الرواية التي لا تكتَب مرتين.. الباغ للعمانية بشرى خلفان نموذجاً

الرواية التي لا تكتَب مرتين.. الباغ للعمانية بشرى خلفان نموذجاً

سامي الطلاق

كنتُ أقرأ مقالاً عن الرواية لأبو بكر العيادي الكاتب بصحيفة العرب اللندنية، يقول فيها ما معناه أن من قدرة الرواية أنها تتضمّن تاريخ المجتمعات، فمن أراد معرفةُ مجتمعٍ ما فليقرأ لروائييه.

هذا المثل ينطق تماماً على “باغ” بشرى خلفان، حيثُ المسرود يغلبُ عليه روحُ الأرض وتحوّلات مجتمعٍ تنقّل من تمرّدٍ على سلطانٍ “سعيد” لثورةٍ ثمّ انتقال السلاح لما سمي “ثورة ظفار” بنهاية ستينيات القرن الماضي ثم الاستقرار النسبي بعد ذلك، الى أن استتبّ الوضع وبدأت عجلة التنمية فعاد “العماني” المقهور من الكويت والظهران طلباً للعيش وغيرهما لبلده.

كل ذلك عبر “تحفةٍ” فنية سردية تمتاز بلغةٍ لا تخلو من شاعرية رقيقة “سمع اباه يردّد اكثر من مرة ان البحر هوى، من ركبه لا يرجع عنه، ومن يدخله لا يشفى منه، ومن يسافر فيه تندر عودته” ص 15.

على لسان “راشد” اخ ريا “بطلا” العمل وموضوعُه.

الرواية بلسانِ العليم لكنّ هذه الطريقة الفنية السردية التي أخذت بالتراجع لصالح أصوات الشخوص لم تشّتت السرد بل لا يكاد يشعر القارئ لها بثقلِ “العليم” العارف بما حصل وسيحصل الاّ من مقطعٍ وحيد وودتُ شخصياً لو حُذفَ من العمل ” وهذا ما قالته لريا وهي تودعها قبل ان تخرج من بيتهم بعد مدة من الزمن مزفوفة ومطيبة…” ص31 والمقصود “العودة” زوجة الرجل الذي يسميه راشد “الوالد” الذي يأخذه ضيفا ببيته “وسبلته” هو وأخته بعد أن تصادف معهما بالسوق هو التاجر وراشد أراد تمرا يسدّ جوعهما ، بعد خروجهما من “السراير” بعد ظلمٍ فاحشِ من عمه قاصدا مسقط غريباً مظلوما لا يحمل معه الا قيمة “ناقتهِ” التي يضطرّ لبيعها عند أسوار مطرح . والمقطع يخبر ان “ريّا” التي تحبّها العودة لاحقا لقراءتها القرآن وصوتها العذب ستتزوج وتغادر بيتهم .

عتبة الرواية غلافا وعنوان

بالنظرة “النقدية” للعمل ككلّ نجد أن الغلاف “الجميل” لايمتّ للعمل بصلةٍ حيث صفة من كتاب مرسومٌ عليها بوصلة وكذلك العنوان “الباغ” الذي هو بيت “البيبي سكينة – نرجس” حسنا زوجها سيسميّها سُكينة واسمها نرجس “البحرينية” التي تسافر مع زوجها لمسقط ولاترجع اليها “سكنّا فهالبستان وكتبه باسمي وسماني في عقد الزواج (سكينة) ونسيت نرجس ، بعدين ناداني الخدم البيبي ونسيت سكينة” ص121- لن نجده “الباغ” والذي يعني “حديقة بالفارسية” بطلاً أو موضوعاً الا خلال سكنى البيبي “صديقة محببة ل ريّا ومعلمة بناتها القرأن الكريم” وكذلك عشق “زاهر”-الشيوعي لاحقا والولد الوحيد ل “ريّا” من علي  الكاتب في برزة السيد وصديق راشد أخ ريّا- ل مِزنة ابنة ” البيبي” ( أحضرت مزنة كوبا من ماء الورد وصارت تسقس زاهرا ، وهو في حضن امه، ابتسم …..ولعينيها اللتين كورقتين سقطتا من شجرة لوز) ص172.

   وبظني كان عنوان ك “حجر الصبر” مثلا الذي سنراه كنايةً عن قلب ريّا يصلح كعتبةٍ نقدية مناسبة، فالعنوان جاذب باسمه غير ذات موضوع الرواية الذي هو “ريا وراشد وهروبهما من السراير لمسقط وخلال ذلك نشهد ملحمة لعشرين سنة من خمسينيات لسبعينيات القرن المنصرم”.

سرد بطيء وواقعيةٌ سحريةٌ فاتنة

الرواية عمل ذهني شاق، يحتاج أدواتاً لا تغيب بالتأكيد عن ذهن كاتبة لها تاريخ طويل بالكتابة، فتمكّنت من المشي بفضاء الرواية بخفةٍ لا حشو فيها ولا غياب للتشويق بل معرفة تامة حينَ يكون السرد “حدَثا” ومتى يكون “شاعريا” بلا تكلُّف.

وبها وجبةٌ دسمة من الروائح للمطبخ العماني، وألوان زاهية من الألبسة التي لازالت تُلبَس لليوم بظفار ومسقط وغيرها كتراثٍ تميّزت به هذه الجغرافيا، والوصف “السكاني” هنا نجدهُ أخاذاً “ادهشهما اهل مطرح في اختلافهم، وتباينهم بالألوان، خليط السحنات، ويتكلمون لغات كثيرة” ص19. “على يمينهما كان الصيادون يخلصون سمك السردين من حبال الشوك الرفيعة” .

وذلك بعد تركهما “ريّأ وراشد” للسراير من ظلم عمّهما ” تركها وراءه بغصة كما ترك السراير” ص10 يعني “ناقته نميصة” والتي ستدفنُ ريا “القروش” قيمتها لحينَ احتياج اخيها وبآخر العمل “ستذهب بها له ليخلّص ابنها من موتٍ بيد جيش السلطان لانضمامهِ للشيوعيين “الكفار”بمشهدٍ دراميٍّ مبكٍ، وقبل ذلك خروجهما “الدرامي” بمشهدٍ سينمائي من السراير ” نخوض، ويا نوصل رباعة يايشلنا الوادي رباعة” ص9 .

فهل وصلا حقا؟

بملحمةٍ تنتقل بها الروائية “المتمكنّة” من سرد تاريخ عمان من عهد السلطان سعيد لعهد ابنه قابوس الحالي الذي نمَت الدولة بعهده، ويتخلل ذلك الصراع بين “الامامة والسلطنط” والتحامهما لطرد “ابن عطيشان” من البريمي.

عمل لا يتكرر ولا يجب أن يمرّ هكذا، فهل سيج طريقه للسينما؟

_

كاتب سعودي