى أنّ أم عبد الله ماتت مخنوقة على يد أخت زوجها التي اتهمتها بالوقوف مع رجل آخر قرب شجرة الريحان، وطلبت من أخيها أن يسافر وتولت هي مهمة التخلص منها، وقُيّدت القضيةُ ضد شيوخ الجن.

  • السريالية:

وتكتمل دائرة الواقعية السحرية التي رأيناها تمزج بين الواقعي والغرائبي، باعتماد السرد على مشاهد سريالية (فوق واقعية) تستند إلى موجودات الواقع، لكنها تعبّر عنها بلغة وصور العقل الباطن التي تتسرب في الاحلام بعيداً عن سلطة العقل.

فرغم اعتماد الرواية على أكثر من راو منهم الراوي العالم الكلّي والراوي العالم بحدود علم الشخصية كعبد الله .. لكنهم يشتركون جميعا بطريقة سرد واحدة تعتمد على تداعيات الذاكرة وتداخل الماضي والحاضر وتداخل الواقع بالحلم، وتدخّل عواطفهم ومواقفهم في تكوين الرؤية السردية، كل هذا ساهم في تكوين لوحات سريالية تتداخل مكوّناتها من رؤى وأحداثٍ وشخصياتٍ وأزمنةٍ، ومنها تذكّر عبد الله لمشهد تغسيل أبيه ودفنه:

(بعد سنوات سأرى بطن أبي يرتجف قليلًا تحت دلاء الماء البارد، سيصنع الماء بركة تحت الدعن المفروش في الحوش، وستسيل البركةُ في كل حواري العوافي، ستفوح رائحة السدر، سأرى إصبع أبي ترتفع قليلاً، فيظهر نتوءٌ بسيط في قماش الكفن الأبيض، سأرى يده تزيح الحصا والتراب، وتبقى وحدها خارج القبر، وسأرى ظريفة تبتر رجليها بنفسها، وتنتف شعر رأسها الأبيض).  ص188

 واللوحة التذكّريّة نابعة من العقل الباطن لعبد الله المسكون بحب الأب ورفضه معاً.

وترسم الصفحات الأخيرة لوحة سريالية أخرى تلخص الرؤية السردية التي أرادتها الرواية، وفيها نرى عبد الله وقد اتّكأت سيارته على أحد الأعمدة الكهربائية على شاطئ السيب، وقربه ولده محمد المريض بالتوّحد، وابنته لندن الطبيبة المطلقة من خطيبها، يفاجِئ محمدٌ أباه بشكواه من إحداهن وحين يسأله من هي يقول (زوجتي ميا) وميا هي أمه في الحقيقة، وتأتي ضحكةٌ مستهزئةٌ من المقعد الخلفي، وإذا به يرى لحية أبيه البيضاء في المرآة، ثم يمر ولده سالم ومجموعة تطارده ولندن تبكي وتقول (أنا ناجحة) وحين ينزل ليتمشى مع ولده محمد على الرمل ويحاول إقناعه بأنه صغير ومريض ولا زوجة له، يصرخ محمد متابعاً شكواه من ميا، وهي الشكاوى ذاتُها التي كانت في داخل عبد الله الأب تجاه زوجته ميا التي لم تبادله الحبّ، وكأنه توحّد بطفله المُتوحّد للحظات، ثم انفصل عنه وحاول إقناعه بالسوط ذاته الذي كان أبوه يستعمله معه. يتابع ما حدث قائلاً:(أخذ أبي السوط من يدي ورماه في البحر، قلت له: ولكنك ميت كيف عدت؟ … أظلمت الدنيا، سمعتُ صوتَ سيارتي وهي تنطلق مبتعدة، لمحت لندن خلف المقود، حملت محمداً بين ذراعيّ وفكّرت أنه مثل السمكة، اقتربت من البحر الهائج، وغصت فيه حتى صدري، حين فتحت ذراعي انزلق محمدٌ مثلَ السمكة، ورجعت دون أن أبتلّ) ص 229.

وإذا عرفنا أن عبد الله هو من الجيلُ الوسيط الذي كان عالقاً بين عقلية الماضي ورغبته في التحرر، نرى أن الرواية تصرّح بخروج الجيل الجديد على سابقيه، وتأرجُحِ جيل عبد الله بين الجيلين، فوجد نفسه وحيداً، محاصرا من الخلف بأبيه الذي لا يريد أن يموت، لكنه يرمي سوطه في البحر، ابنته لندن تنطلق مبتعدة، ابنه سالم (وقد حاول أن يقيّد تصرفاته بعقلية بأبيه) مطارد على رجليه بالسيارات، ومحمد المُتوحد ينطلق إلى عوالمه الخاصة في بحاره، أما هو فبقي بمفرده على شاطئ الحياة الهائج، متوهماً دخول أمواجها لكنه في الحقيقة لم يبتلّ بها.

ومما سبق نخلص إلى أن رواية سيدات القمر ورغم بعض المآخذ الفنية التي أراها فيها كافتقارها إلى حبكة شائقة تلمّ تبعثر الشخصيات، والاكتفاء أحياناً بظاهر بعض الشخصيات الرئيسة، وعدم الغوص في أعماقها، إضافة إلى تداخل الرواة وتشظي الأزمنة دون مبرر فني مقنع، وإقحام مقاطع شعرية ونثرية لا تناسب طول الرواية، إلا أنها استطاعت بواقعيتها السحرية تقديم عالم تخييلي مقنع بأصابع ساحرة.                                           ********************