المكان كعنصر تمرد.. ليلة الأنذال قبل الأخيرة لمصطفى الكيلاني

المكان كعنصر تمرد.. ليلة الأنذال قبل الأخيرة لمصطفى الكيلاني

عماد قيدة

لا يستقيم أي حديث عن سرد من أي صنف دون وجود فضاء مكاني متخيل, يخلقه المؤلف في ذهنه, و من خلاله يرمي الى نثر بذور العمل السردي الذي يروم تقديمه, فاسحا المجال لبقية العناصر (توالد و تواتر الاحداث, عنصر الزمن, تأملات الشخصيات و قلقها) لكي تواصل حمل المشروع نحو اشواط متقدمة, أو لتكون هي الغيث الذي يهطل فينفذ عبر الارض ليغذي و ينمي تلك البذور, إن أردنا الاستمرار في الاستعارة نفسها.

سمَيناه فضاءً متخيلا, لأن المكان حتى و إن كان موجودا فعليا, فإن حظوره في عمل تخييلي Fictionairy work   يجعل منه متخيلا هو الآخر, إذ ان الكلمات بما هي رموز لا تعدو كونها ضربا من المحاكاة للواقع, بامكانها ان تقترب من الواقع حتى نخالها هي الواقع نفسه, إلا أنها تبقى على حسب التعبير الأفلاطوني “استنساخا مبتذلا” للأشياء المحسوسة , فإذا كانت المحسوسات صورا مزيفة للمثل، فإن العمل الفني تقليد للمزيف.

غير أن أرسطو, تلميذ افلاطون المتمرد عليه, خصص قسما كبيرا من كتاباته, لتبيان عكس ما ذهب اليه معلمه, إذ رأى أن صور الأشياء – التي ينتجها الفن ـ إنما تساعد على الوصول الى جوهرها, فأعاد بذلك الاعتبار الى الفنانين صناع  الشعر و التراجيديا بعد أن كان أفلاطون قد “أطردهم من مدينته”, كما يلذ للمنظرين في الأدب القول.

و من مدينة أفلاطون (أو جمهوريته) نفتح نافذة على مدينة مصطفى الكيلاني, الناقد و القاص التونسي البارز, صاحب رائعة “كازينو فج الريح” و عشرات الاعمال الاخرى الذي نشر مؤخرا 3 كتب عن دار ديار للنشر, من بينها “ليلة الأنذال قبل الأخيرة” التي نتناولها في ما يلي.

بما أن الرواية, أي رواية, هي قبل كل شيء ـ و هناك شبه اجماع من قبل النقاد أن فن الرواية هو نشاط حضري بامتياز, جاءت به المدينة, و إليها دائما يعود ـ فإنها  (أي هذه الرواية) تسجّل حضورا بارزا للمدينة بكل أبعادها و رموزها السياسية و الجمالية و القيمية .

 إذ “لطالما كان مصطلح المدينة يمتلك تاريخًا رمزيا و أيقونيا مغروسا بعمق في السعي وراء المعاني السياسية : مدينة الرب, المدينة على التل, العلاقة بين المدينة و المواطنة, المدينة كتجسيد للرغبة الطوباوية, المدينة كمكان مميز للانتماء داخل نظام دائم التحول زمانيا و مكانيا, يعطي كل ذلك تعبير المدينة معنى سياسيا يحشد خيالا سياسيا حيويا. لكن النقطة التي يريد [هنري لوفيفر] أن يأكدها هي أن  هناك بالفعل ممارسات عديدة داخل الحضر, هي نفسها مفعمة باحتمالات بديلة“.

لعل هذا الاقتباس من كتاب “مدن متمردة” لدافيد هارفي, يمثل أفضل مدخل للمقاربة التي نطرحها لرواية “ليلة الأنذال قبل الأخيرة” و ذلك لاتيانها على ذكر المستويين الذيْن تحضُر من خلالهما مقولة المدينة, و هما:

ـ أولا: تكثيف مصطلح المدينة و صلاحياتها

ـ ثانيا: دور المدينة في خلق الهيتروتوبيا (الاحتمالات البديلة)

المدينة كعنصر حي متمرّد:

منذ الصفحات الأولى يمكن للقارء أن يلحظ أن الكاتب عزم أن يحمّل المدينة عبئا جللا, أكبر مما تضطلع به  المدن و الأمكنة عادة, باعتبارها أشياء خرساء يقتصر دورها على احتواء الشخوص و الأحداث, إذ بتعمده تسميتها المدينة معرفة و محصورة بين معقفين, دون ذكر أيّ من المدن هي, هو لا يجعلها مكانا نكرة, بقدر ما يجع من حضورها أكثر كثافة و  من دورها أكثر فاعلية و حسما من حضور و دور الشخصيات, التي ما تلبث أن تصبح ألاعيبا أو دمى في حضرة المكان الذي ما ينفك يزج بهم في تناقضات تتراوح بين الخير و الشر, الطهارة و القداسة, الحقيقة و الزيف, ثم المكان و اللامكان.

هل يمكن بهذا المنطق أن نتحدث عن تحول المكان إلى شخصية في حد ذاتها ؟  و إن كان ذلك ممكنا, ففي أي إطار (زمكاني ؟) و ضمن أي حدود يمكن لهذا المكان ـ الشخصية أن يتحرك و يمارس وجوده و يحقق نفسه انطولوجيّا ؟

من أولى صفحات الرواية نقتبس:

بدءًا: هيالمدينة

 […] ليسللمدينةفي الزمن القادم ذاكرة, اذ كل ساكنيها عابرون, و كل عبريها سكنوها ذات زمن ثم ابتلعهم النسيان.

و ككل المدن هيالمدينة لا تنتظر أحدا. لا مبالية تطوي الوجوه و تبتلع الأنفاس و تدلق ذكرياتها الفارغة البيضاء أو السوداء العارضة في مياه التصريف الصحّي لتنساخ إلى حيث لا شيء و لا زمن.

عاهرة حيزبون هيالمدينةتفتح فخذيها بتشهّ كاذب لم دب و هب, و الرجال أمامه بالصفوف , و النساء عابرات منسحبات تتقاذفهن رياح الغيرة على من يحببن, و الأطفال بها معجبون مندهشون, لاعبون مرحون ..

كغيرها من مدن العالم هيالمدينةفي زمن استهلاك كل شيء, مستباحة مفتوحة على الأغراب و الأعراب, و لأيّ منهم قصده الخاصّ, فهذا يريد مالاو ذاك معلومة, و سواهم يرغب في تلبية نداء لشهوة عابرة.

من خلال هذه التوطئة نتعرف على الدور الذي ستلعبه المدينة في القادم من الأحداث و ذلك على مستويين ,مستوى داخلي ذاتي, عبر صياغة و بلورة و نحت المبادئ و الذوات و الضروف التي تتضافر لخلق الأحداث و الحكاية, التي تقوم بها المدينة بمعيّة الشخوص و ندّا للند معهم, و مستوى خارجي هيتروتوبي: عبر الدفع نحو خلق (أو اختلاق؟) بديل أو احتمال جديد عن المدينة, يطمح من خلاله الفرد أن يتعرّى من كل ما يمت للمدينة, كمؤسسة, من قيود و مبادئ و ذاكرة و روابط اجتماعية و واقع سياسي, أي العبور من عبودية المكان, إلى حرّية اللامكان.

إلا أن سطوة هذه المدينة ـ الشخص, ضلت بفضل الصلاحيات الواسعة التي منحها إياها المؤلف و كأنها النجم الذي تدور حوله باقي عناصر الحكاية, إذ يغدو الجميع و كأنهم وقّّعوا منذ البدء عقدا لا رجعة في بنوده, أو صكّ عبودية يبيح للمكان أن يمارس سلطته العنيفة لا بالمعنى المؤسساتي فقط (من منطلق مفهوم السلطة المعروف عن توماس هوبز و حتى فوكو) و لكن أيضا عبر منطق سلطوي أبوي (فرويدي) ان صحة التعبير, حيث تنتصب المدينة كأنا أعلى جديد للشخصيات, تملي عليهم منظومة القيم التي يجب عليهم تبنّيها, و تكافئ أبناءها المطيعين, و تحرم و تعاقب,و أحيانا تصفح عن المخالفين و الأشقياء (مثل ما حصل مع البطل كمال الصلعاوي).

رمزية الشذوذ

في مدينة “الأنذال” نجد العنوان الرئيسي و الشعار الأوحد لكل شيء هو الشذوذ و الانحراف, بدءا بالوسط الثقافي و الإعلامي المرتزق, مرورا بالعلاقات المهنية التي تسودها النفعية و الاستغلال و الاضطهاد, وصولا الى التبعية الدائمة للآخر, سواء كان آخرا هوويّا أو ثقافيا أو طبقيا.

 و إن كان هذا الشذوذ و المجون اللذان يظهران بصفة صارخة و صادمة في العلاقات اليومية و المهنية في الرواية حتّى تظهر و كأنها مبالغ فيها, فإن الرمزية وراء هذا التداخل و التشابك المقزز لقضبان و الفروج و الأدبار في كل زاوية و ركن من المدينة “الحيزبون” كما يحلو للكيلاني تسميتها, تكمن في النقد اللاذع للبنية المجتمعية التي تقوم على مقاييس هرمية (هيراركية) كريهة فرضتها الليبرالية العالمية الجديدة, حيث أضحى الشاذ يقاس عليه و لا يحفظ, بأن صار لكل فرد منا شخص أو مجموعة من الأشخاص أو مؤسسة, يركبونه و يتمعشون من جسده و عقله و أحلامه و مخاوفه, و هم بدورهم يعتليهم آخرون يستغلونهم و يتحرشون بذكائهم و يبتزون هواجسهم.

هكذا تنزّلت شخصية الصحفي “كمال الصلعاوي” و هو شاب طموح  متطلع للنجاح المهني و الشهرة, فيضع المجد نصب عينيه و يسير نحوه كالمنوّم من دون أن يمانع في  الإنزلاق تحت “حسونة بوفلجة” رئيسه في العمل, ليركبه متى عنّ له ذلك, مستغلا طموح منظوره و مبتزا ماضيه المثلي, بعد علمه بانه تعرض للاغتصاب في طفولته.

تتقدم أحداث الرواية فيظهر بين الفينة و الأخرى شخصية جديدة لتنخرط في سلسلة المواقعة تلك, حتى يصير المجتمع اشبه بسلسة بشرية لكل حلقة فيها حلقة اخرى تعتليها.

ليست هذه النزعة القذرة و الداعرة بجديدة عن الأدب التونسي, و المغاربي بصفة عامة, إذ تعج المدونة الروائية في بلدان المغرب العربي بعديد التجارب التي اتخذت من هذا الخط الشائك في كسر التابوهات و اظهار قروح المجتمع و النفس البشرية للعيان, فقد برزت أسماء روائية عديدة انتجت بالفعل ابداعا مرموقا رغم محتواه الصادم و الاباحي, أمثال محمد شكري و عديدين من عاصروه أو أتو بعده, كما فرّخ هذا النمط من الكتابة في الجهة المقابلة سيلا من الروائيين و القصّاصين الذي لا تقول نصوصهم شيئا سوى اجترارا مفرغا من أي معنى أو عمق لهذه “التابوهات” التي ماعت و فقد صلابتها حتى فقدت قابليتها للانكسار, و هو ما أدّى بالادب التونسي و المغاربي لاكتساب الكليشيه المعروف اليوم بأنه أدب هجين و متذبذب و يدور في حلقة مفرغة من المواضيع المغرقة في الفردانية و الحسّية المبتذلة.

رواية “ليلة الانذال قبل الأخيرة” في المقابل لا تقدم هذا الانحلال الاخلاقي و الشذوذ السلوكي إلا في اطار هادف, و هو الاسقاط الرمزي للغرابة و التسيّب في العلاقات بين الشخصيات على واقعهم و مواقعهم الاجتماعية, التي تفرض هذا القانون الحتمي و الأمر الواقع, بأن يصبح بيع الشرف بأبخس الأثمان (جسديّا و معنويا) هو الناموس الأوّل الذي يحكم “المدينة” , و يصير المجتمع كتلة من المشوهين المغلوب على أمرهم, المستعدين لأن ينحنوا في أول فرصة مواتية أمام من هو أعلى منهم شأنا اجتماعيا, أو أغنى منهم, أو حتى من يفوقهم درجة في سلم الترقيات الوظيفية.

الهيتروتوبيا أو تكوّن اللامكان

وضع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حجر الأساس لصطلح الهيتروتوبيا , أو الانتباذ الفضائي, و يقصد به الأمكنة و الفضاءات و المؤسسات التي تحتوي على ديناميكية لحياة اجتماعية و قوانين و اشياء مادية, تعمل فيما بينها بمعزل عن أي ضروف خارجية و تنتفي داخلها أي هيمنة لها.

أمّا الفرنسي الآخر هنري لوفيفر , و هو المفكر و عالم الاجتماع الماركسي صاحب شعار “الحق في المدينة” الذي أورده أواخر ستينات القرن العشرين في كتابه الذي حمل نفس العنوان, قبل أن تتبناه عديد الحركات الاجتماعية الثورية في العالم كله, كان قد طوّر مصطلح  “الهيتروتوبيا” و طوّعه لخدمة مشروعه الذي يركّز على نقد الحياة اليومية و الميكانيزمات التي يمارس بها النظام الرأسمالي النيوليبيرالي تحكّمه في المشهد الحضري, حيث أضحت المدن و الحواضر الكبرى عبارة عن ورشات عملاقة للرأسماليين يقومون فيها بضخ فوائض رؤوس أموالهم لتشييد الأبنية الشاهقة و الجسور و الطرقات, فيما يبقى الانسان العادي عل هامش هذه العملية, يقتصر دوره على الاستهلاك و الاسهام مجددا في تراكم الثروة و رأس المال, دون أي مساهمة أو رؤية ابداعية  مغايرة لما يمكن للمدينة أن تكون عليه, استيتيقيّا و ثقافيا و اقتصاديّا.

 و عند لوفيفر “تصبح الهيتروتوبيا عبارة عن فضاءات اجتماعية حدية ممكنة, حيث يصبح “حدوث شيء مختلف” ليس أمرا ممكنا فقط, بل تأسيسيا لتعريف المسارات الثورية. و هذا “الشيء المختلف” لا ينتج بالضرورة عن خطة واعية, بل ببساطة عما يفعله الناس و يشعرون به, و يجري التعبير عنه و هم يسعون لايجاد معنى لحياتهم اليومية”. (دافيد هارفي ـ مدن متمردة)

إن حي الدرابكية في رواية ليلة الانذال قبل الأخيرة هو خير مثال على تعريف فوكو أن الهيتروتوبيا هي “لا هنا و لا هناك”, فهذا الحي الذي تدور حول لغزه رحلة الصحافي الشاب الطامح الى سبق صحافي يصنع مجده, سرعان ما تتحول مهمته فيه الى قضية رأي عام محلية و دولية منبأة بتغيرات جيوسياسية عميقة, مما يزيد من ثقل المسؤولية التي يضطلع بها و يجعله يعيش داخل دوامة مضنية من الظهور و التخفي إلى أن يتمكن أخيرا من ولوج عالم هذا الحي اللغز, عندها يترك نفسه لينجر وراء نمط الحياة البوهيمي لحي الدرابكية, حيث القاعدة الوحيدة التي تحكم الأمور و العلاقات هي عدم وجود أي قواعد, فالكل مباح للكل و جميع المحرمات تؤتى في العراء و على مرأى من الجميع.

بيد أنّ هامش الحرية الذي عاشه البطل في حيّ الدرابكيّة  و داخل زمنه السّرمدي الذي لا يقاس و لا يخضع لأيّ ضغوط خارجية, سرعانما يبدأ بالتلاشي, إذ يتسلل الشك الى حياة اللهو و العربدة و التداوي بالحشيش, فيكتشف الصحفي الشاب أنّ زبانية رئيس عمله مزروعون داخل الحي الأسطوري, فيفيق من حلم يقضته و تعتريه رغبة ملحة في العودة الى فضاء “المدينة” القذرة بعلاقاتها المشبوهة و دسائسها, و يقع من جراء ذلك فريسة دوار عسيرٍ سببه تحوّل خفة المكان الجديد الى ثقل, بالمعنى الكونديري للخفة و الثقل, اذ تنقلب خفّة الوجود و الكينونة داخل ذلك الحي (الذي هو لا هنا و لا هناك) الى حمل يثقل كاهله, فيسعى للخلاص منه بأي ثمن, حتى و ان كان ذلك الثمن اغتياله أو اختطافه ما إن يلج فضاء “المدينة” مجددا.

النقد الثقافي روائيا : أيّ آفاق ؟

قبل أشهر قليلة من ظهور رواية ليلة الأنذال قبل الأخيرة, صدر للدكتور مصطفى الكيلاني كتاب مهم في صنف النقد الثقافي عنونه ب “الانتلجنسيا التونسية: بين تاريخ الأحقاد و دولة الفساد” و فيه يقدم الكيلاني نظرة تأريخية و نقدية للوسط الثقافي التونسي, ما له و ما عليه من خلال أجيال متعاقبة من المثقفين بدءًا من تجربة ابن خلدون ثم من أسماهم “بالخلدونيين الجدد”, ثم جيل ثلاثينيات القرن الماضي خلال حقبة الاستعمار الفرنسي, ثم مثقفوا دولة الاستقلال, مرورا بانقلاب بن علي السلمي على الحكم و ما حمله ذلك من وعود للتجديد و آمال للمثقفين بولوج عهد جديد, سرعان ما تبددت تحت واقع دكتاتورية توتاليتارية خنقت الثقافة و اختزلتها في جانبه الاستعراضي الفولكلوري, وصولا الى واقع الثقافة المتردي و المتشرذم بعد ما يعرف بالثورة.

و لعل الخيط الناظم الذي يصل بين الكتابين المذكوريْن هو ما بشّرت به الصفحة 56 من كتاب الانتلجنسيا التونسية حيث ورد على لسان الكاتب:

ان المثقف الغربي هو من المدينة و اليها, أما المثقف في مسار التاريخ السياسي العربي الاسلامي فهو ذاك الذي يحمل في ذاته التعارض الحاد بين القيمة الفكرية و الاخلاقية, و بين واقع الظلم في مجال مجتمعي هو اقرب الى القبيلة منه الى القوم, و الى القرية أو البادية أو الصحراء منه الى المدينة

شبه مدينة أو أشباه مدن عربية إسلامية اليوم و ان شُيدت عمارات سمّيت بها مدنا, و في المقابل, أشباه مثقفين هم ظلال شعراء القبيلة و فقهاء السلاطين في أزمنة ماضية. شبه مدينة و أشباه مدن مادام التعامل معها بذهن قديم تقليدي قبلي طائفي ديني محافظ الى اليوم.

شبه مدينة او أشباه مدن لقيم لا تطبق و قوانين تسن و لا تنفذ او تتأول في الغالب عند تنفيذها شأن الدساتير الموضوعة في اللاحق التاريخي بما يخدم مصلحة فرد ضد فرد, أو قبيل ضد قبيل.”

و بالرجوع الى الرواية التي نحن بصدد دراستها, نجد أنه بامكاننا قراءتها كامتداد تخييلي لما عالجه الكاتب في دراسته الأولى, فشخوص رواية الأنذال المحسوبون على الوسط الثقافي, من صحفيين و كتاب و نقاد و رأسماليين داعمين, ليسوا إلا تجسّدات لصورة المثقف الذي كان مصطفى الكيلاني قدمه بجميع تناقضاته و تقلباته و توجهاته الفكرية و مرجعياته الايديولوجية, فتشكل داخل المدينة شبكة ثقافية ذات خيوط شديدة التشابك, فتجد المثقف الوصولي مثل كمال الصلعاوي, و المثقف الزائف و المتمعّش من اخفاقات الآخرين, و الحسود الحقود و بائع الإشاعات بأي ثمن مثل حسونة بوفلجة, و بائع ذمته, و المثقف الذي تجاوزه الزمن فراح يتشبث بتلابيبه مكرسا حياته لعرقلة كل جديد و متجدد في الميدان الثقافي.

هكذا تبدو “المدينة” في هذا العمل الروائي أشبه بمصبّ أو مستنقع تصب داخله كل الأوديولوجيات و التيارات بمصالحها و خلفياتها المتنوعة كحصيلة لسياسة ثقافية فاسدة و براغماتية سعت لعقود الى افراغ الثقافة من معناها و تجريدها من دورها المؤسس في المجتمعات التي تتوق الى التحرر, حتى اذا جاءت الحرية يوما ما, كان المثقفون, إعلاميون و كتابا و فنانين في طليعة المتصدين و المتحفظين عليها, و ذلك خدمة أو خوفا على مصالح فردانية ضيّقة ترفض أي جديد من شأنه زعزعة نظام التملق و المحاباة الذي بدأه عبد الرحمان ابن خلدون و واصله أحفاده الى يوم الناس هذا.

و تمثل رواية ليلة الأنذال هذه نموذجا لافتا في تصوير الحياة الثقافية داخل المجتمعات العربية, من جهة أنها تقع في الجانب الآخر من الروايات السيرية الفكرية, كتلك التي تميز بها جيل الستينات من القرن الماضي, من أمثال سهيل ادريس و فؤاد التاكرلي و جبرا ابراهيم, حيث تكاد جل الشخصيات التي ابتكرها الأخير تكون تنويعات عن الفرد المثقف الملتزم و الحالم بالتغيير السياسي و الفكري في المجتمع تارة, و المثقف الأناني المتعالي على هموم العامة و المنتشي بعالم الالفاض و المصطلحات التي يتقاذفها مع شرذمة من النرجسيين الفكريين أمثاله تارة أخرى.

أما المشروع الذي يقدمه مصطفى الكيلاني من خلال هذه الرواية يحمل نظرة تشاؤمية لمستقبل المثقف مابعد الحداثي, الذي يعيش أزمة مثل عليا و مرجعيات, “فكل أبطاله قد ماتوا و كل أعدائه هم في السلطة” كما يقال في أوروبا, حتى أن جزءا كبيرا من الحقل الاصطلاحي للمثقف اليوم قد تم رميه في البحر, فغابت في خطابه المكتوب و ذلك المتناقل شفويا  عبارات مثل “القضية” و “الالتزام” و “الهوية” و “الاتحاد” و غيرها من الكلمات التي تعبر عن تسّيس من أي نوع, و صارت نظرة المثقف منحصرة إما في فردانيّة  ضيّقة وزائفة أو في هوس شكلاني تجريبي لا يفضي  إلى أكثره من جعجعات فارغة.