شخصية اليهودي في رواية الجندي الطيب شفيك

شخصية اليهودي في رواية الجندي الطيب شفيك

عبد الرزاق دحنون

كتب الشاعر الفلسطيني ابن غزة هاشم معين بسيسو في دفاتره الفلسطينية وكان في العراق يومها عام 1953. يقول:

حادثة لن أنساها في حياتي فحينما بدأت مؤامرة نوري السعيد بطرد اليهود من العراق، كان من بين اليهود المطرودين شيوعية يهودية عراقية رفضت ركوب الطائرة فضربها عسكر نوري السعيد حتى سقطت فوق سلم الطائرة فجروها جراً إلى داخل الطائرة وهي تصرخ: هذا وطني.

من سنوات خلت، أصدرت وزارة الثقافة السورية رواية “الجندي الطيب شفيك” للكاتب التشيكي ياروسلاف هاشك مترجمة عن النص الإنكليزي في مجلدين ضخمين. قام بجهد عمل هذه الترجمة الأستاذ توفيق الأسدي.

قرأت الرواية بشغف ورحت أخط بالقلم الرصاص تحت السطور التي تتحدث عن مناقب اليهود في الإمبراطورية النمساوية، مسرح أحداث الرواية، وحين أحصيتها وجدتها أكثر من خمسين موضعاً خلال الصفحات الألف والمائتين التي تؤلف سيرة الجندي الطيب شفيك في الحرب العالمية الأولى. وقد أعدتُ قراءة الرواية من جديد حين شاهدتُ جماعة من اليهود المتدينين قرب المدفعية الثقيلة وأرتال الدبابات وهم ينفخون في الأبواق ويتلون التوراة كي يساعدوا جنود إسرائيل في تحقيق إصابات مؤكدة ومؤيدة من رب اليهود.

حسبتُ أول الأمر أن المؤلف التشيكي ياروسلاف هاشيك تجنى على اليهود في روايته، ولكن بعد التدقيق وجدت أنه وصفهم كما هم في الواقع. حيث يحار المرء في الأسباب التي حدت بأهل أوروبا كي يعاملوا اليهود هذه المعاملة المزرية طوال تاريخ وجودهم بين الشعوب الأوروبية، وخاصة الفترة الزمنية الأخيرة التي تمتد لأكثر من أربعمئة عام. وحتى قبل أن يكتب وليم شكسبير مسرحيته الشهيرة تاجر البندقية عام 1597 ويفضح فيها تصرفات اليهود من خلال شخصية شايلوك. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، ماذا فعل اليهود حتى جروا عليهم كره أهل أوروبا؟ ومن المسؤول عن تشردهم في كل أرض؟ وبأي أسلحة دافع اليهود عن مصيرهم حتى يسخر التاريخ منهم هذه السخرية المريرة؟ 

يعيش اليهود في الرواية كالبشر، يأكلون ويشربون، يتزوجون وينجبون، يبيعون ويشترون، يَغلبون ويُغلبون، يجدفون ويستغفرون، يموتون ويدفنون، يفرحون ويحزنون، يمارسون حياتهم اليومية كما يفعل كل البشر في دنياهم.  هم من نفس الطين الذي جبل منه البشر، إلا أنهم غير كل البشر. هم من ملّة أخرى، صنعوا من الصور القديمة فتنة أو محنة، كانوا يجرون في الدنيا لعل الدرب يأخذهم إلى درب النجاة. النجاة من ماذا؟ هم لا يعرفون، لم يسألوا عما وراء مصيرهم. صنعوا خرافتهم كما شاءوا، وشادوا من عذابات الشعوب مصيرهم، توزعوا في الأرض وتعودوا السفر في عربات الآخرين. من كل شعب ألفوا أسطورة كي يشبهوا أبطالها، عمَّ كانوا يبحثون؟ ها نحن نصادف الأحفاد في هذه الرواية وسط أوروبا بداية القرن العشرين.

فحين انقطعت السبل بكتيبة الجندي الطيب شفيك في خطوط الجبهة الأمامية، وراح يبحث مع رقيب أول الإمدادات في أرجاء إحدى القرى عن أي حيوان يؤكل، لم يجدوا غير الماء يغلي في القدور، فأيقظا يهودياً في حانة، فراح يشد خصلات شعره الطويلة المجعدة، ويعبر عن أسفه العميق بأنه لا يستطيع مساعدة السادة الجنود. وفي النهاية جعلهما يشتريان منه بقرة عجوزاً، كانت عبارة عن هيكل عظمي حيّ هزيل، مجرد جلد على عظم. وقد طلب سعراً ًمخيفاً كثمن لها. ونتف لحيته وأقسم أنّهما لن يستطيعوا أن يجدوا بقرة مثلها في كل النمسا وألمانيا وأوروبا والعالم قاطبة. وطوال الوقت كان ينتحب ويبكي ويقسم أغلظ الأيمان أنها أسمن بقرة جاءت إلى العالم بأمر من الإله “يهوه”. كما أقسم بكل أجداده أن الناس تأتي راكبة لتتفرج على بقرته، أنهم يتحدثون عنها في كل أنحاء المنطقة على أنها أعجوبة، كما أنها لم تكن بقرة بل جاموسة ذات لحم ريان ليس له مثيل. ثم ركع أمامهم على الأرض وهو يحتضن ركبهما الواحد بعد الآخر ويبكي قائلاً: اقتلوا اليهودي العجوز المسكين إذا أحببتم ولكن لا تذهبوا دون بقرته.

وها هو ضابط الجندي الطيب شفيك يذهب إلى المسرح الهنغاري حيث كانت تعرض أوبريت، تؤدي الأدوار الرئيسية فيها ممثلات يهوديات عامرات الصدور بدينات الأجسام يتميزن بمزية خرافية تتجلى في أنهن حين يرقصن يقذفن بسيقانهم في الهواء وهن لا يرتدين أية سراويل أو أثواب ضيقة تحتانية من تلك التي ترتديها الراقصات، فتظهر النساء اليهوديات عاريات، وهاهم ضباط المدفعية الجالسين على المقاعد الأمامية من المسرح وقد جلبوا معهم إلى المسرح مناظير الميدان ليتفرجوا على ذلك المشهد الجميل.

أما خارج المسرح فقد كان الفرسان الهنغاريون يذيقون يهوديين بولنديين الجحيم بعد أن سرقوا لهما سلّة المشروبات الروحية المعدة للبيع. كان هؤلاء الفرسان في حالة من النشوة. وبدلاً عن أن يدفعوا ثمن ما شربوه كانوا يضربون اليهوديين. ويبدو أن هذا كان مسموحاً به لأن نقيبهم كان يشاهد ما يفعلون بينما كان بعض الفرسان الهنغاريين الآخرين يدسّون أيديهم، خلف المستودع، تحت تنانير بنات سوداوات العيون هن بنات هذين اليهوديين. 

وقد اتُهم الجندي الطيب شفيك بأنه يهودي قذر، وحكاية اتهامه طريفة فقد وصل إلى بحيرة صغيرة حين تاه عن مكان فوجه، حيث صادف أسيراً روسياً هارباً كان يستحم في تلك البحيرة. وحين لمح هذا الأسير شفيك هرب على الفور عارياً كما ولدته أمه. كانت البزة الروسية تحت شجرة الصفصاف وقد انتاب شفيك الفضول لمعرفة كيف ستبدو عليه البزة، لذا خلع ملابسه وارتدى البزة التي كانت للأسير الروسي. ولقد أراد شفيك أن يرى انعكاس صورته في الماء ولذا سار مسافة طويلة على طول امتداد سد البحيرة بحيث ألقت عليه القبض دورية من الدرك الميداني كانت تبحث عن الأسير الروسي الهارب. ورغم احتجاجه إلا أنهم جرّوه نحو مقر القيادة، حيث وضع ضمن قافلة الأسرى الروس الذين كانوا سيرسلون للعمل في إعادة بناء خط السكة الحديدية المدمر. وحين تجمع الأسرى في الساحة صاح الرقيب الأول: من يعرف منكم الألمانية؟ تقدم الجندي الطيب شفيك خارج المجموعة واندفع بوجه بشوش نحو الرقيب الأول الذي أمره بأن يتبعه إلى المكتب فوراً. قال لشفيك: أنت يهودي، أليس كذلك؟ هز شفيك رأسه. رد الرقيب الأول: لا حاجة إلى إنكار ذلك، كل واحد منكم أيها الأسرى يعرف الألمانية يهودي، وهذا أمر لا مجال للشك فيه. اسمع أيها الأسير في النمسا لا توجد مذابح جماعية. أنا زعيم كبير هنا أيها اليهودي، فإني أعيّنك مشرفاً على قافلة الأسرى، كما ستقوم باستلام تعيينات الطعام لهم. وإذا ما هرب أي واحد منهم أيها الولد اليهودي فسأطلق النار عليك.

وطبعاً لم يكن الجندي الطيب شفيك يهودياً، أو قد يكون، فهو لا فرق عنده أكان يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً أو حتى كونفوشيوسياً. فقد قدمه ياروسلاف هاشيك في بداية روايته قائلاً: تتطلب الأوقات العظيمة رجالاً عظماء. هناك أبطال غير معروفين، متواضعون، ولا يتمتعون بأي فتنة تاريخية كلتي كانت لنابليون. وإذا ما حللت شخصيتهم ستجد أنها ستكسف حتى مجد إسكندر المقدوني. واليوم يمكنك أن تقابل في شوارع براغ رجلاً يرتدي ملابس رثه، لا يدرك هو نفسه أهميته في التاريخ، إنه يسير بتواضع في طريقه دون إن يزعج أحداً. ولا يزعجه الصحفيون طالبين منه المقابلات. ولو سألته عن اسمه سيجيبك ببساطة ودون ادعاء أنا شفيك.

تحفل الرواية داخل نسيجها الفني بالعديد من الشخصيات اليهودية المسحوقة المزريةـ فقد كان كافياً كي تشتم أن تقول للشخص أنت يهودي، فاليهودية شتيمة بحد ذاتها. هذا ما كان عليه الوضع وسط أوروبا بداية القرن العشرين حين كتب ياروسلاف هاشيك روايته. ولكن ما السبب؟

تميل بعض الأفكار التي وجدتها عند بعض الباحثين إلى أن اليهود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت جماعة وظيفية فقدت وظيفتها وأساس بقائها. ومن ثم، كان أعضاؤها في حالة تَراجُع أخلاقي وانحطاط حضاري هائل. خاصة الفقراء منهم، حيث تركَّزوا في مهن وحرف هامشية ومشينة، تجنب العمل فيها مسيحيو أوروبا، مثل تقطير الخمور وإدارة الحانات وبيع ورهن الحاجات المنزلية والملابس القديمة، كما أنهم مارسوا مهنتهم القديمة الربا، كما كان عدد البغايا اليهوديات مرتفعاً إلى درجة كبيرة، ونحن نجد أن صورة اليهودي كجاسوس صورة متواترة في الأدب العام لأوروبا، وقد ظهر كل هذا جليّاً في رواية الجندي الطيب شفيك. وقد تغير وضع اليهود في العالم أثر إعلان قيام دولة إسرائيل في مدينة تل أبيب وذلك يوم الجمعة الرابع عشر من أيار عام 1948.