العراقي صلاح عبداللطيف.. أردت لذاكرتي أن تصبح وطني الرمزي

العراقي صلاح عبداللطيف.. أردت لذاكرتي أن تصبح وطني الرمزي

حاوره عادل الزياني                                                          

صلاح عبداللطيف روائي وكاتب عراقي، ولد في بغداد ودرس في جامعتها اللغة الإنكليزية والألمانية. ترك العراق للمرة الأخيرة في عمر مبكر في العام 1975، إلى الجزائر أولا، حيث عمل في التعليم الثانوي في مدينة سكيكدا، في شرق الجزائر، ثم انتقل بعد عامين إلى الدار البيضاء، ليعمل في التعليم الثانوي لمدة عامين. انتقل في العام 1979 إلى مدينة كولونيا، في ألمانيا الغربية، ليدرس ويعمل هناك.

  يغمس صلاح عبداللطيف شخصياته، التي تخرج في الغالب من رهاناتها صفر اليدين في مباريات الحياة، بلغة سردية منحفة رشيقة خالية من الشحوم والأورام الزائدة. لشخصياته عيون تختصر حواس الكائن، مستعينة بذاكرة فوتوغرافية في ترتيب الأماكن والأشياء، ومواجع الروح، وانكسار الآمال والأحلام المنشودة. أمضى سنوات طويلة يجوب من فراق إلى آخر، لذلك فإن هجاء الفراق هو الموضوع الصامت الأبرز في كتاباته. وهو ليس هجاء لفراق المكان الأول فحسب، بل هجاء للأجنة المشوهة التي خرجت من رحم ذلك الفراق، بصورة جارحة أحيانا، لكنها صراحة القلوب المحبة الغاضبة التي تقول كل شيء مرة واحدة، لتعود إلى حبها القديم بصورة أشد، بعد أن طفح الكيل بها. للذاكرة في كتاباته أصابع ناعمة تلطف الماضي وتدفعه بعيدا عن المشاهد الناحبة الباكية، إنها الذاكرة التي تصهر الأحزان الإنسانية في مشاهد سردية متبصرة لا اختلال أو اعتلال فيها.

  نشر مجموعته القصصية الأولى [يوميات الجنون] في العام 1984، ثم في العام 1993، مجموعته القصصية الثانية [الطرطور وقصص أخرى]، ثم في العام 1996، مجموعته الثالثة [عجائب]، وفي العام 2000 صدرت روايته الأولى [نجوم آدمية]. نشر العديد من المقالات والترجمات في الصحف والمجلات العربية. ستصدر له في نهاية هذا العام رواية جديدة بعنوان [منشدو كولونيا]، وفي العام القادم ستصدر له رواية أخرى بعنوان [الغابة السوداء تتكلم]. في العاصمة الأردنية عمان، كان معه هذا الحوار.

س – انقطعت فترة طويلة عن النشر في السنوات الأخيرة، ما السبب؟

ج – مررت منذ بداية الألفية الجديدة بظروف خاصة صعبة، ثم جاء غزو العراق في العام 2003، حين شعرت بأن كل ما انتظرته، أثناء سنوات غيابي كان مجرد دلو مثقوب في بئر عميق، أو صيحة خافتة في واد سحيق. ضربني برق الحيرة بشرارة قاصمة، رغم حصانتي القديمة من الآمال الزائفة. ومنذاك، قررت أن أنتمي إلى عراقي الوهمي الخاص، المتكون من ذاكرتي مع قطيعة مطلقة مع أي نهج تبشيري مهما كانت ألوانه أو زخارفه. لم أزر العراق بعد 2003، لأني أردت لذاكرتي أن تصبح وطني الرمزي، حيث الصور الجميلة التي لم أدع ما حصل في ما بعد يدفنها، أو ينازعني أحد عليها. فالتاريخ هو مقبرة للنظريات الراحلة، إلا الذاكرة التي هي عقد غير مدون بين الأجيال، وهذا ما يحصل للفلسطينين اليوم وحصل قبل ذلك ليهود الدياسبورا.

  لكن تلك الضربة النفسية دفعتني إلى قراءة إنتاجية للأفكار، اعتبرتها أفضل من تسويد صفحات بيض. وهكذا انغمرت في قراءات معمقة للسرديات المشابهة لما حصل للعراق، فكانت نوعا من العلاج لحيرتي بل أنها أرضتني وأعادتني إلى ينابيع اللغة الأولى، التي هي نويات سردية في نهاية المطاف. صحيح أن بعض الأصدقاء نبهني إلى الانغمار الحسي في حياتي أكثر من الانغمار الكتابي، لكني أجبتهم بأن الانتماء إلى حزب الحياة [والجملة للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي]، أنفع من أي انتماء غامض آخر، خصوصا بعد انعدام أفق الرحمة في بلداننا، بل تدميرها بمتعة غريبة على أيدي أبناءها، ومنهم بعض المثقفين الذين ردحوا لكل متغلب، والطوفان يكتسح المنطقة من كل الجهات. المنطقة تعيش اليوم في عالم البرزخ، ومع ذلك لا يكف الكثير من حواة الثقافة عن التبشير بمستقبل زاهر، رغم الفقر والأنفجار السكاني والكذب المتواصل. يوم وصل أمير الرحالة ابن بطوطة إلى مصر، تأثر بمشهد عدد السكان فيها، فماذا سيقول اليوم لو مر بها. وإياك أن تتحدث عن هذه المشكلة في أغلب البلدان العربية، فهي من التابوات بالنسبة لأغلب العامة، ولبعض المتعلمين أيضا..

س – كيف هي حياتك في منفاك الألماني؟

ج – يسقمني حديث بعض المثقفين العرب عن منفاهم الأوربي، وفي ما يخصني فقد أعطتني ألمانيا كل ما يحتاجه المواطن السوي، أعطتني المواطنة التي حرمت منها في بلدي منذ أكثر من أربعين عاما، لأنني لوحت ولمحت إلى اعوجاج الحياة في مكان ولادتي. أعطتني الضمان الصحي، وعملا يليق بي، وضمان البطالة إن مضى ذلك العمل. أنا اختار هنا الطبيب الذي أراه متمرسا دون أن استدين تكاليف العلاج، أو أتقرب إلى مسؤول بمقالة أو أهازيج ليتكفل بعلاجي. اذهب إلى أي مستشفى عربي عام، فسترى الظلم والاحتقار لمن لا يستطيع تمويل علاجه. أنا حصلت هنا على حقوقي كاملة، رغم أن ألمانيا ليست وطني الأم، بل بلاد امرأة الأب. وللمرة الأولى تصبح امرأة الأب أكثر حنانا في بلدان المهجر من الأم البايولوجية، لقد غيرنا حتى نواميس الطبيعة.

  أما بعض المهاجرين الذين لا يكفون عن شتم البلدان التي احتضنتهم، وخصوصا في السنوات الأخيرة، حيث أغلبهم من اللاجئين الأقتصاديين، والذين لم يسهموا في أي نشاط اجتماعي أو ثقافي مثل أسلافنا، أو من أتى بعدهم حتى تسعينييات القرن الغابر، فأبواب بلدانهم مفتوحة لهم إن كانوا صادقين. تصفح مواقع التواصل الهذياني لهؤلاء المهاجرين، فلن تجد حرفا واحدا عن النشاطات الأجتماعية والثقافية هنا. كل ما في صفحاتهم عدا النواح الدائم، معلومات لم يكن يعرفها جيلنا عن أقصر المدد والطرق للحصول على الجنسية الألمانية، أو الجمعيات الأنسانية التي توزع الملابس أو الأكل المجاني، رغم أن بعضهم يحصل على مساعدات تفوق ما يحصل عليه عامل ألماني من سلالة ألمانية، لم ينقطع عن العمل منذ بلوغه سن العمل يوما واحدا. فلا غرابة، إذا، أن تفوزالأحزاب المناهضة للأجانب بالعدد الكبير من المقاعد البرلمانية في كل البلدان الأوربية، والقادم أسوأ. لذلك أفكر طوال الوقت بأولادنا، الذين ولدوا هنا، وكيف سيكون حالهم حياتيا واقتصاديا، وهم بين مطرقتين.

س – تكرست بين الكتاب والمثقفين نزعة إلغائية متبادلة، كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

ج – قضيت سنوات أدافع عن النتاج الأدبي في العراق أيام الحكم السابق، داعيا إلى تقويمه من ناحية أدبية فحسب دون تحفظات زائفة خارج النص الأدبي. سمعت بعض الغمز من البعض بأني بذلك أكون على علاقة ود مع السلطة الماضية. دافعت عن شعر المرحوم يوسف الصائغ، رغم اقترابه من أجهزة الثقافة يومذاك، وغيره من أدباء الداخل، الذين اضطروا للبقاء هناك، مشددا على فرعية تلك المقاييس في واقع مربك ومرتبك، وخصوصا بعد غزو الكويت وما تبعه من حصار استئصالي مدمر، مازالت آثاره ماثلة حتى اليوم. واليوم أستطيع أن أقول بثقة أكبر، أن الحياة أثبتت صحة وجهة نظري تلك، فبعد 2003، ظهرت الأسماء التي اشتعل قلبها غيظا على ما كان يدور، لكنها اضطرت للصمت السياسي، مواصلة منجزها بحدود المتاح. واتضح بأن تطورهم النظري والكتابي كان أعمق بكثير من أغلب كتاب الخارج المصنوعين من التيارات السياسية، وليسوا من المطبوعين موهبة وخيالا. أتريد بعض الأسماء، خذ باقة منهم: عبدالرحمن طهمازي، حسب الشيخ جعفر، مالك المطلبي، ياسين طه حافظ، عبدالخالق الركابي، وارد بدر السالم، ناجح المعموري، فاضل ثامر، ياسين النصيرقبل خروجه، الباحث والمترجم المتميز سعيد الغانمي، عبدالله ابراهيم، وكثيرون غيرهم، أنا آسف لنسيان أسمائهم في هذه العجالة.

  حدث نفس الأمر مع المثقفين السوريين، الذين وصلوا إلى ألمانيا بعد أحداث الربيع العربي. ففي ندوة عقدت في مدينتي كولونيا، أشرت فيها إلى الآباء المؤسسين للشعر السوري. وما إن نطقت أسم أدونيس، حتى انبرى لي شويعر سوري، كان حتى وصوله إلى ألمانيا عضوا في الحزب الشيوعي المنضوي في ‘الجبهة التقدمية‘ الحاكمة. بدأ يزعق عن الشعر بشعارات أكل عليها الدهر وشرب وبال. لم أتغاض عن مقاربته الساذجة، وكنت متأكدا أنه كان من صبيان التشبيح في لبنان أيام خدمته العسكرية هناك. أنها المفارقات المضحكة، التي يتقنها الكتاب والشعراء خصوصا، بسبب عدم تمنعهم عن ما يتمنع عنه الإنسان العادي، ألم يقل المتنبي يوما [وعداوة الشعراء بئس المقتنى].

س – على من يراهن الكاتب، إذا، في وضع كهذا؟

ج – المراهنة على قارئ حاذق أفضل من المراهنة على كاتب مزعوم. أنت لا تحتاج أمام قارئ نزيه، يحكم خبرته في القراءة في الحكم على نجاح العمل أو فشله، إلى تفسيرات فائضة، بينما الكاتب المشغول بالغيرة والنميمة، لن يعترف بك حتى لو حصلت على نوبل. أنه لا يحكم بعقله بل بغيضه. الأمثلة كثيرة، تأمل كيف نظرالنقاد الصحفيين العرب وليس المختصين إلى فوز بيتر هاندكه بجائزة نوبل للأداب. قامت الدنيا لأنه كان في تسعينيات القرن المنصرم مناهضا لتفتيت يوغسلافيا السابقة، ودعم الغرب السياسي للبوزنيين أيام قتالهم للصرب. كان ذلك الدعم من الناحية النظرية يشبه دعم ريغان للمجاهدين الأفغان في الثمانينايت. والأهم من كل ذلك أن لجنة نوبل لا تبحث في أعمال المرشح عن اجتهاداته السياسية، بل تبحث عن الأثر الإبداعي للكاتب، وما سيخلفه للأجيال القادمة. ألم تتهم اللجنة بالانحياز أيضا، يوم منح نجيب محفوظ الجائزة، على أنها جائزة لكامب ديفد وليست له، بوريس باسترناك وسولجنستين أيضا. أما حين تمنح الجائزة لكاتب قريب من الشيوعيين مثل ساراموغا أو بابلو نيرودا، أو متعاطف مع الثورة الجزائرية مثل سارتر، فلا أحد يعترض، أنها أحكام سياسية من قبل النائحين وليست أحكاما ثقافية.

س – دعنا نتحدث عن ما قرأته لك. فالشعر يختبئ خلف حائط النثر، وفي كتاباتك أجد أحيانا لوحات فنية متكاملة، كيف تنظر إلى الفواصل بين الأشكال الكتابية؟

ج – في الخارطة الكتابية لا توجد تضاريس واضحة، من الضروري للنئري أن يحتضن الشعري، والعكس صحيح أيضا، مع التمسك بوحدة الموضوع في الرواية أو القصة، وفي الشعر إن أمكن. الشكل أو المظهر ضروري في العمل النثري، فلا عمل نثريا ناجحا دون حلة أنيقة. سأقرب لك الموضوع أكثر. لو كنت تجلس بين شخصين يتحدثان في نفس الموضع بدراية كبيرة، الأول غير معتن بشكله، والثاني أنيق المظهر، فأنك ستميل إلى الثاني حسب ما أظن، لأن اللغة هي تمظهر الموضوع وإعطاء الموضوع شكله اللائق. لذلك فأن المواضيع النبيلة لا تكفي اليوم لوحدها، عليها أن تظهر في حفل القراءة بشكل مؤثرساحر يلفت إليها الناظرين، وهذا برأي أحد أسرار الخلق السردي الناجح الذي ينطبع في ذاكرة القارئ. لا أنكر توصيفك لكتاباتي، ولا أعتذر عن نفخ جمل شعرية على لسان بعض شخصياتي، فلا خيال يترك تأثيرا طويلا بجمل اعتباطية مألوفة. ومن هنا ميل القراء الجدد اليوم إلى كاتبات روائيات وروائيين يكتبون بعربية فاتنة من نوع جديد، قد تبدو عابرة لتصنيفات الأجناس الأدبية عند بعض الأكاديمين. حصل هذا الأمر في المنجزالغربي منذ قرن تقريبا، فأنت حين تقرأ رواية [ذئب البراري] لهرمان هيسه، تجد نفسك في مشهد سينمائي بكل تفاصيله الشعرية والنثرية. لقد انتهى زمن الكتابة عن المحرمات الثلاث [الدين والجنس والسياسية]، اليوم يتم الكتابة عن الهشاشة البشرية في واقع عربي جهنمي لا يطاق، عن حيرة الناس اليومية، عن مغارات أعماق الناس وأسئلة الوجود الجارحة، عن التيبس العاطفي وتفسخ قيم العدالة والمساواة، عن الانحطاط السياسي في أكثر من طابق في منازلنا العربية. أنني أستطيع أن أزعم بأن الرواية المكتوبة بالفرنسية منذ القرن الماضي، قد تجاوزت منذاك المواضيع التي انشغلت بها الرواية المكتوبة بالعربية. فيوم ظهرت رواية نجمة لكاتب ياسين [1956]، أحدثت خلخلة في مفهوم الرواية المكتوبة بالعربية السائد في المشرق العربي، والذي قفت في أثره بعض الروايات المغاربية المكتوبة بالعربية بعد ذلك، التي ربطت قراءها بحبال الألتزام الغليظة يومذاك، وليكن الطاهر وطار مثالا فحسب.

س – هل تجعل الكتابة الكاتب أكثر تصالحا مع عالمه المزدحم بالتشوهات، العقوق، الخيانات، النفاق، أم أنها تنفخ فيه دعوة لمقاومة تلك الظواهر بالكتابة؟

ج – الكتابة تجعل الكاتب أكثر تصالحا مع نفسه أولا، وتجعله قابلا للتمرد على بعض الاشتراطات السياسية الساذجة وقرينتها الاجتماعية. شريطة أن يصل كل ذلك للقارىء المحب لمثله الأعلى، والذي يصبح مهيأ لتقبل أحاديث الكاتب، التي تبدو له غير مألوفة في اللقاء الأول. لاحظت ذلك شخصيا، فقد تحفظ بعض مجالسي على ما كنت أدعو إليه قبل سنوات، لكني سمعتهم بعد ذلك يتحدثون بنفس أفكاري بحضوري أو غيابي، دون تدخل مباشر مني. فرحت بتلك التحولات، وشعرت بأنهم يمضون إلى سوية فكرية بطريقتهم الخاصة. فالضغوط الإجتماعية والسياسية اليوم، لا تتيح للناس الوصول بنفس السرعة التي اتيحت لنا في تلك الأيام التي ضجت بزخم تحرري في كل الدنيا. أنا أدعو الشباب بكل صدق، للخروج من أسر أفكارنا وحكمنا البالية، ربما، شريطة التميزعبر القراءة والمعرفة الكونية الجديدة، مع الإحتفاظ بنوع من التوازن النفسي الضروري.

س – ماهو رأيك بأحداث الربيع العربي؟

ج – سؤال اشكالي لا يمكن مقاربته بوقار مصطنع أو استحياء ملفق. التغيير ضروي دائما، خصوصا هذه الأيام أو مع بداية الربيع العربي. لكن التغييرلا يشترط التثوير بل التنوير والتحضير، وتجريد الكثير من المسلمات من قداستها الراسخة. فالتنويرالذي حاول أن يشرك منطقتنا في وليمته بعد حملة نابليون على مصر، لم يجهض بسبب الاستبداد السياسي لوحده، بل بسبب ممناعة المجتمع الذي تعرض إلى ضغط قاس من النخب الدينية لدفعه بعيدا خارج الحدود بحجج الأصالة والهوية وما شاكل ذلك. ظل الحديث مركزا على منع الغزاة وإخراجهم من بلداننا، فتم تسليم جميع بلدان المشرق والمغرب للطغاة. وعندما تفامت الدعوات للإنقضاض على الطغاة، كدنا أن نسلم تلك البلدان للغلاة. وأظن أن كل ذلك تم بسبب تهميش القوى المتنورة، التي سمت الأشياء بأسمائها، ودعت للحوار مع الغرب العقلاني بتمرس وثقة تامة، واحترام متبادل لانتزاع الحقوق شيئا فشيئا، بلا شعارات جوفاء روجت لها الأحزاب الثورية، التي تقصدت أن تذهب بالناس إلى الهاوية، في سبيل مصالحها الضيقة. بدأت الشرارة مع حركة البكباشي عبدالناصر في العام1952، الذي بالرغم من بعض منجزاته التنموية، أوصد أبواب الحياة السياسية على خصومه، معتبرا أن المطالبة بالحرية السياسية هو ترف لايستقيم مع ظروف معركته مع إسرائيل. ففتح السجون على مصراعيها لتعج بالشيوعين والإخوان المسلمين والملكيين وعملاء إسرائيل المزعومين، وطرد بعد العام 1956، كل أوربيي مصر، الذين عاشوا فيها عشرات السنين، وبعضهم ولد فيها، فغابت ألوان الموزاييك الاجتماعي المصري، وساد اللون الرمادي في الحياة المصرية، ليكون الأسلام السياسي مجرد استحقاق مؤجل، سيظهر في ما بعد بكل عنف وقوة.

  أصبحت حركة البكباشي نموذجا لضباط المشرق العربي وغربه، فبعد ست سنوات قام مجموعة من الضباط بالانقلاب على الحكم الملكي في العراق، وذبح الضباط الناصريون والبعثيون ما تبقى من موروث ما بعد الاستقلال في سوريا، وكذلك في اليمن والسودان وليبيا والجزائر، وكاد الجنرال أوفقير أن يفعل نفس الشيء في محاولتيه الإنقلابيتين، الأولى بدوره المضمر والثانية بدوه المباشر ضد الملك الحسن الثاني.

  وها أنت ترى ما يجري في العراق وسوريا وغيرها من البلدان القريبة منهما، إنها نتيجة حتمية للإجهاز على حركة التنوير المغدورة. ومالم يتم تصفية الحساب مع ذلك الماضي، وتسمى الأشياء بأسمائها، فستتكرر دورات العنف بعد خفوت وقتي، بأسم داعش أو العسكر، أو طغم الأسلام السياسي الجديدة في العراق أو لبنان وفي كل المنطقة.

س – أصدرت في منتصف تسعينيات القرن الفائت مجلة أدبية باسم ‘ تافوكت‘، ما قصة تلك المجلة ولماذا توقفت؟

ج – بعد توقف مجلتي الكرمل ومواقف، وخلو المشهد الثقافي من منبر بقيمتيهما الاعتباريتين، تحاورت مع بعض الأصدقاء من الكتاب حول إصدار مجلة تقترب من أفقهما المعرفي. جاءتني الردود متحمسة ومشجعة، ولم يتمنع أو يتحفظ أحد منهم. فتنتني المغامرة دون أن أحسب حسابا للعواقب المالية. صدر العدد الأول في صيف 1996، وكانت الإنطباعات التي وصلتني طيبة. حاولت أن أستعيد جزءا من تكاليف المجلة لتمويل العدد الثاني، عن طريق إرسال بعض النسخ إلى بعض الكتاب في مواطنهم الأوربية لبيعها. بيعت المجلة ولم أستلم قرشا واحدا، بل أن شاعرا كتب لي موبخا بعد أن التمست منه أن يشارك في بيع المجلة، قائلا لي كيف تنتظرمنا نحن الكتاب أن نبيع لك المجلة، ألا يكفي أننا ننشر فيها مجانا!. وفي نفس الوقت كان صندوق بريدي ينفجر بوجهي حينما أفتحه، بسبب شكواه من كثرة القصائد والقصص والمقالات.

  وكانت المفارقة المضحكة أن اعترض بعض الصحفيين على أسم المجلة، كتب بعضهم: لماذا أعطيتها هذا الاسم الغريب على اللسان العربي، ولماذا لم تعطها اسما ينحدر من التراث العراقي القديم!. فقلت لهم الأمر حصل كما يلي بكل بساطة: أثناء إحدى سفراتي إلى المغرب، وصلت إلى مدينة الصويرة باحثا فيها عن نزل بمساعدة سائق تاكسي أوصلني من مراكش. وصلنا إلى فندق قبالة البحر بدا نظيفا وأنيقا، فطلبت من السائق انزالي هناك. كان صاحب الفندق جزائري قبائلي [أمازيغي]، أحسن وفادتي هو وزوجته المغربية. عمل الرجل سنوات طويلة في فرنسا، ثم جاء مستثمرا إلى الصويرة أثناء العشرية الدموية في بلاده. نمت بيننا علاقة أخوية، صرنا نتحدث عن الجزائر كثيرا وما حصل لها، خصوصا بعدما عرف أني عشت عامين في شرق الجزائر، ساردا له ذكرياتي عن مناطق القبائل وجمالها الطبيعي الخلاب. رفض بعد مقامي الأسبوعي أن يأخذ مني درهما واحدا بإصرار جزائري لا يقبل المساومة. استعنت سرا بزوجته واعطيتها المبلغ قائلا لها بعد أن رفضت بدورها خوفا منه [هذا مبلغ حجزي للرحلة القادمة، أرجوك أن تأخذيه]. وما أن عدت إلى ألمانيا، غطست بقراءة تاريخ الأمازيغ وقررت لأنني أنحدر من الأمة الظالمة لشعب مسخت هويته وثقافته، وكان مصدرا لتصدير السبايا والغنائم إلى عاصمة الدولة الأموية دمشق، أن أكرمه رمزيا بإعطائه أضعف ما أملك، إسمأ من تاريخه المطموس لعقود طويلة.   

  لكن تافوكت توفيت رغم ذلك بعد عددين بالسكتة المالية. وأنا سعيد لأن بعض مكنوناتها مازالت تجوب في لا وعي بعض النابهين والصادقين من حملة شعلة الثقافة. وسعيد أكثر لأن ذائقتي استقرت يومذاك على أسماء شابة، صارت من علامات المشهد الثقافي في بلدانها. وكم كانت فرحتي كبيرة، عندما نشرت ملفا عن أدباء مدينة البصرة بمعونة الصديق القاص والمبدع لؤي حمزة عباس، يوم كان النص العراقي الفاعل محاصرا من أطراف الأرض الأربعة.

س – ما هو جديدك بعد ذلك التوقف الطويل؟

ج – ستصدر لي نهاية هذا العام 2019، رواية بعنوان [منشدو كولونيا]، تركتها في حاسوبي سنوات طويلة، ثم أخرجتها للنشر في العام المنصرم بدفع من بعض الأحبة. وفي العام الذي يليه أتمنى أن تصدر لي رواية أخرى دفعتها للنشر بعنوان [الغابة السوداء تتكلم]. كما أنني انتهيت من ترجمة كتاب كورت توخولسكي [أحلام قرب موقد برليني]، الكاتب الألماني الذي رفض أن يعامل بصفته كاتبا ألمانيا، متنصلا من كل ما يربطه بألمانيا في بدايات صعود هتلر إلى الحكم، ثم مات في السويد منتحرا، على الأرجح. كما أنني أخط على قماشة استحقاق مؤجل فصولا من رواية عن تاريخ العراق الجديد.

س – كيف هي علاقتك بدور النشر العربية، يكثر الحديث عن طريقة عملها الاستعلائية المتعنتة في تعاملها مع الكتاب، ناهيك عن تغليبها للجانب المادي على أي جانب آخر؟

ج – أفضل أن لا أتحدث عن هذا الموضوع خوفا على منسوب ضغطي الدموي.